لم يعتمد مجلس الأمن، في جلسته يوم 30 أكتوبر 2026، أيّاً من مشروعَي القرار المعروضين عليه بشأن مستقبل المينورسو. فقد أسقطت روسيا بالفيتو المشروع الأمريكي رغم تأييد 11 عضواً وامتناع الصين وباكستان والصومال، بينما لم ينل المشروع الروسي البديل سوى ثلاثة أصوات مقابل صوت معارض و11 امتناعاً. وبانقضاء ولاية البعثة في 31 أكتوبر، أعلنت الأمم المتحدة بدء تصفيتها اعتباراً من فاتح نونبر، مؤكدة استمرار انخراطها السياسي عبر مبعوثها الشخصي ستافان دي ميستورا. وقد قرأ بلاغ الديوان الملكي هذا المآل بوصفه خطوة كبرى نحو الطي النهائي للملف داخل أروقة الأمم المتحدة، فيما أعربت الجزائر عن أسفها، معتبرة أن تقرير المصير يظل مرجعاً أساسياً لتسوية النزاع.
غير أن دلالة هذه المحطة لا تُقرأ في الفيتو وحده، بل في ما كشفه التصويت من موازين. فالنص الذي كان يجعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً حصرياً للتفاوض حظي بتأييد 11 عضواً، بينهم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، في حين لم يحشد البديل المتمسك بصيغة البعثة الحالية أكثر من ثلاثة أصوات. ومن هنا يقرأ المغرب المشهد بوصفه تحولاً في ميزان الدعم لصالح مقترحه، وإن ظل غياب قرار ملزم يترك الوضع الأممي مفتوحاً على تأويلات متباينة.
وهذا التحول لم يأتِ من فراغ. فالدبلوماسية المغربية ربطت بين الموقف السياسي والإنجاز الميداني، إذ أطلقت النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية الذي تقدّر الحكومة غلافه المالي بـ77 مليار درهم، وأنجزت شبكة طرق تتجاوز 4000 كيلومتر وفق أرقام رئيس الحكومة المعلنة في نونبر 2025. كما بلغت أشغال ميناء الداخلة الأطلسي نحو 50% حسب مسؤول بالميناء في يوليو 2026، مع بدء الاستغلال المتوقع سنة 2029، ويواصل المكتب الشريف للفوسفاط برنامجه الصناعي بموقع فوسبوكراع بالعيون. وتتقدم المنطقة كذلك في الطاقات المتجددة والاقتصاد الأزرق والفلاحة. وبهذا المعنى، استند حضور المغرب في النقاش الأممي إلى واقع ملموس، لا إلى مرافعة قانونية فحسب.
وهنا يكمن الدرس السياسي: فالشرعية في عالم اليوم تُبنى بتراكم الحجة القانونية، والدعم الدولي المتنامي، والقدرة على إثبات أن السيادة تخدم الإنسان. وحين تتحول الأقاليم الجنوبية إلى فضاء جاذب للاستثمار والاستقرار، تغدو مقترحات التسوية القائمة على الحكم الذاتي أكثر واقعية وإقناعاً لدى المنتظم الدولي.
لكن لا ينبغي أن يُختزل النجاح في البنيات والمشاريع. فالمنطق الحقوقي يقتضي أن يُقاس أثر التنمية بما يتيحه من كرامة وفرص ومشاركة حقيقية للساكنة، وأن تُصان الحقوق والحريات الأساسية في كل المجالات الترابية دون استثناء، مع تقوية المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وآليات الرقابة والمساءلة. وبعد انتهاء ولاية البعثة، وفي ظل قلق الأمين العام للأمم المتحدة من احتمال تصاعد الأعمال العدائية ودعوته الأطراف إلى ضبط النفس، تقتضي المرحلة حرصاً جماعياً على احترام وقف إطلاق النار وسلامة المنطقة، مع مواصلة الاهتمام الإنساني بأوضاع المحتجزين بمخيمات تندوف وحقوقهم الأساسية.
ومن هذا المنطلق، تفرض اللحظة تفعيلاً أعمق للجهوية المتقدمة، بتمكين الجهات من الموارد والاختصاصات الكفيلة بتحويل المشاريع الكبرى إلى أثر محلي مباشر، وبجعل الشباب شركاء في التخطيط والتدبير والتقييم، لا مجرد مستفيدين من البرامج. فالشباب هم الضمانة الأولى لاستدامة أي نموذج تنموي.
إن ما حققه المغرب في هذه المحطة ثمرة الجمع بين الرؤية السياسية والعمل التنموي والثبات الدبلوماسي، وسيظل رهيناً بقدرتنا على تحويل المكتسب إلى مؤسسات قوية وعدالة مجالية وحقوق مصونة وشباب فاعل. فالوحدة الترابية لا تبلغ كامل معناها إلا حين تتحول إلى وحدة في التنمية والفرص والكرامة والمشاركة.
*رئيس المرصد الوطني للشباب والسياسات العمومية