الصحراء المغربية… حين يتكلم الفيتو بلغة المصالح
وجهة نظر

الصحراء المغربية… حين يتكلم الفيتو بلغة المصالح

قراءة سياسية في دلالات بلاغ الديوان الملكي ومحددات الموقف الروسي داخل مجلس الأمن

تمهيد

لم تعد قضية الصحراء المغربية مجرد نزاع إقليمي يُدار داخل أروقة الأمم المتحدة وفق آليات دبلوماسية تقليدية، بل أضحت إحدى القضايا التي تعكس بوضوح طبيعة التحولات التي يشهدها النظام الدولي، وما يرافقها من تنافس بين القوى الكبرى حول مناطق النفوذ ومجالات التأثير. فبين رهانات المغرب الرامية إلى تكريس مبادرته للحكم الذاتي باعتبارها أرضية للتوصل إلى حل سياسي، والحسابات الاستراتيجية للقوى الدولية، تتجدد الأسئلة بشأن مستقبل هذا الملف وحدود تأثير التوازنات الدولية في مساره.

وفي هذا السياق، يكتسي بلاغ الديوان الملكي الصادر بتاريخ 30 أكتوبر 2026 أهمية سياسية ودبلوماسية خاصة، بالنظر إلى ما حمله من رسائل بشأن التطورات الأخيرة المرتبطة بقضية الصحراء المغربية، وما عكسه من توجه نحو الانتقال إلى مرحلة جديدة في تدبير هذا الملف. غير أن هذا التطور تزامن مع حدث لا يقل أهمية، يتمثل في استعمال روسيا لحق النقض (الفيتو) ضد مشروع القرار الأمريكي المتعلق بتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة إشكالية التنافس بين القوى الكبرى داخل مجلس الأمن، ومدى تأثيره في مسارات تسوية النزاعات الدولية.

ولعل ما يثير الانتباه في هذه التطورات هو أن قضية الصحراء المغربية أصبحت تتجاوز حدود الاختلاف حول طبيعة الحل السياسي، لتتحول إلى مجال تتقاطع فيه اعتبارات السيادة الوطنية مع حسابات التوازن الدولي، وهو ما يجعل قراءة مواقف الدول الكبرى أمراً ضرورياً لفهم التحولات التي يعرفها الملف.

وانطلاقاً من ذلك، يطرح الموضوع إشكالية مركزية مفادها: إلى أي حد يعكس بلاغ الديوان الملكي والتحرك الروسي باستعمال حق النقض تحوّلاً في طبيعة التعاطي الدولي مع قضية الصحراء المغربية، وما انعكاسات ذلك على مستقبل المسار الأممي والتوازنات الجيوسياسية داخل مجلس الأمن؟

ولمقاربة هذه الإشكالية، سنعتمد محورين أساسيين:

المحور الأول: بلاغ الديوان الملكي ودلالات التحول في المقاربة المغربية لقضية الصحراء.

المحور الثاني: الفيتو الروسي في مواجهة المشروع الأمريكي وانعكاساته على التوازنات الدولية ومستقبل المسار الأممي.

المحور الأول: بلاغ الديوان الملكي ودلالات التحول في المقاربة المغربية لقضية الصحراء

لا يمكن قراءة بلاغ الديوان الملكي الصادر بتاريخ 30 أكتوبر 2026 باعتباره مجرد تفاعل مؤسساتي مع تطور عابر داخل مجلس الأمن، بل ينبغي النظر إليه باعتباره تعبيراً عن تصور استراتيجي مغربي يسعى إلى إعادة تحديد الإطار السياسي والدبلوماسي الذي ظلت تُعالج ضمنه قضية الصحراء المغربية طيلة عقود.

فمنذ إنشاء بعثة المينورسو سنة 1991، ظل الملف مرتبطاً بمسار أممي يستند إلى ترتيبات سياسية وميدانية لم تنجح في تحقيق الغاية الأصلية المرتبطة بتنظيم الاستفتاء، نتيجة استمرار الخلافات حول محددات التسوية السياسية وشروطها. وقد أدى هذا الوضع، على امتداد سنوات طويلة، إلى تكريس حالة من الجمود، جعلت تدبير النزاع يتقدم أحياناً على حساب البحث عن تسوية سياسية نهائية.

ومن هذا المنطلق، فإن بلاغ الديوان الملكي يطرح قراءة جديدة لمآلات المسار الأممي، من خلال اعتبار عدم تمديد ولاية المينورسو مؤشراً على نهاية مرحلة من مراحل تدبير النزاع، وفتح المجال أمام مقاربة مختلفة تستند إلى التحولات التي عرفتها مواقف عدد من الدول من المبادرة المغربية للحكم الذاتي.

وتتجلى أهمية هذا التحول في أن المغرب لم يعد يتعامل مع الملف فقط من زاوية تدبير وجود بعثة أممية، وإنما من زاوية إعادة صياغة محددات النقاش السياسي حول طبيعة الحل الممكن. فالمبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي قدمت سنة 2007، أصبحت تحتل موقعاً مركزياً في النقاشات الدبلوماسية الدولية، خصوصاً في ظل تنامي التأييد الدولي لها باعتبارها أساساً للتفاوض حول تسوية سياسية للنزاع.

غير أن الأهمية التحليلية للبلاغ لا تكمن فقط في الإشارة إلى عدم تمديد مهمة المينورسو، بل تتجاوز ذلك إلى ما تضمنه من توجه نحو إنهاء مظاهر التدبير الأممي التقليدي للملف، بما فيها الاجتماعات الدورية والتقارير المرتبطة به والإحاطات التي يقدمها المبعوث الشخصي للأمين العام. وهنا تبرز محاولة الانتقال من منطق إدارة النزاع إلى منطق إعادة تشكيل شروط التسوية السياسية.

وفي هذا الإطار، يكتسب استحضار عيد الوحدة دلالة رمزية وسياسية عميقة، باعتباره مناسبة لتأكيد الارتباط بين الوحدة الترابية والاختيارات الاستراتيجية للدولة المغربية. فالقضية الوطنية لم تعد تُطرح في الخطاب الرسمي باعتبارها مجرد ملف دبلوماسي معروض على المؤسسات الدولية، وإنما باعتبارها قضية ترتبط بالسيادة الوطنية والامتداد الجغرافي والاندماج التنموي للأقاليم الجنوبية.

وعلى المستوى الدبلوماسي، يعكس هذا التوجه استمرار الرهان المغربي على تنويع الشراكات الدولية وتوسيع دائرة الدول الداعمة لمقترح الحكم الذاتي، مع توظيف التحولات التي يعرفها النظام الدولي لتعزيز موقع المغرب التفاوضي. فالدبلوماسية المعاصرة لم تعد تقوم حصراً على المواقف المعلنة داخل المنظمات الدولية، بل أصبحت ترتبط أيضاً بقدرة الدول على بناء تحالفات متعددة المستويات، واستثمار المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية المشتركة.

ومع ذلك، فإن القراءة الأكاديمية لهذا التحول تقتضي التمييز بين الموقف السياسي الذي عبر عنه بلاغ الديوان الملكي، وبين الوضع القانوني والمؤسساتي الذي أفرزته جلسة مجلس الأمن. فعدم اعتماد قرار جديد لتمديد ولاية المينورسو لا يعني، في حد ذاته، صدور قرار أممي رسمي يقضي بحذف القضية من جدول أعمال الأمم المتحدة أو إنهاء جميع الأدوار الأممية المرتبطة بها. إذ تظل هذه المسائل مرتبطة بالتفاعلات والقرارات اللاحقة داخل المنظمة الدولية.

وبالتالي، فإن أهمية البلاغ تكمن في كونه يعلن عن تصور مغربي لمرحلة ما بعد التدبير الأممي التقليدي، وليس بالضرورة وصفاً نهائياً لكل النتائج القانونية والمؤسساتية التي قد تترتب عن عدم تمديد ولاية البعثة.

المحور الثاني: الفيتو الروسي في مواجهة المشروع الأمريكي وانعكاساته على التوازنات الدولية ومستقبل المسار الأممي

إذا كان بلاغ الديوان الملكي قد عكس الموقف المغربي من التحول الذي عرفه الملف، فإن استعمال روسيا لحق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي يشكل أحد أبرز المؤشرات على استمرار التنافس الجيوسياسي داخل مجلس الأمن، وعلى أن قضية الصحراء المغربية لم تعد مجرد نزاع إقليمي تحكمه الاعتبارات المحلية، بل أصبحت أيضاً مجالاً تتقاطع فيه الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى.

فخلال جلسة مجلس الأمن المنعقدة بتاريخ 30 أكتوبر 2026، قدمت الولايات المتحدة مشروع قرار يرمي إلى تمديد ولاية المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع إدخال تعديلات على طبيعة البعثة ومهامها، فضلاً عن جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات. وقد حظي المشروع بتأييد أحد عشر عضواً، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء، في حين استخدمت روسيا حق النقض، مما حال دون اعتماده.

وفي المقابل، تقدمت روسيا بمشروع قرار بديل يقضي بالتمديد التقني لولاية المينورسو لمدة سنة إضافية دون إدخال تغييرات جوهرية على اسم البعثة أو طبيعة مهمتها، غير أن المشروع لم يحصل بدوره على الأغلبية المطلوبة، بعدما حصد ثلاثة أصوات مؤيدة فقط، مقابل صوت أمريكي معارض وامتناع أحد عشر عضواً. وبذلك فشل مجلس الأمن في اعتماد أي من المشروعين، ليجد مستقبل البعثة نفسه أمام وضع مؤسساتي غير محسوم.

ومن الناحية السياسية، لا يمكن اختزال الموقف الروسي في مجرد اعتراض تقني على الصياغة الأمريكية، بل ينبغي فهمه في ضوء التصور الذي تتبناه موسكو بشأن طبيعة التسويات الدولية، ومبدأ عدم فرض الحلول على الأطراف المعنية دون توافق مسبق. فقد بررت روسيا موقفها بكون المشروع الأمريكي، وفق قراءتها، يمنح الأفضلية للمبادرة المغربية للحكم الذاتي ويحد من إمكانات التفاوض بشأن الخيارات الأخرى، كما اعتبرت أن التغييرات المقترحة تمس بالإطار التاريخي الذي تأسست عليه مهمة المينورسو، ولا سيما مسألة تقرير المصير.

ومن خلال التصريحات التي أدلى بها الممثل الروسي لدى الأمم المتحدة، يتضح أن موسكو سعت إلى تقديم الفيتو باعتباره موقفاً دفاعياً عن استمرار المسار الأممي وعن ضرورة التوصل إلى حل مقبول من الطرفين. غير أن هذا التبرير لا يمنع من قراءة القرار في سياق أوسع يرتبط بطبيعة العلاقات الروسية الأمريكية، وبالتنافس بين القوتين حول آليات التأثير في المؤسسات الدولية وتوجيه مسارات التسوية السياسية.

وهنا تبرز إحدى الإشكاليات المركزية في بنية النظام الدولي، والمتمثلة في التناقض بين منطق الأغلبية داخل مجلس الأمن ومنطق الامتيازات الممنوحة للأعضاء الدائمين. فبالرغم من حصول المشروع الأمريكي على تأييد أحد عشر عضواً، فإن استخدام روسيا لحق النقض كان كافياً لإسقاطه، وهو ما يعكس حدود الفاعلية المؤسسية لمجلس الأمن عندما تتعارض مصالح القوى الكبرى.

كما أن فشل المشروع الروسي البديل، نتيجة عدم حصوله على الأصوات التسعة المطلوبة، واستخدام الولايات المتحدة حق النقض ضده، يكشف أن الأزمة لم تكن مرتبطة فقط بالخلاف حول مضمون مشروع القرار الأمريكي، بل امتدت إلى غياب التوافق بين القوى الدائمة العضوية حول مستقبل البعثة الأممية والإطار السياسي الذي ينبغي أن يحكم تسوية النزاع.

ومن زاوية العلاقات الدولية، يمكن اعتبار هذا التطور مثالاً على استمرار منطق توازن القوى داخل النظام الدولي، حيث لا تتحرك الدول الكبرى دائماً وفق اعتبارات القانون الدولي المجردة، بل تتأثر مواقفها أيضاً بحسابات النفوذ والمصالح ومكانة كل دولة داخل منظومة الأمن الجماعي.

غير أن القراءة الموضوعية تقتضي عدم إغفال المبررات التي قدمتها الأطراف الأخرى. فالولايات المتحدة اعتبرت أن تجديد ولاية البعثة دون مراجعة مهامها من شأنه الإبقاء على وضع لم يحقق أهدافه الأصلية، في حين رأت روسيا أن التغييرات المقترحة قد تؤدي إلى اختلال التوازن في المسار التفاوضي. كما أبدت الصين تحفظات مرتبطة بضعف المشاورات وإمكانية التأثير في ثقة الأطراف بالعملية السياسية.

وتتجاوز تداعيات هذا التنافس حدود التصويت داخل مجلس الأمن، لتطرح أسئلة حقيقية حول مستقبل الحضور الأممي في المنطقة، خصوصاً أن المينورسو اضطلعت بأدوار مرتبطة بمراقبة وقف إطلاق النار والمساهمة في الحد من التوترات الميدانية. ومن ثم، فإن عدم تمديد ولايتها يثير إشكالات تتعلق بآليات مراقبة الوضع الأمني، وبكيفية المحافظة على الاستقرار، وبمدى استعداد الأطراف للانخراط في مسار سياسي جديد.

كما أن هذا الوضع يضع الدبلوماسية المغربية أمام مرحلة تتطلب الجمع بين استثمار التحولات السياسية والدبلوماسية التي يعكسها بلاغ الديوان الملكي، وبين مواصلة التعامل مع التحديات المرتبطة بمواقف القوى الدولية التي لا تزال تتمسك بمقاربات مختلفة لتسوية النزاع.

وبالتالي، فإن الفيتو الروسي لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد انتصار أو هزيمة لطرف معين، بل باعتباره تعبيراً عن تعقيدات النظام الدولي، وعن استمرار التباين بين التصورات السياسية للقوى الكبرى بشأن مفهوم تقرير المصير، وحدود السيادة، وطبيعة الحلول الممكنة للنزاعات الإقليمية.

خلاصة

تأسيساً على ما سبق، يمكن القول إن التطورات التي عرفتها قضية الصحراء المغربية بتاريخ 30 أكتوبر 2026 تمثل محطة مهمة في مسار النزاع، ليس فقط بسبب عدم اعتماد قرار جديد بشأن تمديد ولاية بعثة المينورسو، وإنما أيضاً بالنظر إلى ما كشفته من تحولات في طبيعة التعاطي الدولي مع الملف، ومن استمرار التنافس بين القوى الكبرى داخل مجلس الأمن.

فبلاغ الديوان الملكي يعكس توجهاً مغربياً نحو الانتقال إلى مرحلة جديدة من تدبير القضية الوطنية، قوامها تثمين المكتسبات الدبلوماسية، وتعزيز موقع المبادرة المغربية للحكم الذاتي، وإعادة النظر في جدوى استمرار آليات التدبير الأممي التي ظلت قائمة منذ سنة 1991 دون تحقيق تسوية نهائية.

وفي المقابل، يكشف الفيتو الروسي عن حدود التوافق الدولي بشأن مستقبل القضية، ويؤكد أن التحولات التي تعرفها مواقف القوى الكبرى لا تسير بالضرورة في اتجاه واحد، بل تظل محكومة بتباين المصالح والحسابات الجيوسياسية. فروسيا، من خلال موقفها، سعت إلى الحفاظ على الإطار الأممي التقليدي، بينما دفعت الولايات المتحدة نحو إعادة صياغة مهام البعثة بما ينسجم مع رؤيتها للحل السياسي.

ومع ذلك، فإن عدم اعتماد مشروعي القرارين الأمريكي والروسي يفرض قراءة متأنية للنتائج المترتبة عن هذا الوضع؛ إذ إن عدم تجديد الولاية لا يعني تلقائياً تسوية النزاع أو إنهاء حضوره داخل المنظومة الأممية، كما أن المواقف السياسية المعلنة لا تعوض القرارات القانونية والمؤسساتية التي تظل من اختصاص أجهزة الأمم المتحدة.

وعليه، فإن الرهان الأساسي خلال المرحلة المقبلة لن يرتبط فقط بمدى قدرة المغرب على تثبيت المكتسبات التي حققتها دبلوماسيته، وإنما أيضاً بقدرته على مواصلة بناء توافقات دولية أوسع، وتعزيز الانخراط في المسارات السياسية، مع الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتفادي أي فراغ أمني أو مؤسساتي قد يترتب عن غياب البعثة الأممية.

وفي المحصلة، فإن ما جرى داخل مجلس الأمن يعكس تحوّلاً في طبيعة إدارة قضية الصحراء المغربية، حيث لم يعد النقاش مقتصراً على مستقبل بعثة المينورسو، بل أصبح يمتد إلى طبيعة المرجعيات السياسية والقانونية التي ينبغي أن تؤطر التسوية النهائية. وهي مرحلة تضع الدبلوماسية المغربية أمام اختبار جديد، عنوانه القدرة على تحويل التحولات الدولية إلى مكتسبات سياسية مستدامة، دون إغفال تعقيدات التوازنات الدولية وحدود التوافق داخل المؤسسات متعددة الأطراف.