محمد الحرش
منتدى العمق

من الإيمان بالقدر إلى فقه القدر والعمل به

استقر لدى الفقهاء أن لا فائدة في علم بلا عمل، وأن العمل الصحيح والمقبول هو الذي تأسس على العلم الصحيح مصداقا لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (محمد، الآية 19). مما يجعلنا نتساءل عن علاقة الإيمان بالقدر مع مقتضياته التطبيقية والعملية؟ هل هو مجرد إقرار سلبي بمشيئة الله وسننه وما أنزله من ابتلاءات أم هو تفاعل إيجابي يبرز ما وهبه الله للإنسان من قدرات وملكات بها سمى وارتقى ليكون خليفة في الأرض فيستحق التكريم الرباني وأن يباهي الله به ملائكته؟

إن مشروع إعادة النظر في مفهوم القضاء والقدر يثير سؤالاً يتجاوز الجدل الكلامي التقليدي: هل ينبغي فهم القدر أساساً بوصفه علماً سابقاً يخبر بما سيقع، أم بوصفه نظاماً يحدد خصائص الأشياء ومقاديرها وروابطها وشروط تحققها، ويتيح للإنسان أن يختار ويسعى داخل هذا النظام؟ ومن هنا تأتي أهمية الانتقال «من نظرية العلم إلى نظرية المشيئة»: أي نقل مركز الثقل من سؤال “ما الذي عُلم عن المستقبل؟”، إلى سؤال “كيف تتشكل الوقائع، وما مجال الاختيار الإنساني فيها، وكيف يقع الفعل بمشيئة الله”؟

المحور الأول: من القدر بوصفه خبراً عن المستقبل إلى فقه شروط الأشياء

يقترح هذا التصور ألا يُختزل القدر في معنى أن أحداث المستقبل مكتوبة أو معلومة قبل وقوعها، وهذا صحيح سواء تعلق العلم القبلي بجزء من هنيهة أم بآلاف أو ملايين السنين حسب طبيعة هذا المستقبل وأهميته، بل أن يُنظر إليه أيضاً باعتباره تحديداً لخصائص الأشياء ومقاديرها وعناصرها وروابطها وكيفياتها وتوابعها. فالشيء لا يعمل في فراغ؛ إنه يتشكل من بنية، وشروط، وحدود، وعلاقات سببية، وسنن تنتظم بها حركته. وفهم هذه المحددات هو ما يمكن تسميته «فقه القدر»: معرفة النظام الذي تنتظم به الأشياء، وما تسمح به إمكاناتها، وما تمنعه حدودها وما ترتبط بها من نتائج ومسؤوليات.

ومن أبرز الآيات التي يُستأنس بها في هذا الإطار قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان: 2)، وقوله جل وعلا: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: 3)، وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49)، وقوله سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (الأعلى: 2-3).

هذه الآيات لا تسرد قائمة تفصيلية من «الأجزاء والروابط والكيفيات والكميات»، لكنها تفتح مجالاً لفهم التقدير بوصفه إحكاماً وتحديداً وانتظاماً، ثم يأتي التفصيل العلمي ليشرح ما يمكن أن يتضمنه ذلك في الموجودات. كما أن «فقه القدر» بهذا المعنى لا يعني كشف الغيب أو معرفة كل النتائج مسبقاً، بل معرفة السنن والشروط التي بها تُفهم الظواهر ويحسن التعامل معها. قال تعالى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (سبأ: 11). جاء في التفسير الميسر: “قدر – يا داود – المسامير في حلق الدروع، فلا تعمل الحلقة صغيرة فتضعف، فلا تقوى الدروع على الدفاع، ولا تجعلها كبيرة فتنثقل على لابسها”.

يمكن تحديد هذا البناء النظري خمس خطوات:

1- لكل شيء عناصر ومكونات: أي شيء نريد إنشاءه أو إصلاحه له عناصر يتوقف عليها وجوده وأداؤه.

2- لهذه العناصر علاقات وخصائص ومقادير: لا يكفي وجود العناصر؛ بل ينبغي معرفة وظائفها، وكيفية ارتباط بعضها ببعض، والمقادير المناسبة لكل منها.

3- فهم هذه العلاقات هو فقه للقدر: أي معرفة ما يتوقف عليه الشيء، وما يصلحه، وما يفسده، وما الشروط التي تساعد على تحققه، ومقدار كل عنصر.

4- الإنسان يختار ويتعلم ويأخذ بالأسباب: يستخدم المعرفة والعقل والقدرة في اتخاذ القرار، ثم يعمل على تحقيق النتيجة المطلوبة.

5- تتحقق النتائج بقدر تحقق شروطها: يزداد احتمال النجاح حين تُفهم الشروط والأسباب وتضبط المقادير، وتُعرف الروابط والعلاقات أي بقدر ما يكون في العمل البشري من الإتقان والإحسان، مع بقاء النتائج مرتبطة بعوامل أخرى وبما لا يملكه الإنسان من قدرة على التحكم.

المحور الثاني: تمييز وتحديد مفهوم القدر

بحسب المفهوم الذي نتبناه والذي نراه مشتقاً من التعريف اللغوي وينسجم مع السياقات القرآنية ويصلح أن يكون مفهوماً اصطلاحياً، فإن القضاء هو قرار أو حكم يتعلق بوقوع الشيء، أو الإذن بوقوعه، بينما القدر هو كذلك مجموعة قرارات تحدد عناصر الشيء ومقداره وخصائصه وشروطه وروابطه.

يترتب على هذا التفريق أن السؤال عن القضاء ليس فقط: هل وقع الحدث في علم سابق؟ بل كذلك أي إرادة قررت وقوع الشيء؟ وما تملك هذه الإرادة من القدرة الضامنة لوقوعه. والأمر نفسه في القدر والذي ليس فقط هندسة نظرية قبلية، بل كذلك يتعلق بالشروط التي تجعل وقوعه ممكناً والخصائص التي تحكمه، وما الأسباب التي يستطيع الإنسان معرفتها والتأثير فيها؟ وتأتي المشيئة في هذا البناء لتبين أن تحقق الأسباب لا يمنح الإنسان استقلالاً مطلقاً عن قدرة الله، كما أن وجود نظام للأشياء لا يعني أن كل فعل بشري وفق شروط النظام يأتي دائماً وأبداً بالنتيجة المقصودة إلا إذا أذن الله.

ومن المفيد هنا الاحتفاظ بمفهوم «النظام» أو «Système» الذي يتأسس عليه هذا الطرح لمفهوم القضاء والقدر: فالقدر ليس مجرد حوادث منفصلة، بل منظومة من السنن والروابط والحدود. والكتابة، وفق هذا التقريب، تلعب دورين أساسيين كلاهما في خدمة المشيئة القاهرة:

الأول: أن لا شيء يقع إلا بإذن الله وعلمه فقد كتب قبل أن يقع ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام: 59).

والثاني: أن لا شيء يعجز الله تعالى، فإذا كتب شيئاً وقع بالضرورة، قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (البقرة: 117).

المحور الثالث: مشيئة الإنسان عازمة ومشيئة الله حاسمة

عندما يتعلق الأمر بالفعل البشري فإن مشيئة الإنسان تكون عازمة نحو الفعل، بينما مشيئة الله تكون حاسمة في وقوع النتيجة من عدمها، فالمشيئتان ليستا على مستوى واحد، وليس بينهما تعارض. ومن أهم الأدلة في هذا الباب قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير: 28-29). فالآيتان ليس بينهما نسخ ولا محو ولا تأويل ولا تعطيل.

وتكمن أهمية تعاقب الآيتين في أن الآية الأولى تثبت مشيئة حقيقية للإنسان عازمة على الفعل وإلا بطلت نسبة الفعل للإنسان إذا وقع أو أن الفعل لن يقع أصلاً، والآية الثانية تنفي استقلال مشيئة الإنسان بإحداث الفعل واستغناءها عن مشيئة الله. فالأولى تثبت أن الإنسان يشاء الاستقامة أو الغواية، والثانية تقرر أن مشيئته تبقى تحت ظل ورحمة مشيئة رب العالمين. بل تؤكد أن مشيئة الإنسان ما كانت لتكون ابتداء ثم ما كانت أن تكون أمامها، ثم ما كانت لتختار من تلك الإمكانات المتاحة وأيضاً ما كان اختياره ليتحقق لو لم يشأ الله.

وهكذا تكون مشيئة الإنسان عازمة ومسؤولة عن قراره، وعن توجيه اختياره نحو الأسباب التي يراها مؤدية إلى غايته ومقصده؛ وتكون مشيئة الله مهیمنة وحاسمة فيما يمكن أن يقع أو لا يقع في ملكه تعالى. وبهذا يمكن التمييز بين ثلاث حلقات:

الأولى: قرار الإنسان في اختيار أحد الممكنات، فالقدر يحدد مجال الاختيار وإمكاناته، ويؤثر في شروطه، لكنه لا يستلزم أن يكون الاختيار نفسه مفروضاً على الإنسان.

ثانياً: سعيه في الأسباب وفق ما يملك من قدرة وعلم بالسنن. والإنسان ليس مجرد محل تجري عليه الظروف؛ بل هو فاعل يوازن بين الإمكانات، ويريد ويختار ويسعى. لذلك لا يجوز مساواة تأثير الظروف بإلغاء فاعليته.

ثالثاً: تحقق النتيجة أو تعذرها وفق الحكمة والمشيئة الربانيتين. فالإنسان مسؤول عن عزمه واختياره وسعيه في حدود قدرته لأنه يملك مشيئة حقيقية، لكنه لا يملك ضمان النتائج ولا التحكم المطلق في العالم.

لا يتحدد التكليف بما يريده الإنسان وحده، ولا بما تفرضه ظروفه وحده، بل بما يوجبه الشرع ضمن قدرته واستطاعته الفعلية. بهذا المعنى، لا يكون القدر مجرد حدٍّ خارجي للتكليف، بل يدخل في تشكيل المجال الذي يعمل الإنسان داخله، وفي الشروط التي تجعل بعض الخيارات ممكنة أو متعذرة، وبعض الأفعال ميسورة أو شاقة.

لكن التأثير في الاختيار لا يعني بالضرورة إلغاء الاختيار. فقد يضيِّق فقر خيارات الإنسان من دون أن يحدد بالضرورة قراره الأخلاقي، وقد يؤثر المرض في قدرته على العمل من دون أن يلغي كل ما يستطيع فعله.

ومهما تكن التربية السائدة والثقافة المجتمعية والسلطة الحاكمة والظروف المحيطة … فهي كلها عوامل مؤثرة في مجال الاختيار لدى الإنسان، لكنها لا تثبت وحدها أن اختياره معدوم أو أنه لا محالة سيختار الاختيار الفلاني لأن تطابق الظروف والأحوال لا يعطي نفس الاستجابة مما يبين أن للشخصية دورها وتميزها السلوكي والأخلاقي.

لذلك يعتنی القرآن الكريم بسرد نماذج اختارت الكفر لأسباب تافهة، مثل مهابة القبيلة أو لنيل متاع قليل من الدنيا، بينما اختار آخرون الإسلام وهم تحت المنشار يقسمهم نصفين أو وسط رمى النيران تأكل أجسادهم أحياء. بل إن القرآن الكريم ميز بين السابقين واللاحقين لميزة في أنفسهم ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (الحديد: 10).

ولا ينبغي تصوير مشيئة الله ومشيئة الإنسان باعتبار هما إرادتين متنافستين على مستوى واحد. الإنسان يختار ويسعى اختياراً حقيقياً، بينما لا تستقل نتيجة جهده عن سلطان الله. وهذه الصياغة تقصد الجمع بين المسؤولية الإنسانية والهيمنة الإلهية.

المحور الرابع: القدر محدد أساسي في التكليف

تظهر صلة القدر بالتكليف في مجموعة من الآيات التي تربط المطلوب الشرعي بالوسع والاستطاعة والحال الواقعية للمكلَّف. قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (الطلاق: 7). وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286). وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: 16). وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78).

وتؤكد آية الإكراه في سورة النحل (106) أن الحالة التي يقع فيها الإنسان تحت الإكراه ليست حالة الاختيار الحر، كما تبين آية النور (61) رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض في سياقها. وهذه النصوص لا تجعل كل ظرف عذراً تلقائياً، لكنها تمنع التسوية بين الناس في التكليف من غير نظر إلى القدرة والوسع والحال. فالتكليف لا يتوجه إلى إنسان مجرد عن شروطه، وإنما إلى إنسان له قدرات وحدود وظروف.

ومن هنا يمكن أن يصبح القدر، وفق هذا البناء، محدداً أساسياً في فهم التكليف: إنه المجال الواقعي الذي يتحرك داخله الإنسان، بما فيه من قدرة واستطاعة وعوائق وفرص. فالواجب الشرعي لا يُفهم بمعزل عن القدرة، كما لا تتحول نقص القدرة إلى إعفاء مطلق من المسؤولية. وتبقى الحاجة قائمة إلى التمييز بين العجز الحقيقي، والإكراه، ونقص القدرة، وبين التهاون والتقصير مع وجود الوسع.

فالقدر في السياقات القرآنية يتجاوز مسألة الإيمان بالقدر من قضية تتعلق بالمستقبل وحده إلى منهج لفهم الفعل والواقع والمسؤولية. وهذا الأمر يؤكده ما أثر عن الصحابة الكرام وعلى رأسهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. لما قال: “نفر من قدر الله إلى قدر الله”.

فبدلاً من أن يسأل الإنسان: «هل كُتب لي النجاح؟»، يصبح السؤال: *ما الشروط التي يتوقف عليها النجاح؟ *ما العناصر التي ينبغي توفيرها؟ *ما العلاقات التي ينبغي فهمها وضبطها؟ *ما الخيارات المتاحة أمامي؟ *ما الأسباب التي أستطيع اتخاذها، وما حدود قدرتي ومسؤوليتي؟

المحور الخامس: فقه المحاسبة: الفرق بين العجز والتقصير والنتيجة

إذا كان الإنسان مسؤولاً عن اختياره وسعيه، لكنه لا يملك ضمان النتيجة، فإن المحاسبة ينبغي أن تميز بين الفعل الذي صدر عنه، والظروف التي أحاطت به، والنتيجة التي لم تكن كلها تحت سيطرته. فقد يبذل الإنسان جهداً مشروعاً ولا يحقق النجاح بسبب عائق خارج عن قدرته، وقد ينجح شخص بوسائل غير عادلة، فلا يكون النجاح وحده دليلاً على صحة الفعل أو استحقاق الثناء.

تساعد هذه التفرقة على تجنب خطأين متقابلين: الأول هو الجبر، أي تحميل الإنسان شعوراً بأنه لا يختار ولا يؤثر، والثاني هو تحميله مسؤولية كل ما يقع، كأنه يملك النتائج والظروف كلها. فالمحاسبة العادلة تتعلق بقدر ما علم الإنسان، وما استطاع، وما اختار، وما تعمد، وما سعى إليه، مع مراعاة الإكراه والجهل والعجز والقيود الفعلية.

وهنا تتصل آيات الوسع والاستطاعة بمفهوم القدر: فهي لا تصف فقط حدوداً كونية، بل تؤسس لمبدأ أخلاقي في تقدير المسؤولية. غير أن تنزيل هذا المبدأ على الوقائع يحتاج إلى اجتهاد، لأن تقدير القدرة والاختيار ليس دائماً أمراً بسيطاً. ويقتضي ذلك تجنب استخدام «القدر» ذريعة لتبرير الظلم أو الإهمال، كما يقتضي عدم تجاهل الظروف التي تقلل قدرة الإنسان على الفعل.

يجب التمييز بين المسؤولية عن القرار، والمسؤولية عن النتيجة. خذ مثالين:

المثال الأول: طبيب بذل وسعه ولم ينجح العلاج

الطبيب اختار العلاج المناسب، واستعمل معرفته ووسائله المتاحة، لكنه لم يتمكن من إنقاذ المريض. فعدم تحقق النتيجة لا يثبت وحده أنه أخطأ أو قصَّر؛ فقد تكون هناك عوامل لم يستطع التحكم فيها. فالمحاسبة المهنية والأخلاقية تتعلق أيضاً بصحة قراره، وبما بذله، وبمدى التزامه بالمعايير، لا بالنتيجة وحدها.

المثال الثاني: شخص استطاع أداء واجب وتركه عمداً

إذا كان الشخص قادراً على أداء واجب، ويعلم ما يلزمه، ولا يوجد مانع معتبر، ثم تركه باختياره، فلا يصح أن يتخذ القدر ذريعة لإسقاط مسؤوليته.

إن عدم تحقق ما أراده الإنسان لا يعني بالضرورة فشله أخلاقياً، كما أن وقوع الفعل لا يعفيه من المسؤولية عن اختياره. فوجود القدرة والاختيار هو ما يجعل الفرق بين العجز والتقصير ذا أهمية في المحاسبة.

إن تحقيق العدالة يقتضي فهم أحوال الناس واختلاف قدراتهم والظروف التي تحيط بأفعالهم، كما تقتضي عدم إلغاء مسؤوليتهم عن اختيارهم. فإذا كان التكليف مرتبطاً بالوسع، فإن الحكم على الأفعال يجب أن يراعي القدرة والقصد والإكراه والضرر والحقوق المتصلة بالفعل. ومن ثم يصبح فهم شروط الفعل جزءاً من إقامة العدل، لا وسيلة لإبطال المحاسبة.

العدالة لا تتحقق بمجرد إعلان الرغبة فيها. بل تحتاج إلى معرفة الحقوق والواجبات، وضبط الأدلة والإجراءات، والتناسب بين الفعل والمسؤولية والجزاء، ومنع التحيز.

ومن هنا يمكن وصل فقه القدر بالعدالة من جهتين: فهم شروط قيام نظام عادل، وفهم مسؤولية الإنسان عن اختياره وفعله باستحضار التحديات الواقعية والظروف المحيطة.

المحور السادس: فقه القدر أساساً للنجاح الدنيوي والتقدم الحضاري

إذا كان القدر يشير إلى نظام الأشياء وخصائصها وروابطها وشروطها، فإن فقهه يصبح مدخلاً إلى النجاح الدنيوي. فالزراعة تتقدم بفهم التربة والماء والمناخ ومواسم البذر، والطب يتقدم بفهم الجسم والمرض وأسباب العدوى وآليات العلاج، والهندسة والتكنولوجيا تتقدمان بفهم خصائص المواد والطاقة والحركة والمعلومات. في كل هذه المجالات لا يتحقق النجاح بمجرد التمني، بل بمعرفة السنن، وتجربة الفرضيات، واكتشاف العلاقات، وتصحيح الأخطاء.

بهذا المعنى، لا يكون التقدم العلمي خروجاً عن الإيمان بالقدر، بل يمكن أن يُفهم باعتباره سعياً إلى معرفة بعض ما أودعه الله في العالم من انتظام. فالدواء لا ينجح لأن الإنسان يتمنى الشفاء فحسب، بل لأنه يراعي أسباب المرض وخصائص الجسم والجرعة والوقت والتدخلات. والتقنية لا تعمل بمجرد الرغبة، بل تحتاج إلى معرفة القوانين التي تسمح بتحويل الطاقة أو نقل المعلومات أو بناء الأنظمة.

إن معرفة السنن والأسباب شرط مهم من شروط النجاح، لا أنها الشرط الوحيد ولا أنها تضمن النتيجة. فالمشيئة الإلهية، في هذا التصور، تظل حاكمة على تحقق النتائج، والمشيئة الإلهية تارة تميل لصالح السنن فتأتي النتائج وفق سعي الإنسان، وتارة تميل لصالح الحكمة الربانية لما فيه خير الإنسان والإنسانية والتي قد يكون من مقتضاها حرمان الساعي من النتيجة التي أرادها وإعطاؤه خيراً منها إما في الدنيا أو تأجيل ذلك للآخرة، وهذا واضح في فقه الدعاء. بينما يظل المطلوب من الإنسان أن يتعلم ويعمل ويختبر ويصحح.

ويمكن توسيع هذا الفهم ليشمل بناء المؤسسات: فالمؤسسة الناجحة هي التي تفهم حاجات الناس، وتحدد أسباب الخلل، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتستفيد من البيانات والتجربة، وتراجع قراراتها. وهذا كله من فقه الروابط والشروط والآثار، لا من الاكتفاء بإرجاع كل شيء إلى المصير. لذلك يحمل مفهوم القدر، في قراءته العملية، على أنه دعوة إلى البحث والعمل وتحمل المسؤولية.

وهنا تكمن النقلة الأساسية: من سؤال «هل هذا الأمر مقدَّر؟» إلى سؤال «ما العناصر والشروط والعلاقات التي تجعل هذا الأمر يتحقق، وما الذي ينبغي للإنسان أن يختاره ويفعله؟». وهي في نظري محاولة تأصيلية لجهود محمد عبده ورشيد رضا وجمال الدين الأفغاني لنقل مفهوم القدر من مجال الاعتقاد المجرد إلى مجال فهم الواقع والتعامل معه.

1- في مجال الفلاحة

لا ينمو الزرع بمجرد رغبة الفلاح في حصاده؛ فنجاح الزراعة يتأثر بخصائص التربة والبذور، ومواعيد الزرع، وتوفر الماء، والطقس، ومكافحة الآفات. لذلك يراقب الفلاح هذه العوامل ويختار ما يناسبها من البذور وأساليب الري والعناية بالمحصول، ثم يعدِّل عمله بحسب النتائج.

ويشير القرآن إلى إنبات النبات وتنوعه، قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ (الحجر: 19)، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49). وفي السنة، ورد في تلقيح النخل أن النبي ﷺ قال: “أنتم أعلم بأمر دنياكم”(1)، والحديث يقرُّ بأهمية الخبرة البشرية في شؤون الزراعة.

2- الطب والعلاج

جسم الإنسان نظام مترابط من الأعضاء والخلايا والوظائف. لذلك يعتمد تشخيص المرض واختيار العلاج على فهم أسباب المرض، وخصائص المريض، وكيفية تأثير الدواء فيه، بما يشمل الجرعة المناسبة والتفاعلات الدوائية والعوامل التي قد تغيِّر الاستجابة للعلاج.

قال النبي ﷺ: “ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً”(2). ويبعث الحديث على الرجاء في وجود العلاج، لكنه لا يحدد علاجاً بعينه. فمعرفة العلاج والجرعة الملائمة تحتاج إلى بحث وخبرة طبية.

3- التكنولوجيا والصناعة

لا تعمل الآلة لمجرد رغبة الإنسان في تشغيلها؛ إذ يتطلب تصميمها مراعاة خصائص المواد وأبعاد القطع والجهد الكهربائي والحرارة والاحتكاك وطريقة اتصال المكونات. ويختبر المهندس التصميم، ويتحقق من مطابقته للمواصفات، ثم يعدله عند الحاجة.

وضرب القرآن الكريم للناس أمثلة من خلال صناعة الدروع، وكذلك في صناعة السدود كما ورد في قصة ياجوج وماجوج ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ (سورة الكهف، 95-99).

المحور السابع: فقه القدر والفلاح الأخروي

أما الفلاح الأخروي، فلا يُختزل في النجاح الدنيوي ولا في مجرد التسليم بما وقع. إنه يتصل بالإيمان والعمل الصالح والاستقامة والعدل والتقوى، أي بتوجيه الاختيار نحو ما يرضي الله ضمن حدود القدرة. وتؤكد آية التكوير أن الإنسان يشاء الاستقامة، ثم تؤكد الآية التالية أن مشيئته لا تستقل عن مشيئة الله. وهذا يجمع بين الاستجابة لأمر الله وبين الرجاء في الله، فربنا لا يؤمرنا بشيء ثم يحول بيننا وبينه.

ومن الضروري ألا يُساوى بين «فقه القدر» وبين القدرة على التحكم في المصير أو ضمان الثواب. فمعرفة السنن لا تمنح الإنسان علماً شاملاً بالمستقبل، والعمل الصالح ليس صفقة آلية تضمن نتائج دنيوية محددة. المقصود أن الإنسان مدعو إلى العمل الواعي، وأن المسؤولية تتعلق بما يختاره ويسعى إليه، وأن النتائج النهائية ليست ملكاً مستقلاً له.

تجمع نظرية المشيئة في القدر بين فقه السنن المادية وبين السنن الأخلاقية والتكليفية. فالإنسان يختار بين الطاعة والمعصية، ويتخذ أسباب العمل الصالح أو يتركها، وتترتب على ذلك المسؤولية والجزاء. ومن الآيات ذات الصلة قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: 7-8).

لذلك لا يعني الإيمان بالقدر انتظار الفلاح الأخروي دون عمل، بل يقتضي فهم مجال الاختيار والتكليف، والعمل بما أمر الله به. وقد يكتب العبد مع الفائزين ثم يمحى ثم يكتب مع الخاسرين والعياذ بالله قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت: 17)، وقال رسول الله ﷺ: “بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا”(3).

خاتمة

تقدم «نظرية المشيئة» محاولة لإعادة وصل القضاء والقدر بالفعل الإنساني والمسؤولية والعمل الحضاري. فالقدر، في هذا التصور، لا يُختزل في مصير مجهول يُطلب من الإنسان التسليم به، ولا في مستقبل محسوم يحتاج من يكتسب أثره غنماً أو غرماً، بل يُقرأ بوصفه نظاماً للأشياء، بما فيها من مقادير وخصائص وروابط وسنن. ومن ثم يصبح فقه القدر طريقاً لفهم الواقع والتعامل معه، سواء في الطب والزراعة والتكنولوجيا، أو في بناء المؤسسات وتحقيق العدالة.

وفي الوقت نفسه، لا يعني هذا الفهم أن الإنسان مستقل بنتائجه أو أن الأسباب تضمن النجاح. فمشيئة الإنسان حقيقية من حيث العزم والاختيار والسعي، لكنها ليست مطلقة؛ ومشيئة الله مهیمنة على ما يقع أو لا يقع في ملكه. وتأتي آيات التكليف بالوسع والاستطاعة لتربط المسؤولية بما يقدر عليه الإنسان، وتمنع التسوية بين العجز والتقصير، كما تمنع اتخاذ الظروف ذريعة لإلغاء الاختيار.

بهذه الضوابط يمكن أن تتحول مسألة القضاء والقدر من نقاش تجريدي حول العلم السابق إلى مشروع في فهم الفعل والسنن والتكليف والمحاسبة: مشروع يقر بفاعلية الإنسان من دون أن يجعله مالكاً مطلقاً للنتائج، ويقر بهيمنة الله من دون أن يجعل التكليف عبثاً، ويربط الإيمان بالقدر بالعمل والمعرفة والعدل بدل أن يجعله مبرراً للسلبية والاستسلام.

وأخيرا فما كان من توفيق فمن الله صاحب الفضل والمنة، وما كان من خطأ فمن نفسي، وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.

الهوامش:

(1) صحيح مسلم، (2363)

(2) صحيح البخاري، (5678)

(3) صحيح مسلم (118)