رقيق ميلود
وجهة نظر

سوريالية القصاصات في دولة تبون وشنقريحة

في عصر يتسم بالسرعة الرقمية الفائقة، وتدفق المعلومات، وصرامة الحقائق التي لا تقبل التزييف في غمرة عام 2026، يقف المتتبع للشأن الإقليمي المغاربي مشدوها أمام ظاهرة إعلامية — أو لنقل “ظاهرة لغوية” بامتياز — تتحدى قوانين الطبيعة البشرية والمنطق السياسي.

إنها وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية (APS). لم يعد الأمر مجرد بروباغندا تقليدية، أو انحياز ديماغوجي كما عهدناه في الأنظمة الشمولية؛ بل لقد تجاوز كل حدود المألوف ليصل إلى مرحلة “الجنون الممنهج”، حيث تصاغ القصاصات الرسمية بلغة أقرب إلى الهلوسة الليلية منها إلى لغة الدول العريقة.

هذه المرة وكالعادة، القصاصة المعنونة “مسرحية برلمانية مغربية هزلية” ليست مجرد خبر عابر أو رأي منحاز، بل هي وثيقة إكلينيكية صادمة تكشف بوضوح عن عمق الانهيار النفسي والفكري الذي تعاني منه دوائر صنع القرار في قصر المرادية وثكنات شنقريحة. هي صرخة عجز، وتخبط ضمني بالهزيمة أمام الدبلوماسية المغربية الهادئة والواقعية.

دعونا نخضع هذا “البيان” لتشريح دقيق، لنفضح تفاهته وسطحيته بأسلوب بشري — إنساني — يخاطب العقل والمنطق، لا خوارزميات الثكنات العسكرية.

في جهل أبجديات الدستور واستهداف الشخصيات الوطنية

يفتتح كاتب القصاصة — أو ربما الفريق الذي أملى عليه — نصه بهجوم ساذج على استدعاء البرلمان المغربي بغرفتيه لجلسة مشتركة، ويتساءل بجهل مطبق:

“المملكة المغربية لها برلمان؟! ويجتمع أيضاً؟! ويقرر؟!”

هنا، تسقط كل أقنعة الرزانة التي تحاول الوكالة التظاهر بها.

التحليل والنقد الدقيق:

يكشف هذا التساؤل عن جهل عميق بطبيعة الأنظمة الدستورية والمقارنات السياسية. المغرب، لمن فاته قطار التاريخ، مملكة دستورية ديمقراطية برلمانية — وهذا توصيف دقيق — حيث يمتلك البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين) سلطات تشريعية ورقابية فعلية ومستمدة من دستور 2011 الذي نال إجماع الأمة.

وعليه، فالاجتماعات المشتركة للبرلمان ليست بدعة، بل هي آلية دستورية عليا يتم اللجوء إليها في اللحظات الحاسمة للدفاع عن المصالح العليا للأمة، تماما كما يفعل أي بلد ديمقراطي مسؤول عند استعراض قضاياه المصيرية.

والأدهى هو “الإسقاط النفسي” المفضوح في الوصف؛ فالمؤسسة التشريعية في الجزائر ليست سوى “غرفة صدى” خرساء، مجرد ديكور بلا صلاحيات حقيقية، تملى عليها القوانين ولا تناقشها بجدية.

إن محاولة إسقاط هذا الواقع الجزائري على المغرب هي محاولة بائسة للهروب من الحقيقة: أن البرلمان المغربي مؤسسة فاعلة، بينما برلمان الجار الشرقي مجرد هيكل عظمي بلا روح ولا سلطة.

ثم ينتقل النص إلى شخصنة الأمور بشكل مثير للشفقة، مستهدفا مستشار جلالة الملك، السيد أندريه أزولاي، ووصفه بـ”المخرج الهزلي”.

التحليل والنقد الدقيق:

إن استهداف شخصية وطنية مغربية رفيعة بهذا الشكل يكشف عن إفلاس فكري ذريع. فعوضا عن مقارعة الحجة بالحجة على الصعيد الدبلوماسي والسياسي — وهو ميدان أثبتت فيه الدبلوماسية المغربية، بقيادة السيد أزولاي، تفوّقها وتنوعها — تلجأ الوكالة الجزائرية إلى أساليب رخيصة، أشبه بنميمة شوارع وأزقة الجزائر.

إن تاريخ أندريه أزولاي في خدمة الاقتصاد المغربي، وتنوعه الثقافي، ودوره كجسر دبلوماسي حيوي، هو تاريخ ناصع لا يمكن لمراهقة سياسية في وكالة أنباء فاشلة أن تخدشه.

هذا الهجوم الشخصي ينم عن عقدة نقص وعجز عن مواجهة الكفاءة الوطنية المغربية، فلا تجد ثكنات الجنرالات سوى “نظرية المؤامرة” وشخصنة النجاحات لتفسير عجزهم.

جنون العظمة ومقارنة التفاح بالبرتقال

يدعي البيان بكل جهالة أن المغرب “يستنسخ” خطوة الجزائر عندما أقر برلمانها — في وقت سابق – إرسال وحدات عسكرية لحماية المصالح في النيجر، معتبرا أن المغرب قلد هذه “الديمقراطية العظيمة”!

التحليل والنقد الدقيق:

هنا تبلغ السوريالية ذروتها. أي عاقل — أو حتى طفل في الخامسة من عمره — سيقرأ هذه الترهات سيصاب بالذهول من حجم الهذيان في الربط بين الحدثين.

فهل عقد جلسات برلمانية لمناقشة القضايا الاستراتيجية هو “اختراع” جزائري؟ أم هل تعتقد الوكالة أن العالم يدور في فلك قرارات ثكناتهم؟

إن عقد جلسة للبرلمان المغربي لمناقشة ملف الصحراء المغربية والرد على المناورات الجزائرية — التي تصر على التخندق خلف الأطروحات الاستعمارية — يتم في إطار مؤسساتي ديمقراطي راسخ.

أما مقارنة هذا المشهد الديمقراطي الشفاف بتحركات الجار الشرقي العسكرية المرتجلة، ومحاولاتهم اليائسة — وغالباً الفاشلة – للعب أدوار إقليمية في الساحل والصحراء عبر “قرارات برلمانية شكلية” لتبرير تدخلات مشبوهة، فهو محاولة لإضفاء الشرعية على مناورة غير محسوبة العواقب.

المغرب، دولة مؤسسات، أما الجزائر — من خلال وكالتها — فتكشف بوضوح عن استلاب المؤسسات العسكرية للقرار السياسي بشكل مطلق.

التخبط في الملف الأممي: قلب الحقائق

حاول البيان — في فقرة هي الأكثر تضليلا — تغطية الشمس بالغربال زاعماً أن البرلمان اجتمع للنظر في مخرجات مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية، والذي “أسقطه الفيتو الروسي بخصوص تثبيت الحكم الذاتي”.

التحليل والنقد الدقيق:

هنا يسقط النظام الجزائري في قاع “التزوير المفضوح” والدجل السياسي.

قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بالصحراء المغربية — في عام 2026 كما في الأعوام السابقة — تسير بثبات نحو تكريس مغربية الصحراء وترسيخ مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس السياسي والأمني والواقعي الوحيد لإنهاء النزاع المفتعل، حيث لم يسقط أي قرار أمريكي، بل تم اعتماده بتوافق دولي، وهو ما يكشف حجم العزلة التي يعيشها النظام الجزائري الذي يرفض الاعتراف بالواقع على الأرض.

فكرة “سقوط القرار بفيتو روسي بخصوص تثبيت الحكم الذاتي” هي من نسيج خيال كاتب القصاصة المريض، وهي هلاوس ليلية تعكس حجم الصدمات الدبلوماسية المتتالية التي تتلقاها الجزائر في كل محفل دولي.

وإن الرأي العام الدولي والعربي والمغاربي يدرك تماماً الحقائق، ولا يمكن لقصاصة يائسة — تكتب تحت تأثير صدمة الصفعات الأممية — أن تزور الحقائق.

الإسقاط النفسي واتهام الشعب المغربي بالاضطهاد

ختم البيان وصلته من البلطجة اللغوية بالتباكي المعهود واتهام المغرب بما يعاني منه الجزائريون أنفسهم — من تجويع واضطهاد — متحدثا عن “الشعب المقهور الغارق في وحل التشريد والتجويع والاضطهاد”.

التحليل والنقد الدقيق:

إنها قمة “الإسقاط النفسي” بامتياز!

هذا الاتهام هو قمة السخرية المرة، ويجعل أي مشاهد جزائري — يعيش مرارة الطوابير اليومية للظفر بكيس سميد أو لتر حليب — يجن جنونه من هول الكذب الرسمي.

الجزائر، دولة تمتلك ثروات طائلة من الغاز والنفط، يعيش مواطنها في طوابير إذلال يومية بحثا عن أبسط مقومات الحياة. هي دولة قمعية بامتياز، تمنع حرية التعبير وتعتقل الصحفيين وتسجن النشطاء السياسيين.

إن محاولة تصدير الأزمات الداخلية الكارثية للجزائر وإلصاقها بالمغرب هي حيلة قديمة، بليدة ومفضوحة، لم تعد تنطلي حتى على المواطن الجزائري البسيط.

هذا الاتهام يرتد مباشرة إلى صدر النظام الجزائري نفسه، الذي يمارس أبشع أشكال “التجويع والاضطهاد” ضد شعبه، محاولاً الهروب من الغضب الشعبي المتصاعد نحو العدو الخارجي الوهمي.

وعليه، إن بيان وكالة الأنباء الجزائرية — وتفاهته المفضوحة — ليس مجرد قصاصة إخبارية رديئة، بل إنه مرآة صادمة تعكس حجم الجنون السياسي والهذيان الممنهج الذي تعاني منه أروقة صنع القرار في الجزائر خلال كل هذه السنوات.

إعلام رسمي — مؤسسة عريقة يفترض أنها رصينة — تحول إلى “أضحوكة” إقليمية ودولية، يكتب تقاريره تحت تأثير الصدمات المتلاحقة لانتصارات الدبلوماسية المغربية ونجاح النموذج التنموي المغربي.

حين يفلس النظام، لا يجد سوى قصاصات وكالة الأنباء الجزائرية “الـAPS” ليبث فيها سموم إحباطه، ويحاول خلق “انتصارات وهمية” على صفحات الإنترنت لأن الواقع على الأرض، وفي المحافل الدولية، وفي أعين شعبه، قد لفظ أطروحاته الاستعمارية.

لقد أظهرت الوكالة الجزائرية للعالم، أنها لم تعد وكالة أنباء، بل هي “قصاصة ألم” يومية تفضح بؤس السياسة الرسمية الجزائرية، وتؤكد أن التاريخ لا يرحم من اختاروا — في عصر التطور والمعرفة — أن يكونوا في زنازين الهذيان والتخلف.