17 للطماطم.. 17 للكازوال.. أين اختفت حكومة تصحيح المسار؟
منتدى العمق

17 للطماطم.. 17 للكازوال.. أين اختفت حكومة تصحيح المسار؟

يبدو أن المغاربة أصبحوا في حاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الاستثمار. فبدلاً من البحث عن فرص في البورصة أو التفكير في اقتناء العقارات، يكفي اليوم شراء كيلوغرام من الطماطم والاحتفاظ به في الثلاجة أسبوعاً واحداً. تشتريه بثمانية دراهم، ثم تكتشف أن سعره اقترب من 17 درهماً. عندها ستشعر أنك حققت ربحاً استثمارياً دون أن تغادر مطبخك!

أما الكازوال، فقد قرر دخول المنافسة، مقترباً بدوره من العتبة نفسها.

وهكذا أصبح المغرب يعيش ديربياً اقتصادياً استثنائياً:الطماطم ضد الكازوال، النتيجة 17 مقابل 17، والحكومة تتابع المباراة، بينما المواطن هو من يؤدي ثمن التذاكر!

لكن خلف هذه السخرية تختبئ حقيقة أكثر إزعاجاً: كيف وصلت القدرة الشرائية للمغاربة إلى هذا المستوى من الضغط، رغم كل الوعود التي رافقت الحملة الانتخابية؟

وعود انتخابية كبيرة.. وواقع لا يرحم

حين كانت الأحزاب تتنافس على أصوات المغاربة، لم تكن الشعارات تنقصها الجاذبية. تحدثوا عن تحسين الدخل، وتخفيف أعباء المعيشة، ومحاربة المضاربة، وإصلاح أسواق الجملة، وتنظيم قنوات توزيع المنتجات الفلاحية.

وكان حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يقود الحكومة، قد جعل من القدرة الشرائية أحد محاور برنامجه الانتخابي، وقدم وعوداً بإصلاح منظومة التسويق والتوزيع ومحاربة الاختلالات التي ترفع الأسعار.

لكن بعد الوصول إلى تدبير الشأن الحكومي، لم يعد المواطن معنياً بجمال البرامج ولا بحجم الوعود. إنه يريد أن يعرف أين ذهبت تلك الالتزامات، ولماذا ما زال يجد نفسه وحيداً أمام موجات الغلاء؟

المشكلة أن الحكومة تريد أن تُحاسب على النتائج عندما يتعلق الأمر بالإنجازات، لكنها كثيراً ما تلجأ إلى التفسيرات والعوامل الخارجية عندما يتعلق الأمر بالأسعار.

وهذا تناقض سياسي لا يمكن تجاهله. فمن يقبل تحمل مسؤولية تدبير الحكومة، عليه أيضاً أن يتحمل مسؤولية إخفاق السياسات العمومية في معالجة الاختلالات، لا أن يكتفي بتعداد الأسباب التي جعلت حياة المواطنين أكثر كلفة.

حكومة تراقب الأسعار.. أم حكومة تراقب معاناة المواطنين؟

ما معنى أن نتحدث عن إصلاح أسواق الجملة ومحاربة الوسطاء، بينما يظل المستهلك الحلقة الأضعف في سلسلة التسويق؟

وما جدوى الحديث عن حماية القدرة الشرائية إذا كان المواطن يكتشف في كل زيارة للسوق أن ميزانيته الشهرية أصبحت عاجزة عن مواكبة الأسعار؟

لا أحد يطلب من الحكومة أن تتحكم في الطقس، أو أن تمنع التقلبات الدولية، أو أن تفرض على الفلاح إنتاجاً لا تسمح به الظروف الطبيعية. لكن المطلوب منها أن تتوقف عن التعامل مع الغلاء باعتباره ظاهرة خارجة عن اختصاصها.

فأين إصلاح أسواق الجملة؟ أين الشفافية في مسالك التوزيع؟ أين مراقبة الممارسات غير القانونية؟ وأين الإجراءات التي تضمن وصول المنتجات إلى المستهلك بأثمان معقولة؟

إن استمرار الاختلالات نفسها يجعل الوعود الانتخابية أقرب إلى خطاب للاستهلاك السياسي منها إلى تعاقد قابل للقياس والمحاسبة.

الكازوال.. الحكومة لا تستطيع الاختباء إلى الأبد خلف الأسواق الدولية

أما في قطاع المحروقات، فالمسألة أكثر حساسية، لأن انعكاساتها لا تتوقف عند أصحاب السيارات.

ارتفاع الكازوال يعني ارتفاعاً محتملاً في تكاليف النقل والتوزيع، ويضغط على أسعار السلع والخدمات، ويزيد من أعباء الأسر والمهنيين.

وهنا لا يكفي أن تتحدث الحكومة عن تقلبات الأسواق الدولية. فالمواطن يعرف أن المغرب يستورد المحروقات، لكنه يريد أن يعرف أيضاً ما الذي تفعله الحكومة لضمان المنافسة الحقيقية، ومراقبة هوامش الربح، ومحاربة أي ممارسات تضر بالمستهلك.

لقد طال انتظار الإصلاحات التي تعيد الثقة إلى سوق المحروقات. أما الاكتفاء بتتبع الأسعار وإصدار التفسيرات، فلن يملأ خزان السيارة ولن يخفف فاتورة الأسرة.

الحكومة ليست مسؤولة عن تحديد الأسعار الدولية، لكنها مسؤولة عن السياسات التي تعتمدها داخل السوق الوطنية، وعن مدى قدرتها على حماية المستهلك من الاختلالات التي يمكن معالجتها.

المواطن ليس صندوقاً لامتصاص فشل السياسات

الأكثر إزعاجاً في مشهد الغلاء هو أن المواطن أصبح مطالباً بالتكيف مع كل شيء: ارتفاع أسعار الخضر، وغلاء المحروقات، وتكاليف النقل، ومصاريف الحياة اليومية.

أما الحكومة، فتبدو مطالبة في المقابل بتقديم مزيد من التفسيرات والوعود.

لكن إلى متى؟

لا يمكن مطالبة الأسر المغربية بأن تتحمل باستمرار تكلفة اختلالات السوق، وأن تتعامل مع كل موجة غلاء باعتبارها ظرفاً استثنائياً. فالاستثناء عندما يطول يتحول إلى واقع، والواقع عندما لا يجد سياسة عمومية فعالة لمعالجته يتحول إلى أزمة ثقة.

والأخطر أن الفجوة بين الخطاب الحكومي والتجربة اليومية للمواطن قد تجعل الوعود الانتخابية تفقد قيمتها، لأن المواطن في نهاية المطاف لا يحاسب الحكومة على ما وعدت به فقط، بل على ما تحقق فعلاً.

حكومة تصحيح المسار أمام امتحان المحاسبة

ليس المطلوب من الحكومة أن تقدم للمغاربة معجزة اقتصادية، بل أن تقدم سياسة واضحة ونتائج قابلة للقياس: إصلاح حقيقي لأسواق الجملة، شفافية في سلاسل التوزيع، مراقبة صارمة للممارسات غير القانونية، منافسة فعلية في سوق المحروقات، وإجراءات تحمي الفئات الأكثر تضرراً من الغلاء.

أما أن تتحول القدرة الشرائية إلى شعار انتخابي يتكرر عند كل استحقاق، ثم تختفي من الأولويات عندما ترتفع الأسعار، فذلك يطرح سؤالاً جدياً حول معنى المسؤولية السياسية.

إن حكومة المنصوري مطالبة اليوم بأن تثبت أن شعاري “المعقول” و”تصحيح المسار” ليسا مجرد شعارين انتخابيين، وأن القرب من المواطنين لا يتحقق بالخطابات والصور، بل بالقرارات والإجراءات الملموسة التي تخفف عنهم أعباء الحياة اليومية

وفي انتظار ذلك، يستمر الديربي المغربي الأكثر غرابة: الطماطم تنافس الكازوال، والأسعار تسجل الأهداف، والحكومة مطالبة بتفسير النتيجة!

17
للطماطم.. 17 للكازوال.. صفر في الاطمئنان إلى
القدرة الشرائية.

والسؤال الذي يستحق أن يطرح على الحكومة ليس كم بلغ سعر الطماطم أو الكازوال، بل: كم بقي من وعود .”حكومة تصحيح المسار” في جيوب المغاربة