راشد الشاشاني
منتدى العمق

في دائرة الضوء تُحرق سنوات العمر

• أحبّوا عملكم واعملوه، واعملوا عملكم وأحبّوه.

• ما على الشاشات لا يحقّق الأمنيات.

• ليست المعجزات تُنال من قصص البطولات.

• وحده العمل طريق الحصول.

• وحدها الرغبة طريق الوصول.

• ابحث عن الطريق ولا تسأل عنه.

ينطلق حديثنا اليوم من قصص ماثلة في ذاكرة الناس. تأخذ هذه القصص مدى عابراً للأجيال؛ وليست تلك التاريخية منها فقط، ولا حتى تلك التي حدثت منذ زمن ليس ببعيد، ولا الحاضرة في زمن التخيّل وحدها.

تتحدث هذه القصص، في مجموعها، عن نجاح شخص ما أو فكرة ما، يمكن للناس، وفقاً لفهمهم، تطبيقها والوصول إلى نتيجة مشابهة. وتغريهم فيها فكرة الظهور أو الشهرة، التي غالباً ما تتوّج بظهور تلفزيوني أو ما سار في مساره، تحت عناوين قد تبدو براقة، مثل: “قصة نجاح”، و”رمز وطني”، و”مكافح”، و”مجتهد وصل”، و”مناضل عنيد”… إلخ.

لن نركّز على مسألة اختلاف الناس في أدوارهم ومساراتهم، وبالتالي في أفكارهم، واختلاف النتائج المترتبة عن مقدمات كل واحد منهم؛ بقدر ما سنسلّط الضوء على مسألة “اللحاق بالغير”. إنها فكرة سريعة، كوجبة ضارة، لا يتبعها الناس عادة لأنها تمثل طريقهم الأسهل إلى تحقيق أمنياتهم فقط، بل لأنها، كما يتوهمون، الأضمن والأسرع والأقل كلفة والأعلى فائدة.

إن سعي هؤلاء نحو المضمون، الذي قلنا عنه إنه “متوهَّم وغير موجود بالمعنى المعروف للوهم والوجود عند الناس”، ناهيك عن تركز مجموعة من خصائص فكرة ما لديهم، يعني أنهم يستندون إلى إرث تاريخي كاذب، استمدوه من أسلافهم ويسلّمونه إلى ذرياتهم ومن حولهم كذلك. ولهذا قلنا إن فكرة النجاحات، بطريقة شهرة “قصة النجاح”، عابرة للأجيال.

النجاح لا يعرف البحث عن الضمان. من يبحثون عن الضمان خاسرون دائماً، والمغامرون وحدهم من يفوزون، وإن كانت في المغامرة مخاطرة وخسائر.

المهم في صلب حديثنا هنا هو تصديق روايات مسموعة من دون الاطلاع على تفاصيلها أو التأمل فيها. بل حتى في حالة الاطلاع، لا يكون هناك أدنى إدراك لمتاعب السير في هذه التفاصيل. ما يرونه هو “المشهد الأخير”، من دون ما سبقه من سقطات أو عثرات. وربما كان المشهد برمته مزيّفاً؛ مرة بطريقة إخراجه، وأخرى بطريقة فهم الناس له. ومع هذا النقص في الإدراك، يغيب تماماً الوعي بمكاسب مثل هذه النتائج ومغارمها.

على أي حال، الناجحون لا يستمعون إلى قصص التاريخ ولا إلى قصص الآخرين، ولو كانوا حاضرين معهم. أما الذين يرون في ظهورهم على شاشة فضائية أو مسرح تكريم بجائزة ما هدفاً سامياً، فإنهم يصابون دائماً “بضربة نفسية” تشكّل لهم صدمة انكشاف “وهم الوصول”.

لقد كانوا يرون سماوات وفراشات وشمساً وشلالات، وحرساً يصطف على جانبي رحلة الطيران بعد ظهور الشهرة… إلخ. لكن سرعان ما تنكشف حقيقة صرف سنوات طويلة في ملاحقة سراب كهذا، خسروا معها ما كان من نصيبهم في صندوق فرص الدنيا.

إن الشبع من قصص التاريخ والتمثّل بالآخرين، سواء أكانوا شخصيات تاريخية أم معاصرة، لا يعني سوى إشعال محرقة وقودها سنوات العمر. عليك تجنّبها والانحياز إلى صف شأنك، الذي يتوّجك ليل نهار في مكانك الذي تصرف له انتباهك، الموافق لهواك، بعيداً عن رأي الناس.

عليك أن تفهم أن رأي الناس ليس فقط ما تسمعه ممن يوجّه إليك نصيحة بعد طلبها، أو نقداً بعد عمل شابه نقص، أو لوماً بعد تصرف أخطأ بعض طريقه… إلخ. بل إن الرأي الأهم هو ما توثّقه في ذهنك قصص التاريخ التي بُنيت فوق أهواء من أرادوها. ومعظم هؤلاء، إن لم يكن كلهم، كانوا ضحية “وهم الوصول” هذا، لكن كل واحد منهم من زاوية مصلحته؛ سواء أكان بتسويق القصة أم بالفرار إليها لإخفاء عجزه.

لا يقتصر “وهم الوصول”، وفق مفهومنا هذا، على ذاتك، بل يشمل آمالك التي تعلّقها على الآخرين، ولو كانوا من ذويك، كما يشمل آمال الآخرين التي يعلّقونها على عاتقك، حين يطلبون منك، بتقاعسهم، ما ليس من أمرك؛ أي إنهم يسألونك ما عجزوا عن فعله.

وحين تسمع قصة تحفيز من أحد هؤلاء أو غيرهم، فاسأله: لماذا لم تفعل ذلك أنت ما دمت تعرف الوصفة جيداً؟!

انتبه إلى أن هؤلاء يقاومون دائماً رغبتك في أمر ما، ويسعون إلى أن تحيد عنه إلى أمر آخر.

خلاصة فكرتنا أننا لم نر في إشاعة صورة تاريخية أو بطولة حالية إلا استقواء لضعيف أمام من يفوقونه مكانة وقوة وحضوراً وشوكة… إلخ. ولهذا فهي لا تعطيكم صورة صادقة عن توجيه الهدف، كما لا تمنحكم مداد مسؤولية تحمّلها صاحبها.

قصص التاريخ كلها ليست واقعية، وإن وقعت كذلك، كان نقلها وإخراجها على غير ذلك. فالشيء يحوز كيانه بذاته، فإذا خرج منه في المكان أو الزمان أو الحدث تغيّر.

اتركوا “دائرة الضوء”، و”ذروة الوصول”، و”برج النهاية”، و”تصفيق الجماهير”، و”تعاطف العامة”، و”نموذجاً يُحتذى”.

أحبّوا عملكم واعملوه، واعملوا عملكم وأحبّوه، ثم اعملوا وأحبّوا عملكم، ثم اعملوا وأحبّوا عملكم.

لا تنتظروا لحظة الراحة، مهما كان شكلها أو مداها؛ فهي الموت بمعناه الذي لا يفهمه الناس إلا حين يفوت الأوان.