أحمد أزرقان
منتدى العمق

مراجعة الاختصاصات الجهوية وتكريس دور الجهة في التنمية الاقتصادية الترابية

ارتبط تطور التنظيم الجهوي بالمغرب بمسار تدريجي من الإصلاحات المؤسساتية والتشريعية التي استهدفت تعزيز مكانة الجهة داخل البناء الترابي للدولة، والانتقال بها من إطار للتنظيم الإداري إلى مستوى من مستويات تدبير الشأن العام والمساهمة في تحقيق التنمية. وقد ارتبط هذا المسار بإشكالية تمكين الجهة من اختصاصات وإمكانات تسمح لها بتجاوز محدودية دورها التقليدي، والاضطلاع بوظيفة تنموية تستجيب لخصوصيات المجال الترابي ومؤهلاته. وفي هذا السياق فإن نجاح الجهوية يقتضي إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين السلطة المركزية والمؤسسات الجهوية، من خلال توسيع مجال اختصاصات المجالس المنتخبة وتمكينها من صلاحيات وموارد فعلية تتيح لها المشاركة في تدبير شؤونها التنموية.

وقد شكل دستور 2011 منعطفا أساسيا في هذا المسار، من خلال تخصيص الباب التاسع للجهات والجماعات الترابية، وإقرار مبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن والتفريع باعتبارها مرتكزات مؤطرة لتنظيم اختصاصاتها وممارستها. كما عزز مكانة الجهة باعتبارها مستوى ترابيا يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، ويدبر شؤونه بواسطة مجلس منتخب بالاقتراع العام المباشر. وترجم هذا التوجه دستوريا من خلال القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، الذي حدد اختصاصاتها الذاتية والمشتركة والمنقولة، وأقر لها مكانة الصدارة بالنسبة إلى الجماعات الترابية الأخرى في إعداد برامج التنمية الجهوية والتصاميم الجهوية لإعداد التراب وتنفيذها وتتبعها. وهكذا، أصبح تطوير الوظيفة التنموية للجهة مرتبطا بمدى قدرتها على ممارسة اختصاصاتها وتحويل اختياراتها وبرامجها إلى مشاريع تستجيب لحاجيات المجال الترابي.

ويكتسي التصنيف الذي اعتمده القانون التنظيمي رقم 111.14 للاختصاصات الجهوية أهمية تتجاوز مجرد التمييز بين مجالات التدخل، إذ يعكس توجها نحو إعادة توزيع الوظائف التنموية بين الدولة والجهة، وفق طبيعة كل اختصاص وشروط ممارسته. فالاختصاصات الذاتية تمنح الجهة مجالا للمبادرة والتداول والتنفيذ في حدود الموارد المتاحة لها، بينما تقوم الاختصاصات المشتركة على فكرة تقاسم التدخل بين الدولة والجهة عندما تقتضي نجاعة الممارسة ذلك، أما الاختصاصات المنقولة فترتبط بتوسيع تدريجي لمجال تدخل الجهة. ويعني ذلك أن المشرع لم يتجه إلى إسناد التنمية الجهوية إلى مؤسسة واحدة بمعزل عن باقي المتدخلين، وإنما اعتمد تصورا يقوم على تعدد مستويات المسؤولية، بما يستلزم وضوحا في توزيع الأدوار وتحديدا للالتزامات المرتبطة بكل مستوى من مستويات التدبير.

وتبرز أهمية هذا التصنيف بصفة خاصة في مجال التنمية الاقتصادية، الذي يمثل أحد المجالات الأساسية للاختصاصات الذاتية للجهة وفق المادة 82 من القانون التنظيمي المذكور بصيغتها المحينة. فقد أدرج المشرع ضمن هذا المجال دعم الاستثمار المنتج وتحفيز المبادرة المقاولاتية، وإحداث وتنظيم مناطق الأنشطة الاقتصادية، والإسهام في تعبئة العقار اللازم لها، وإحداث المجمعات الجهوية لتسويق المنتجات الفلاحية والغذائية وتدبيرها، فضلا عن إحداث مناطق للأنشطة التقليدية والحرفية وإنعاش الاقتصاد الاجتماعي والمنتجات الجهوية. وتكشف هذه الاختصاصات عن توجه يروم جعل الجهة فاعلا في بناء الدينامية الاقتصادية للمجال، من خلال الانتقال من مجرد تدبير بعض التجهيزات والخدمات إلى المساهمة في تهيئة شروط الإنتاج والاستثمار والتسويق وتثمين الموارد المحلية.

ويستفاد من طبيعة هذه الاختصاصات أن المشرع يراهن على جعل التنمية الاقتصادية الجهوية عملية متكاملة، تبدأ بتحديد المؤهلات والموارد المتاحة، وتمر بتهيئة الفضاءات الملائمة لاحتضان الأنشطة الإنتاجية، وتنتهي بتثمين المنتجات وربطها بالأسواق. فدعم الاستثمار المنتج لا ينبغي اختزاله في الترويج للمؤهلات الترابية، بل يتطلب توفير بيئة جهوية قادرة على استقطاب المبادرات الاقتصادية وتيسير شروط استقرارها. كما أن إحداث مناطق الأنشطة الاقتصادية لا يقتصر على توفير العقار، وإنما يرتبط بالتخطيط المسبق لتوطين الأنشطة، وتحقيق الانسجام بينها وبين البنيات التحتية وشبكات النقل والخدمات. أما المجمعات الجهوية لتسويق المنتجات الفلاحية والغذائية، فتتيح إمكانية تحسين قنوات التسويق وتثمين الإنتاج المحلي، بما يساهم في تقوية القيمة المضافة داخل المجال الترابي.

كما يكتسي إدراج الاقتصاد الاجتماعي والمنتجات الجهوية ضمن الاختصاصات الذاتية أهمية خاصة، بالنظر إلى ارتباطه بتثمين الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية للمجالات الترابية، وإدماج الأنشطة المحلية في الدورة الاقتصادية. فالجهة، بحكم امتداد مجالها وتنوع مؤهلاتها، مؤهلة لتطوير مقاربة تتجاوز التجزئة القطاعية، وتربط بين الأنشطة الفلاحية والحرفية والتجارية والسياحية، بما يسمح بإيجاد تكامل بين مختلف مكونات الاقتصاد المحلي. غير أن تحقيق هذا الهدف يقتضي أن تتحول الاختصاصات القانونية إلى برامج ومشاريع محددة، تستند إلى تشخيص دقيق للحاجيات والإمكانات، وتحدد الفئات المستفيدة والنتائج المنتظرة، بدل الاقتصار على إدراج المجالات ضمن وثائق التخطيط الجهوي.

وفي المقابل، فإن إسناد هذه الاختصاصات إلى الجهة لا يعني استقلالها الكامل عن تدخل الدولة، إذ تظل التنمية الاقتصادية مرتبطة بمجالات تتطلب تدخلا مشتركا، سواء تعلق الأمر بتقوية تنافسية المجالات الترابية أو تحسين جاذبيتها أو دعم بعض الأنشطة الاقتصادية. وهنا تبرز أهمية الاختصاصات المشتركة باعتبارها مجالا للتعاون المؤسساتي، غير أن فعاليتها تتوقف على وضوح طبيعة مساهمة كل طرف، وتحديد مسؤولياته في التمويل والتنفيذ والتتبع.

ومن هذه الزاوية، فإن الإشكال لا يكمن في تعدد المتدخلين في حد ذاته، وإنما في غياب التحديد العملي للعلاقة بينهم، خاصة عندما تتقاطع الاختصاصات الجهوية مع اختصاصات القطاعات الحكومية والمصالح التابعة لها. فنجاح الجهة في ممارسة دورها الاقتصادي يقتضي أن تتوفر على هامش فعلي للمبادرة، وأن تتكامل تدخلاتها مع تدخلات الدولة في المجالات التي تستدعي ذلك، مع تفادي تكرار المشاريع أو تضارب الأولويات أو تداخل المسؤوليات. ومن ثم، فإن تعزيز موقع الجهة لا ينبغي أن يفهم باعتباره إقصاء للدولة من المجال التنموي، بل باعتباره إعادة تنظيم لتدخلها بما يسمح بتقوية المبادرة الجهوية وتحقيق الانسجام بين الاختيارات الترابية والتوجهات الوطنية.

وتزداد أهمية هذا النقاش في ضوء التعديل الذي طال القانون التنظيمي رقم 111.14 بموجب القانون التنظيمي رقم 031.26، والذي مس مراجعة المادة 82، بما أتاح إدراج التنمية الرقمية ضمن الاختصاصات الذاتية للجهة، من خلال إعداد المخطط المديري الجهوي للتنمية الرقمية وتنفيذه، كما أعادت تحديد بعض المجالات المرتبطة بالتنمية الاقتصادية والقروية. كما تكمن أهمية هذه الإضافة في أنها توسع مفهوم التنمية الجهوية ليشمل التحولات الرقمية باعتبارها عاملا مؤثرا في تحسين الخدمات وتطوير النشاط الاقتصادي وتيسير الاستثمار، كما تتيح للجهة المساهمة في معالجة الفوارق الرقمية بين المجالات التي تتكون منها.

غير أن دلالة هذا التعديل لا ينبغي أن تقاس بمجرد إضافة اختصاصات جديدة، بل بمدى قدرته على معالجة الإكراهات التي تعترض ممارسة الاختصاصات القائمة، وتوفير شروط تنزيلها على أرض الواقع. فإسناد اختصاص يتعلق بالتنمية الرقمية، مثلا، يظل محدود الأثر إذا لم يقترن بتوفير الكفاءات التقنية والموارد المالية والبنيات الضرورية، كما أن توسيع مجالات تدخل الجهة في التنمية الاقتصادية لا يحقق بالضرورة نتائج ملموسة ما لم تتضح علاقتها بالقطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية المعنية. وبذلك، يصبح الإصلاح التشريعي مدخلا لإعادة تنظيم الممارسة المؤسساتية، وليس غاية في حد ذاته.

وعليه، فإن المراجعة القانونية للاختصاصات الجهوية تطرح ضرورة الانتقال من منطق التوسع في تعداد المجالات إلى منطق ضمان فعاليتها وقابليتها للتنفيذ، من خلال تحديد المسؤوليات وتوفير الموارد وإرساء آليات التعاون والتعاقد بين الدولة والجهة. فالجهة المنتخبة مطالبة بتحديد الأولويات التنموية والتعبير عن حاجيات المجال، في حين تضطلع السلطات المعينة بدور أساسي في تنسيق تدخل المصالح الإدارية للدولة ومواكبة تنفيذ المشاريع وضمان انسجامها مع السياسات العمومية. ومن ثم، فإن تعزيز الوظيفة الاقتصادية للجهة يظل رهينا بإعادة تنظيم العلاقة بين السلطات المنتخبة والمعينة على أساس التكامل في ممارسة الاختصاصات، وتوحيد الجهود والموارد حول أولويات ترابية مشتركة.