أصبح الذكاء الاصطناعي يحتل مكانة مركزية في النقاش حول مستقبل الاقتصاد والعمل. غير أنه ينبغي تجنب موقفين متطرفين: اعتباره حلاً سحرياً لمشكلات الإنتاجية والتنمية، أو النظر إليه باعتباره تهديداً حتمياً سيؤدي إلى اختفاء ملايين الوظائف. فكما حدث مع الموجات التكنولوجية السابقة، يعمل الذكاء الاصطناعي على تحويل الأنشطة الاقتصادية والمهنية، لكن آثاره تتوقف على اختيارات المقاولات والمؤسسات والأنظمة التعليمية والسياسات العمومية.
السؤال الأساسي هو: كيف نجعل الذكاء الاصطناعي رافعة للتقدم الاقتصادي والاجتماعي، بدل أن يصبح عاملاً لتفاقم التفاوتات؟ سأعالج هذا الموضوع من خلال ثلاثة محاور: تأثيراته على الاقتصاد والتشغيل، ومتطلبات التكوين وتنمية الكفاءات، ثم الرهانات الخاصة بالمغرب، في ضوء خارطة الطريق «المغرب AI 2030».
1. الذكاء الاصطناعي يحوّل المهام والمهن ويطرح مسألة توزيع المكاسب
تتمثل خصوصية الذكاء الاصطناعي التوليدي في قدرته على إنجاز مهام معرفية، مثل إنتاج النصوص وتلخيصها، وتحليل المعطيات، والترجمة، والبرمجة والمساعدة على اتخاذ القرار. وبذلك لم يعد تأثيره مقتصراً على المهام اليدوية المتكررة، بل امتد إلى أنشطة إدارية وفكرية ومهنية كانت تعتبر، إلى حد كبير، محمية من الأتمتة.
لكن ينبغي التمييز بين أتمتة مهمة معينة واختفاء مهنة بأكملها. فكل مهنة تتكون من مجموعة من المهام، بعضها قابل للأتمتة، بينما يتطلب بعضها الآخر الحكم البشري والإبداع والتواصل وتحمل المسؤولية. لذلك، فإن التحول الأكثر احتمالاً في عدد كبير من الحالات هو تغيير مضمون العمل، دون أن ينفي ذلك إمكانية اختفاء وظائف معينة وظهور مهن جديدة.
وتشير دراسات منظمة العمل الدولية الصادرة سنة 2025 إلى أن نحو وظيفة واحدة من كل أربع وظائف في العالم توجد ضمن مهن تتفاوت درجة تعرضها للذكاء الاصطناعي التوليدي. غير أن التعرض المحتمل لا يعني بالضرورة فقدان الوظيفة.
أما الرهان الاقتصادي الأساسي فيتعلق بكيفية توزيع مكاسب الإنتاجية. فقد تؤدي هذه المكاسب إلى تحسين الأجور، أو خفض الأسعار، أو زيادة الأرباح، أو تمويل استثمارات جديدة. لكن لا شيء يضمن توزيعها بشكل تلقائي وعادل؛ إذ يتوقف ذلك على طبيعة المنافسة، والقدرة التفاوضية للأجراء، واختيارات المقاولات والسياسات العمومية. فالتكنولوجيا وحدها لا تنتج العدالة الاجتماعية.
2. التكوين من جديد: الرأسمال البشري في قلب التحول
إذا كان الذكاء الاصطناعي يغير المهام والمهن، فإن التكوين يصبح شرطاً أساسياً للتكيف. ولا ينبغي أن يقتصر التكوين في هذا المجال على المهندسين والمتخصصين، بل يجب أن يشمل المدرسين والموظفين والأطر والتقنيين وأجراء المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وكل من يحتاج إلى فهم هذه الأدوات واستعمالها.
وتظل الكفاءات الأساسية ذات أولوية: إتقان اللغات، والتفكير الرياضي، والثقافة العلمية، والتحليل والنقد. فكلما أصبحت الأدوات قادرة على إنتاج أجوبة سريعة ومقنعة ظاهرياً، ازدادت أهمية التحقق من المعلومات واكتشاف الأخطاء وفهم حدود النتائج.
كما تبرز ضرورة التكوين مدى الحياة. فلم يعد النموذج القائم على اكتساب مؤهل في بداية المسار المهني واستعماله لعقود دون تغيير ملائماً للتحولات الحالية. ويتعين على أنظمة التعليم والتكوين المهني توفير فرص منتظمة لتحيين المعارف وإعادة التأهيل المهني، مع تحمل المقاولات والسلطات العمومية مسؤولياتها في هذا المجال.
وتواجه المدرسة والجامعة بدورهما تحدياً جديداً. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد على تخصيص التعلمات ودعم المدرسين، لكنه قد يشجع أيضاً على التخلي المفرط عن المجهود الفكري. لذلك، لا يتعلق الأمر بمنع هذه الأدوات أو اعتمادها دون تحفظ، بل بإدماجها تربوياً مع الحفاظ على التفكير المستقل والقدرة على التحليل والحجاج.
ومن التحولات التي تستحق الانتباه أيضاً تقصّر مدة صلاحية بعض الكفاءات، بل وبعض المهن. فبعد أن كان بإمكان الفرد تعلم مهنة وممارستها طوال حياته النشيطة، أصبحت التحولات التكنولوجية تفرض التعلم المستمر والتطوير وإعادة التكوين مرات متعددة.
غير أن هذا التطور ليس إيجابياً في حد ذاته. فالتعلم مدى الحياة يكون مصدر غنى عندما يفتح آفاقاً جديدة، لكنه يتحول إلى عبء عندما يجد الفرد نفسه مضطراً إلى ملاحقة تغيرات تكنولوجية متواصلة. لذلك لا يمكن تحميل الأجراء وحدهم مسؤولية التكيف؛ بل ينبغي أن يصبح التكوين المستمر حقاً فعلياً تدعمه المقاولات والسلطات العمومية. فالرهان إنساني بالدرجة الأولى: تمكين الأشخاص من التكيف دون العيش في حالة دائمة من انعدام الأمن المهني والاقتصادي.
3. المغرب AI 2030: الانتقال من الطموح إلى التحول الفعلي
ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي بالمغرب باعتباره مكوناً من مكونات التحول الإنتاجي وتنمية الرأسمال البشري، وليس مجرد ملف تكنولوجي معزول. ويمكن أن يساهم في تحسين الإنتاجية في الصناعة والفلاحة والخدمات والصحة والتعليم والإدارة. غير أن النتائج ستظل مرتبطة بتوفر الكفاءات والبنيات التحتية والمعطيات الجيدة والبحث العلمي وقدرة المقاولات، وخاصة الصغيرة والمتوسطة، على اعتماد هذه الحلول.
وتمنح خارطة الطريق «المغرب AI 2030» إطاراً استراتيجياً لهذه الطموحات، من خلال أهداف تتمثل في المساهمة بـ100 مليار درهم في الناتج الداخلي الإجمالي، وإحداث 50 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، وتكوين أو تأهيل 200 ألف كفاءة في أفق 2030.
وترتكز هذه الخارطة على ثلاثة محاور: السيادة والثقة؛ الابتكار والتنافسية؛ ثم الأثر والاعتماد والإشعاع. كما تعتمد على الشبكة الوطنية لمعاهد «JAZARI»، الموجهة إلى البحث والمدن الذكية والتعليم والصناعة.
وقد شهد شتنبر 2026 الإعلان عن مبادرات ملموسة، منها سوق وطنية للذكاء الاصطناعي ومساعد «Idarati AI» لمواكبة المرتفقين في مساطرهم الإدارية. كما أتاح التعاون مع شركة «Mistral AI» الإعلان عن أولى الأدوات المفتوحة المصدر، ومنها حلول للتعرف على اللهجات العربية وتفريغ الدارجة المغربية، بما في ذلك حالات الانتقال بين اللغات أثناء الحديث.
وتعني السيادة التكنولوجية امتلاك القدرة على اختيار التكنولوجيا وفهمها وتكييفها والتحكم في استعمالها والمساهمة في تطويرها، وليس الانغلاق أو الاكتفاء الذاتي. وهذا يقتضي توفير بنية تحتية آمنة للحوسبة والتخزين، ومعطيات ذات جودة، وباحثين وكفاءات متقدمة، وربطاً قوياً بين الجامعات والمقاولات والإدارات، مع ضمان استفادة المقاولات الصغرى والمتوسطة ومختلف الجهات.
ويتضمن البرنامج الحكومي 2026-2031 التزامات داعمة لهذه التوجهات، من بينها تكوين 5000 مؤطر في الذكاء الاصطناعي، وإدماجه في التعليم الإعدادي، ودعم البحث الجامعي ومعاهد «JAZARI» وتطوير الأمن السيبراني. غير أن نجاح هذه الالتزامات يظل رهيناً بتحويلها إلى برامج ممولة، ذات مسؤوليات وآجال واضحة.
4. شروط النجاح: ست أولويات
يتطلب نجاح هذا التحول العمل وفق ست أولويات مترابطة:
1. جعل التكوين سياسة أفقية تشمل المدرسة والجامعة والتكوين المهني والمقاولات وإعادة التأهيل.
2. ربط البحث العلمي بالإنتاج، من خلال التعاون بين الجامعات والمعاهد والمقاولات الناشئة والمقاولات الصغيرة والمتوسطة والإدارات.
3. قياس النتائج، عبر اعتماد طرق شفافة لتقييم أهداف القيمة المضافة ومناصب الشغل والكفاءات المكونة.
4. استباق آثار الذكاء الاصطناعي على التشغيل، من خلال تتبع المهن والمهام المتحولة وحاجيات إعادة التأهيل وجودة الوظائف المحدثة.
5. ضمان الثقة، عبر حماية المعطيات والأمن السيبراني والشفافية والإشراف البشري، خاصة في الصحة والتعليم والخدمات المرتبطة بالحقوق.
6. جعل الإدماج معياراً للنجاح، حتى تستفيد المقاولات الصغيرة والجهات الأقل تجهيزاً والفئات الهشة من الكفاءات ومكاسب الذكاء الاصطناعي.
لم يعد السؤال هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحول الاقتصاد المغربي؛ فهذا التحول قد انطلق بالفعل. بل السؤال هو هل سنتمكن من توجيهه نحو اقتصاد أكثر إنتاجية وابتكاراً وإدماجاً؟
إن التكوين اليوم من أجل وظائف الغد لا يعني فقط إعداد الأفراد لاستعمال التكنولوجيا، بل تمكينهم من فهم التحولات والتكيف معها والمساهمة فيها وتقاسم ثمارها. وينبغي ألا يقاس نجاح «المغرب AI 2030» بالبنيات التحتية والنماذج المطورة فحسب، بل أيضاً بمدى إحداث وظائف لائقة، وتحسين الإنتاجية، والحد من التفاوتات، والارتقاء الملموس بحياة المواطنين.