على إيقاع السجال الدائر في الأوساط المهنية حول مصير “مذكرة الحفظ”، وفي ظل التساؤلات المشروعة التي عكستها التغطيات الإعلامية—ولعل أبرزها ما أوردته جريدة “هسبريس” الإلكترونية يوم الأحد 01 نونبر 2026 تحت عنوان: “مذكرات الحفظ تثير جدلاً في صفوف العدول.. ونقابة: المهنيون تائهون”—يأتي هذا المقال ليسهم في إغناء النقاش القانوني، مبدداً سحب الغموض التي تكتنف هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة. إننا نروم من خلال هذه القراءة المتأنية تفكيك شفرات المادة 199 من القانون الجديد 051.26، قُبيل دخوله حيز التنفيذ في التاسع من نونبر 2026، لنضع الأمور في نصابها التشريعي والمؤسساتي السليم.
إن القراءة السليمة للمادة 199 تتطلب، قبل كل شيء، رؤية مشتركة وموحدة بين جميع الأطراف المتدخلة في الشأن التوثيقي؛ رؤية تنسجم تماماً مع إرادة المشرع الرامية إلى استمرار سريان مفعول المادة 28 من القانون القديم 16.03 كاستثناء صريح. هذا الاستثناء يعني الاستمرار في استعمال “مذكرة الحفظ” وفق الضوابط الحالية، كآلية قانونية وحيدة للعبور بهذه المرحلة الانتقالية إلى بر الأمان. وعليه، فإن أي اجتهاد يجب ألا يخرج عن صريح النص، وألا يبتدع إكراهات لا يحتملها الانتقال التشريعي.
وانطلاقاً من هذه الرؤية الموحدة، فإن الاكتفاء بتوقيع الأطراف على “مذكرة الحفظ” حصرياً، واستبعاد إلزامهم بالتوقيع على أصل العقد خلال هذه المرحلة الانتقالية، لا يُعد اجتهاداً عابراً، بل هو التجسيد الأوفى والتطبيق الأسمى لإرادة المشرع، متأسساً على مشروعية قطعية ترفع كل شك باليقين. فالمشرع الحكيم لم يعمد إلى النسخ المجرد للقانون القديم (16.03)، بل تدخل بقصدية واضحة جاعلاً من المادة 199 “صمام أمان” تشريعي محصن. لقد استثنت هذه المادة مقتضيات المادة 28، مبقية إياها سارية المفعول إلى حين صدور النص التنظيمي المرتقب. هذا الاستثناء ينطق بحكم قانوني قاطع مفاده أن مذكرة الحفظ تظل، بقوة القانون، الوعاء الشرعي الأوحد لتلقي الشهادات في الوقت الراهن.
ويتعمق هذا اليقين باستقراء الهندسة التشريعية لعملية التوثيق؛ فالمادة 28 تندرج صراحة في باب “تلقي الشهادة” لا باب “تحريرها”. ولما كان التوثيق مساراً يبدأ بالتلقي وينتهي بالتحرير، فإن استمرار أحكام التلقي بقوة المادة 199 يقتضي حتماً أن ينحصر توقيع الأطراف—باعتباره جوهر التلقي—في مذكرة الحفظ وحدها. وعليه، فإن مطالبة الأطراف بالتوقيع على أصل العقد تُعد قفزاً على مرحلة التحرير التي عُلِّقت آليتها المستحدثة، المتمثلة في “سجل البيانات”، لغياب النص التنظيمي. وتأسيساً على ذلك، تبرز حقيقة جوهرية تعزز هذا الطرح؛ إذ لا يجوز بأي حال من الأحوال إجبار الأطراف على التوقيع مرتين لإثبات التصرف ذاته (بمذكرة الحفظ أولاً، ثم بأصل العقد ثانياً). فهذه الازدواجية تفتقر لأي سند تشريعي، وتتنافى كلياً مع فلسفة المشرع الرامية إلى تيسير الإجراءات لا إثقال كاهل المتعاقدين بشكليات مكررة ومركبة؛ فإلزام الأطراف بتوقيعين متزامنين على وعائين مختلفين لنفس العقد هو خلط إجرائي يضرب في صميم مبدأ التدرج التشريعي ويفرغ الانتقال من محتواه.
وعلى هدي هذا التأصيل، تتهاوى كل التبريرات المفتعلة حول هاجس “البطلان” المنصوص عليه في المادة 62، والتي تشترط تذييل أصل العقد بتوقيعات الأطراف. فهنا يجب التمييز فقهياً وقانونياً ودستورياً بين “الوجود القانوني” للنص و”قابليته للتطبيق الميداني”. إن المادة 62 هي قاعدة تشريعية تكتسب وجودها بمجرد المصادقة والنشر، فهي صحيحة وملزمة كمبدأ، ولم يُعدمها أو يُلغِها غياب النص التنظيمي؛ لكن أثرها الإجرائي وقوتها التنفيذية يظلان “موقوفي التنفيذ”. فعندما يُحيل المشرع الإجراءات على نص تنظيمي (كما هو الشأن في سجل البيانات)، فإنه يجعل من صدوره “شرطاً واقفاً” (Condition suspensive) يُبقي القاعدة في حالة سكون حتى تحققه.
إن المطالبة بتطبيق شكلية التوقيع على أصل العقد بناءً على معطيات سجل لم يُحدث بعد لغياب نصه التنظيمي، يصطدم بقوة مع المبدأ الفقهي والقانوني الراسخ: “لا تكليف بمستحيل”. فالقاعدة القانونية لا تطبق إلا إذا كانت ممكنة مادياً وإجرائياً. ومن أجل حماية المراكز القانونية من الفراغ التشريعي الذي قد يُحدثه هذا الاستحالة المؤقتة، تدخل المشرع ببراعة عبر الأحكام الانتقالية في المادة 199، مبقياً المادة 28 حيةً تُرزق لسد هذا الفراغ، وممدداً عمر المرحلة الانتقالية لمذكرة الحفظ.
وتتجلى حكمة هذا الحذر التشريعي باستحضار الذاكرة التاريخية للتوثيق العدلي؛ فانتكاسة “مرحلة النظائر” (1983-1993)، التي ألغت التضمين بالسجلات واكتفت بترتيب نظائر العقود بكتابة الضبط التي أثبتت فشلها الذريع في حماية الحقوق، جعلت المشرع يعيد فرض التضمين بصرامة سنة 2004 بموجب قانون النساخة 49.00 الذي تم نسخه. مستوعباً هذا الدرس القاسي، يرفض المشرع اليوم المغامرة بتهميش مذكرة الحفظ لصالح أصل العقد قبل الجاهزية المطلقة لسجل البيانات، مبقياً على المذكرة كحصن مادي رادع لأي خلل في الأمن التوثيقي.
ولم يترك التكريس المؤسساتي والقضائي مجالاً للتأويل، بل جاء ليحسم هذا النقاش بصفة نهائية عبر دورية المجلس الأعلى للسلطة القضائية (رقم 26/43 بتاريخ 22 أكتوبر 2026). فقد أكدت هذه الدورية دخول القانون 51.26 حيز التنفيذ، مع تشديدها على الاستثناء التشريعي الوارد في المادة 199. والأهم من ذلك، أقرت الدورية بتعليق العمل بسجل البيانات، موجهة بشكل ملزم إلى ضرورة الاستمرار في التلقي بمذكرة الحفظ كآلية بديلة ووحيدة. إن هذا التوجيه الصادر عن أعلى هيئة قضائية يمنح الممارسة التوثيقية الحالية مناعة لا تقبل الجدل، ويسقط كل الاجتهادات المرتبكة والمشوشة على مرحلة الانتقال الآمن والسلس الذي أقره المشرع في المادة 199. لتظل القاعدة القانونية في هذه المرحلة واضحة وحاسمة: “لا توقيع للأطراف إلا مرة واحدة على مذكرة الحفظ، ولا تكليف بمستحيل”، إلى أن يرى النص التنظيمي النور؛ وحينها فقط، تنتهي هذه الشرعية الاستثنائية، ليصبح التوقيع على أصل العقد التزاماً حتمياً تحت طائلة البطلان، إيذاناً باكتمال صرح التحديث الرقمي والمؤسساتي الذي ينشده القانون الجديد.