الكاتب الصحفي عبد الله الحسيني
منتدى العمق

بين الجيب والعقل: لماذا نستهلك أكثر مما نملك؟

في نهاية كل شهر، يتكرر المشهد نفسه في بيوت مغربية كثيرة: الراتب انتهى قبل أن ينتهي الشهر، وإشعار “الطريطا” يصل إلى الهاتف، والجيب فارغ. ويطرح الجميع السؤال ذاته: أين ذهب المال؟ والجواب الجاهز دائماً: الأسعار غالية.

ولا يمكن إنكار ذلك. فغلاء المواد الغذائية والمحروقات والكراء أثقل كاهل الأسر، خاصة ذات الدخل المحدود والمتوسط. وأجور كثيرة لم تواكب هذا الارتفاع. هذه أزمة حقيقية، ومن يستخف بها لا يدخل السوق كما يدخله الناس.

لكن الأسعار ليست الحكاية كلها.

انظروا حولنا. أعراس تُقام بالاقتراض، وهاتف جديد كل سنة رغم أن القديم يعمل جيداً، وأضحية العيد تُشترى بقرض استهلاكي تُسدَّد أقساطه شهوراً طويلة. وفي رمضان، شهر القناعة والاعتدال، تمتلئ الموائد بما يفوق الحاجة، ثم يذهب الفائض إلى القمامة. هنا لم يعد الغلاء وحده هو الذي يُفرغ الجيوب.

وراء هذه السلوكات عادة اجتماعية قديمة اسمها “ماذا سيقول الناس عنا؟”. نريد أن نظهر بمظهر الميسور ولو على حساب راحتنا، فنُنفق لنُرضي الجيران والأقارب لا لنسدّ حاجة فعلية. ثم جاءت مواقع التواصل لتزيد الأمر سوءاً، إذ تعرض علينا كل يوم حياة لامعة لا نرى كلفتها الحقيقية، فنشعر أن ما نملكه قليل مهما كان كافياً.

ويزيد الطين بلة أن القرض أصبح سهل المنال. إعلانات تَعِد بالتمويل في دقائق، وعروض “اشترِ الآن وادفع لاحقاً”. ما كان يُؤجَّل حتى يتوفر ثمنه صار يُشترى اليوم ويُدفع غداً بفوائد. وهكذا يتحول الاستهلاك من وسيلة لتحسين العيش إلى سبب لتعقيده.

فهل هي أزمة قيم أم أزمة أسعار؟ الإنصاف يقتضي القول إنها الاثنتان معاً. ومن الظلم أن نحمّل المواطن البسيط وحده المسؤولية، وهو يرى أجره يتآكل أمام فاتورة الماء والكهرباء. على الدولة أن تحارب الاحتكار والمضاربة، وأن تراقب الأسواق، وأن تعمل على تحسين الدخل. وفي المقابل، لا يصح أن ننتظر الحل كله من فوق.

يقول المثل المغربي: “مدّ رجليك على قدر لحافك”. وهو درس بسيط يسهل قوله ويصعب تطبيقه. أن نميز بين الحاجة والرغبة، وأن نضع ميزانية شهرية ونلتزم بها، وأن نمتلك شجاعة قول “لا” حين يكون الإنفاق للمظاهر فقط. هذه ليست أمنيات وعظية، بل خطوات عملية تحمي الأسرة من الدوامة.

قد لا نستطيع وحدنا إيقاف الغلاء، لكن عاداتنا بين أيدينا. وأول الطريق أن نسأل أنفسنا قبل كل شراء: هل أحتاج هذا فعلاً، أم أريد فقط أن يراه الآخرون؟