كشف الدبلوماسي السابق إدريس قريش عن معطيات وتقديرات بشأن التحركات الدبلوماسية التي قامت بها الجزائر في اتجاه روسيا، قبيل التصويت الأخير بمجلس الأمن الدولي حول قضية الصحراء المغربية، مرجحا أن تكون الجزائر قد قدمت إغراءات وتنازلات اقتصادية واستراتيجية لموسكو، بهدف دفعها إلى استخدام حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي.
واعتبر قريش، في تصريح لجريدة “العمق”، أن الجزائر وضعت ثقلها الدبلوماسي والاقتصادي في محاولة للتأثير على الموقف الروسي، مستغلة التحولات الجيوسياسية الدولية والحرب الروسية الأوكرانية، في وقت استبعد فيه أن تكون موسكو تسعى إلى الإضرار بالمغرب أو التضحية بعلاقاتها معه خدمة لمصالح ظرفية.
وأكد المتحدث، الذي يستند في تحليله إلى تجربة دبلوماسية ناهزت 35 سنة، ضرورة التمييز بين الحسابات الاستراتيجية الروسية الرامية إلى توسيع النفوذ وإعادة ترتيب التوازنات الدولية، وبين المصالح الاستراتيجية للمغرب، داعيا إلى عدم اختزال الموقف الروسي في علاقاته مع الجزائر.
وفي معرض حديثه عن خلفيات الموقف الروسي، كشف قريش أن يوم 28 أكتوبر 2025 شهد، وفق معلومات قال إنه يتوفر عليها، لقاء سريا بين مسؤولين في المخابرات الجزائرية والروسية بموسكو، معتبرا أن الاجتماع كان جزءا من مساع جزائرية لاستمالة روسيا ودفعها إلى معارضة التوجهات الأممية بشأن الصحراء.
وأوضح أن الجزائر حاولت، بحسب تقديره، تقديم إغراءات مرتبطة بمصالحها الاقتصادية وثرواتها الطبيعية، غير أن موسكو لم تستجب آنذاك لهذه المساعي بالشكل الذي كانت تطمح إليه الجزائر.
وأشار الدبلوماسي السابق إلى أن هذه التحركات تجددت قبيل التصويت الأخير، مستحضرا لقاء وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف بنظيره الروسي سيرغي لافروف، بالعاصمة موسكو، يوم 27 أكتوبر 2026، في سياق المشاورات السياسية بين البلدين حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية، من بينها قضية الصحراء.
ورجح قريش أن تكون الجزائر قد عرضت امتيازات اقتصادية واستثمارية على الجانب الروسي، خصوصا في قطاعي النفط والغاز، مقابل الحصول على موقف أكثر تشددا تجاه المشروع الأمريكي، معتبرا أن النظام الجزائري قد يكون مستعدا للمخاطرة بمصالح استراتيجية من أجل تحقيق أهدافه السياسية المرتبطة بالنزاع.
وفي هذا السياق، ذهب المتحدث إلى القول إن الجزائر ربما تكون قد “رهنت شعبها وثرواتها لروسيا”، معتبرا أن قيادتها لا تتردد في تقديم تنازلات واسعة مقابل استمرار نهجها السياسي في قضية الصحراء.
وتبقى هذه المعطيات بشأن وجود عروض اقتصادية أو تفاهمات سرية تقديرات وتصريحات منسوبة إلى قريش، دون توفر أدلة مستقلة تؤكد حصولها أو ارتباطها المباشر بالتصويت الروسي.
روسيا والفيتو.. حسابات تتجاوز قضية الصحراء
وفي تحليله لدوافع موسكو، اعتبر قريش أن الموقف الروسي ينبغي فهمه في إطار التحولات التي يشهدها النظام الدولي، والانتقال التدريجي من هيمنة القطبية الواحدة إلى نظام متعدد الأقطاب.
وأوضح أن روسيا تسعى إلى تأكيد استقلالية قراراتها داخل مجلس الأمن الدولي، وتوسيع حضورها في مناطق ذات أهمية جيوستراتيجية، من بينها المغرب العربي، الذي يمثل مجالا مهما للتنافس بين القوى الدولية.
وأضاف أن استخدام روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي، يوم 30 أكتوبر 2026، لا يمكن تفسيره فقط بالعلاقات الروسية الجزائرية، بل يرتبط أيضا برغبة موسكو في إبراز موقعها باعتبارها قوة دولية قادرة على معارضة التوجهات الأمريكية والغربية داخل المؤسسات الأممية.
واعتبر أن الخلافات المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، والتنافس بين موسكو والعواصم الغربية، تشكل عوامل أساسية في تفسير طبيعة المواقف والتحالفات داخل مجلس الأمن.
وفي هذا الإطار، استبعد قريش أن تكون روسيا قد قررت “إلحاق الضرر بالمغرب” أو “التضحية به لأجل مصالح ظرفية”، مشددا على أن العلاقات المغربية الروسية تستند إلى اعتبارات استراتيجية تتجاوز التطورات الآنية المرتبطة بملف الصحراء.
وكانت روسيا قد بررت رسميا استخدام الفيتو برفضها ما اعتبرته فرضا لحل مسبق بشأن السيادة على الإقليم، مؤكدة تمسكها بمسار تفاوضي يفضي إلى تسوية مقبولة من الأطراف المعنية.
وفي ما يتعلق بتداعيات التطورات الأخيرة بمجلس الأمن، اعتبر قريش أن انتهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “المينورسو” قد يمثل فرصة دبلوماسية جديدة للمغرب، بالنظر إلى التحولات التي يعرفها الملف على المستويين السياسي والأممي.
وجاءت تصريحات الدبلوماسي السابق في أعقاب فشل مجلس الأمن، يوم 30 أكتوبر 2026، في اعتماد مشروع القرار الأمريكي بسبب الفيتو الروسي، قبل أن يفشل مشروع قرار روسي بديل في الحصول على الموافقة اللازمة.
وبعد انقضاء الولاية المحددة في القرار الأممي 2797 لسنة 2025، أعلنت الأمم المتحدة، في فاتح نونبر 2026، انتهاء عمليات بعثة المينورسو وبدء إجراءات تصفيتها، مع تأكيد استمرار جهودها السياسية الرامية إلى التوصل إلى حل للنزاع.
وشدد قريش على أهمية المكتسبات السياسية التي تضمنها القرار 2797، خصوصا ما يتعلق بمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساسا للمفاوضات، داعيا إلى الحفاظ على هذه المرجعية في أي مسار أممي مقبل.
وفي المقابل، حذر من أن غياب آلية أممية للمراقبة الميدانية قد يفتح المجال أمام احتمالات أمنية غير محسوبة، مرجحا إمكانية التوصل مستقبلا إلى صيغة جديدة لمواكبة العملية السياسية ومراقبة الأوضاع في المنطقة.
وأكد المتحدث أن المرحلة المقبلة تتطلب تكثيف التواصل الدبلوماسي مع مختلف القوى الدولية، وفي مقدمتها روسيا، مشددا على ضرورة “ترسيخ التواصل والتشبث بعلاقة الصداقة التي تربط المغرب بالشعب الروسي”.
وأضاف في هذا السياق أن “روسيا صديقة وستبقى صديقة”، مستحضرا العلاقات التاريخية بين البلدين ومواقف موسكو الداعمة لبعض الترشيحات المغربية داخل المؤسسات الدولية.
انتقادات للنظام الجزائري وتحذير من التصعيد
وفي سياق متصل، وجه قريش انتقادات حادة إلى النظام الجزائري، معتبرا أن سياسته الإقليمية تفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة، وأن استمرار التوتر مع المغرب يعكس، بحسب رأيه، تغليب الحسابات السياسية على المصالح المشتركة لشعوب المنطقة.
وقال إن “الجزائر دولة بدون ثقافة دولة”، منتقدا ما وصفه بهيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي، ومعتبرا أن هذه الهيمنة تؤثر في توجهات السياسة الخارجية الجزائرية وعلاقاتها الإقليمية.
وأضاف أن الجزائر تمثل، في تقديره، نموذجا لـ”دولة غنية بشعب فقير”، في إشارة إلى التناقض الذي يراه بين إمكاناتها الاقتصادية وثرواتها الطبيعية والأوضاع الاجتماعية لفئات من سكانها.
ولم يستبعد الدبلوماسي السابق إمكانية اندلاع مواجهة عسكرية في المنطقة، في ظل استمرار التوترات المرتبطة بقضية الصحراء، متهما جبهة البوليساريو بالسعي إلى زعزعة استقرار المغرب وعرقلة مساره التنموي.
كما حذر من تداعيات السياسة الجزائرية في منطقة الساحل، ولا سيما في ما يتعلق بالتطورات التي تشهدها النيجر، معتبرا أن التدخلات الإقليمية غير المحسوبة قد تؤدي إلى مزيد من الاضطرابات الأمنية والسياسية.
ووصف بعض التوجهات الجزائرية في المنطقة بأنها “لعب غبي وخاطئ وخطير”، محذرا من تداعيات اتساع التوترات على الأمن والاستقرار في القارة الإفريقية.
وفي مقابل انتقاداته للسياسة الجزائرية، اعتبر قريش أن المغرب يتوفر على مؤهلات مهمة لتعزيز موقعه داخل النظام الدولي، مستفيدا من حضوره الدبلوماسي وموقعه الجغرافي الرابط بين إفريقيا وأوروبا، فضلا عن علاقاته المتنوعة مع القوى الكبرى.
وأكد أن الثقة والمصداقية اللتين يحظى بهما الملك محمد السادس تشكلان، في تقديره، رصيدا استراتيجيا يمكن استثماره لتعزيز الحضور المغربي في القضايا الاقتصادية والأمنية والتنموية على المستوى الدولي.
وشدد على أهمية مواصلة الانفتاح على مختلف الشركاء الدوليين، وعدم حصر العلاقات الخارجية للمملكة في محور واحد، بما يضمن الحفاظ على استقلالية القرار الدبلوماسي وتعزيز المصالح الوطنية.
وخلص قريش إلى أن المرحلة الراهنة تستدعي تغليب منطق الحوار والدبلوماسية على التصعيد العسكري، محذرا من التداعيات الخطيرة لأي مواجهة محتملة في المنطقة، ومؤكدا أن “الحرب ثقافة المنهزم”.