حماية أموال العلاج تبدأ بحماية المريض من أن يصبح احتياجه إلى الرعاية مدخلا للضغط المالي عليه وعلى أسرته. بهذا المعيار ينبغي فهم رفض فوزي لقجع استحواذ القطاع الخاص على 90 في المائة من رقم معاملات التغطية الصحية، ودعوته إلى رفع حصة المستشفيات العمومية إلى النصف. لكن الوفاء بهذا المطلب مسؤولية حكومية مشتركة، تتجاوز حدود وزارة واحدة.
وتبدأ هذه المسؤولية بالتنسيق بين وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، التي يقودها فوزي لقجع، ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية، التي يقودها يونس بجيجو. فالمالية مطالبة بحماية موارد التأمين وشفافية تدفقاتها، والصحة بضمان جودة العلاج ومراقبة المصحات وتقوية المستشفى العمومي. ويحتاج المريض إلى نتيجة تجمع التمويل المنضبط والعرض الصحي المتاح، حتى لا تصبح سلامة الحسابات منفصلة عن سلامته.
ويملك الإصلاح أساسا قانونيا ينبغي إنفاذه وتحيينه. فالمادة 75 من القانون رقم 131.13 تمنع المصحات، في حالة الثالث المؤدي، من طلب ضمانات خارج المبلغ المتبقي على عاتق المؤمنين أو ذوي حقوقهم. والمقصود تولي جهة التأمين الأداء مباشرة. وهنا تبرز مسؤولية وزارة العدل، بقيادة عبد اللطيف وهبي، في الإسهام بتجويد التشريع وتيسير الولوج إلى العدالة، مع تحصين المنع الكلي لشيكات الضمان بجزاءات رادعة.
ويتعين أن ينص الإطار القانوني على عدم مطالبة المريض بالأداء إلا بعد انتهاء الاستشفاء أو الخدمة العلاجية المعنية وتسلمه فاتورة مفصلة. فلا يكون التسبيق شرطا لبدء العلاج أو استمراره، ولا يعطل الخلاف المالي خروجه. ويجب تحديد آجال للتسوية، ومنع ازدواج الأداء، وإبلاغ المريض قبل التدخلات المبرمجة بتقدير مكتوب للكلفة وحدود التغطية، وتفسير أي تغيير لاحق.
وتستحق الوفاة حماية صريحة تمنع حجز الجثمان أو ربط تسليمه بأداء المستحقات، وتقر مهلة قانونية معقولة تحول دون الضغط على الأسرة خلال الحداد. ويقتضي التنفيذ تنسيقا مع الداخلية والسلطات الترابية لتيسير الإجراءات الداخلة في اختصاصها، دون تحويل النزاع المالي إلى عائق أمام تسليم المتوفى. للمؤسسة حق استخلاص دينها قانونا، لكن الجثمان لا يصلح ضمانة، والحزن لا يجوز أن يصبح وسيلة للتحصيل.
أما شفافية الأداء، فتقتضي إلزام المؤسسات بتلقي المستحقات عبر تحويلات بنكية إلى حساباتها الرسمية، مرتبطة بأرقام الفواتير، مع تسليم وصولات تثبت المبالغ وتواريخها. يتيح ذلك تتبع الأموال ومقارنة المدفوعات بما صرح به للتأمين، ويضيق مجال الأداءات غير الموثقة، دون أن تؤخر الإجراءات العلاج الاستعجالي.
وتبدأ شفافية الفاتورة من اسم كل عمل طبي أو دواء أو خدمة، وتاريخ تقديمه، وكميته، وثمن الوحدة، ومجموعه، وأتعاب المتدخلين وأيام الإقامة. ويجب بيان حصة التأمين والمتبقي على المريض، وضمان حق الاعتراض والتفسير. وتستبعد الأدوية غير المستعملة والخدمات غير المنجزة، مع تبرير الفروق بين التقدير الأولي والمبلغ النهائي.
وينبغي إلزام المستشفيات والمصحات بتسليم المريض وهيئة التأمين نسختين متطابقتين من ملف التحمل، تشملان الطلب والوثائق المرسلة وقرار الموافقة وسقف التغطية والفواتير النهائية. ويتعين على وزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، بالتنسيق مع الصحة والجهات المعنية، تطوير أدوات آمنة للتتبع والمطابقة ورصد التكرار، مع إشراف بشري وحماية سرية المعطيات. ويجب توثيق التعديلات وإبلاغها للطرفين، وتحديد أجل ملزم لتسليم الوثائق.
وتحتاج وزارة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة إلى دور واضح في مواكبة الأسر الهشة والمتضررة، وتيسير شكاياتها وإحالتها إلى الجهات المختصة. فالمريض المنهك والأسرة المفجوعة يحتاجان إلى مسار مفهوم وسريع، لا إلى التنقل بين إدارات تتبادل الاختصاص. وتستكمل الحماية بتفتيش فعال، واسترجاع المبالغ المحصلة دون حق، ومساءلة المخالفين.
وتبقى رئاسة الحكومة مطالبة بجمع هذه المسؤوليات في خطة محددة الآجال، تعين جهة لقيادة التنفيذ، وتتيح نقطة اتصال واحدة للشكايات، وتنشر مؤشرات التقدم. ويجب أن يعرف المريض أين يودع تظلمه، ومتى يتلقى الجواب، وكيف يسترجع مبلغا استخلص دون حق. فتعدد الوزارات يوسع وسائل التدخل، لكنه يستدعي مسؤوليات محددة تمنع تبادل الإحالات وتحول دون ضياع الحقوق بين الإدارات. وتنشر حصيلة التفتيش والمبالغ المسترجعة والإجراءات المتخذة لتصحيح المخالفات، مع حماية بيانات المرضى الشخصية.
ويستحق القطاع الخاص المنضبط علاقة تعاقدية تحفظ حقوقه، كما يستحق المريض علاجا يفهم كلفته ويتتبع ملفه. ويصبح التنسيق الحكومي ذا قيمة عندما يغادر الإنسان مؤسسة العلاج مطمئنا إلى حقوقه، وتستعيد الأسرة فقيدها دون أن يقف حساب مالي بين حزنها ووداعه.