تثير قضية البروفيسور رشيد شرقاب، طبيب التخدير والإنعاش بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، إشكالية سياسية ومؤسساتية تتجاوز حدود المتابعة القضائية، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول العلاقة بين محاربة الفساد داخل المؤسسات الصحية العمومية، وحماية الأطر الطبية، وضمان الحق في الصحة. فقد صدر في حق هذا الطبيب حكم ابتدائي بسنة واحدة حبسا نافذاً، في قضية مرتبطة بتهم التشهير وانتحال صفة قانونية، على خلفية بلاغات وتصريحات تناولت اختلالات مفترضة داخل المؤسسة الاستشفائية. كما أثارت هذا القضية نقاشاً حقوقياً حول حماية المبلغين عن الفساد، فيما تؤكد النيابة العامة أن المتابعة تستند إلى شكايات وأبحاث قضائية. وقد حددت جلسة يوم 2 نونبر 2026 تاريخ 16 نونبر الجاري موعداً لانطلاق أولى جلسات الاستئناف في قضية شرقاب وزميليه، بما يجعل المرحلة الاستئنافية محطة مهمة لتقييم الأحكام الابتدائية وضمان حقوق جميع الأطراف.
أولاً: محاكمة الطبيب و الخصاص الطبي
يعيش القطاع الصحي العمومي بالمغرب تحديات مرتبطة بنقص الموارد البشرية الطبية، خاصة في التخصصات الحيوية كالتخدير والإنعاش حيث يعتبر هذا الطبيب من ضمن خمس أطباء تتوفر عليهم مستشفيات العاصمة الاقتصادية من أصل 200 طبيب تخدير في كل أقاليم المملكة. وتكتسي هذه الوضعية أهمية خاصة في مستشفى ابن رشد باعتباره مؤسسة استشفائية جامعية مرجعية تستقبل المرضى من الدار البيضاء ومناطق أخرى. إذ يعتبر طبيب التخدير والإنعاش أحد الركائز الأساسية للمنظومة الصحية، إذ لا تقتصر مهمته على تخدير المريض قبل العملية الجراحية، بل تمتد إلى ضمان سلامته واستقرار وظائفه الحيوية قبل الجراحة وأثناءها وبعدها. وتتجلى أهمية هذا التخصص في كون طبيب التخدير يمثل حلقة حاسمة في إنجاح العمليات الجراحية، بحيث إن غيابه أو الخصاص في أعداد الأطباء المتخصصين فيه قد يؤدي إلى تعطيل العمليات وتأخير التدخلات الطبية وإنقاذ الأرواح. وهكذا تتمثل
الأدوار الأساسية لطبيب التخدير في مختلف مراحل العمليات الجراحية :
– قبل العملية الجراحية: تقييم الحالة الصحية للمريض، وفحص وظائف القلب والرئتين، وتحديد نوع التخدير المناسب.
– أثناء العملية الجراحية: مراقبة ضغط الدم، ونبض القلب، والتنفس، ونسبة الأكسجين، والتدخل الفوري عند حدوث مضاعفات. و تدبير الألم من خلال ضمان عدم شعور المريض بالألم أثناء الجراحة، وتدبير الألم بعد العملية.
والتدخل في الحالات الحرجة من خلال التعامل مع النزيف الحاد، واضطرابات القلب والتنفس، وحالات الإنعاش الطارئة.
– بعد العملية الجراحية: مراقبة استعادة المريض لوعيه واستقرار وظائفه الحيوية، والتأكد من سلامته قبل نقله إلى غرفة الإفاقة أو القسم المختص.
وهكذا تشير المعطيات المنشورة إلى أن المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء يجري أعداداً كبيرة من العمليات الجراحية، حيث وفق جريدة «لوماتان»، أجرى المركز الاستشفائي الجامعي سنة 2003 حوالي26,528 عملية، بمعدل 73 عملية يومياً.
من هنا يمكن قراءة هذه القضية من خلال ثلاث إشكاليات:
– إشكالية الخصاص: هل يؤدي نقص الأطباء إلى زيادة الضغط المهني وتعقيد العلاقات داخل المستشفى؟
– إشكالية التدبير: هل تسمح ظروف العمل ونظم الحكامة بتوفير خدمات صحية في مستوى انتظارات المواطنين؟
– إشكالية المسؤولية: هل يتم التعامل مع الاختلالات المفترضة باعتبارها أخطاء فردية فقط، أم باعتبارها مؤشرات على خلل مؤسساتي يستوجب التحقيق؟
فالخصاص الطبي لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتجاوزات، كما أن محاربة الفساد لا ينبغي أن تؤدي إلى إضعاف الأطر الطبية التي تشتغل داخل المرفق العمومي.
ثانياً: محاربة الفساد أم تجريم التبليغ عن الاختلالات؟
تتمثل إحدى أبرز المفارقات التي تطرحها هذه القضية في أن الطبيب الذي سبق أن أثار شبهات تتعلق بتدبير مستشفى ابن رشد وجد نفسه أمام متابعة قضائية انتهت إلى حكم ابتدائي بالحبس بسنة سجنا.وهنا تبرز ثلاثة مستويات:
1. المستوى القانوني ، إذ من حق الأطباء والمسؤولين داخل المؤسسات العمومية التبليغ عن الاختلالات، لكن هذا الحق لا يعفيهم من المسؤولية القانونية عن التشهير أو نشر ادعاءات غير صحيحة أو انتحال صفات غير قانونية. وبالمقابل، ينبغي أن تتمتع المتابعة القضائية بضمانات المحاكمة العادلة، وأن تظل قرينة البراءة قائمة إلى حين صدور حكم نهائي.
2. المستوى المؤسساتي ، ذلك أن عدم معالجة الشكايات المتعلقة بالفساد أو سوء التدبير بالسرعة والشفافية اللازمتين قد يؤدي إلى تراجع الثقة في آليات الرقابة الداخلية والخارجية.فإذا شعر الموظف أو الطبيب بأن التبليغ عن الاختلالات قد يعرضه لمخاطر مهنية أو قضائية، فقد يتولد نوع من الصمت المؤسساتي، وهو ما يضر بالمرفق العام.
3. المستوى الحقوقي حيث تطرح هذه القضية سؤالاً حول مدى فعالية الحماية القانونية للمبلغين عن الفساد داخل المؤسسات العمومية، ومدى التمييز بين التبليغ المسؤول الذي يستند إلى معطيات قابلة للتحقق، وبين التشهير الذي يمس حقوق الآخرين.وقد دعت منظمات حقوقية، في سياق هذه القضية، إلى التحقيق في الاختلالات المفترضة وتعزيز حماية المبلغين.
ثالثاً: هل يمكن أن تؤدي محاكمة الطبيب إلى إضعاف محاربة الفساد؟
يمكن القول إن القضية تحمل مخاطر سياسية ومؤسساتية، حتى دون افتراض أن المتابعة القضائية كانت انتقامية.
فإذا انتهى النقاش العمومي إلى اعتبار أن كل من يثير الاختلالات داخل المؤسسات العمومية عرضة للملاحقة، فإن ذلك قد يخلق تراجعاً في المبادرات الرقابية من داخل المؤسسات، و تعزيز ثقافة الصمت والخوف من التبليغ ، و ضعف الثقة في المؤسسات الصحية العمومية. وكذا تزايد الشعور بأن محاربة الفساد لا تتم بالفعالية نفسها في جميع المستويات. لكن في المقابل، فإن ترك الاتهامات دون تحقق أو السماح بالتشهير بالأطر الطبية قد يضر بدوره بالثقة المؤسساتية وبحقوق العاملين في القطاع الصحي. لذلك، فإن الحل لا يكمن في إلغاء المساءلة القانونية، بل في ضمان استقلاليتها وشفافيتها، بالتوازي مع تفعيل التحقيق في الاختلالات التي يتم التبليغ عنها.
رابعاً: الدلالات السياسية للقضية في سياق إصلاح المنظومة الصحية
يمكن النظر إلى القضية باعتبارها اختباراً لمدى قدرة الدولة على التوفيق بين مسارين:
– مسار إصلاح المنظومة الصحية، الذي يقتضي تحسين ظروف اشتغال الأطباء وتقوية الموارد البشرية.
– مسار تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد، الذي يقتضي إخضاع جميع المسؤولين للمراقبة والمحاسبة.
خامسا قضية طبيب التخدير بمستشفى ابن رشد وتنصيب حكومة فاطمة الزهراء المنصوري
1- القضية باعتبارها اختباراً مبكراً للحكومة حيث تم تنصيب فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة في 29 شتنبر 2026، بينما صدرت الأحكام الابتدائية في قضية الطبيب رشيد شرقاب في 21 أكتوبر 2026، أي بعد أسابيع قليلة من تشكيل الحكومة. وهذا التزامن يمنح هذه القضية ثلاثة أبعاد سياسية:
– البعد السياسي: وضع شعار محاربة الفساد أمام اختبار الممارسة، بدل الاكتفاء بالخطاب الانتخابي.
– البعد المؤسساتي: مساءلة مدى قدرة الحكومة ووزارة الصحة على معالجة الاختلالات التدبيرية داخل المؤسسات العمومية.
– البعد الحقوقي: إثارة مسألة حماية الأطباء والموظفين الذين يبلغون عن شبهات الفساد، دون المساس باستقلال القضاء.
2- المفارقة بين محاربة الفساد ومتابعة الطبيب ، حيث تتمثل المفارقة في أن الطبيب شرقاب، وفق ما أوردته تقارير صحفية، سبق أن أثار شبهات تتعلق بسوء التدبير داخل المستشفى، بينما جاءت متابعته القضائية على خلفية اتهامات بالتشهير وانتحال صفة نقابية، وهي اتهامات لا ينبغي الخلط بينها وبين ثبوت فساد المسؤولين الذين انتقدهم. وهنا يمكن طرح إشكال جوهري:هل تقتصر محاربة الفساد على معاقبة الأفعال التي تثبت قضائياً، أم ينبغي أن تشمل أيضاً توفير الحماية المؤسساتية لمن يكشفون عن الاختلالات؟ فمن الضروري التأكيد أن الحكم القضائي لا يثبت تلقائياً صحة ادعاءات الطبيب بشأن الفساد، كما أن إثارة شبهات الفساد لا تعفيه من المسؤولية عن أي أفعال ثبتت قانونياً.
3- مسؤولية حكومة المنصوري حيث أن مسؤولية الحكومة في هذه القضية ليست التدخل في المسار القضائي، وإنما اتخاذ إجراءات مؤسساتية موازية، من قبيل:
– فتح افتحاص إداري ومالي مستقل حول الاختلالات المبلغ عنها في مستشفى ابن رشد.
– الكشف عن مآل الشكايات السابقة المتعلقة بتدبير المؤسسة.
– تعزيز الحماية القانونية للمبلغين عن الفساد.
– معالجة الخصاص في الموارد البشرية والتجهيزات الطبية، خصوصاً في أقسام التخدير والإنعاش.
– ضمان عدم تحول الخلافات الإدارية والنقابية إلى وسيلة لتصفية الحسابات المهنية.
وتكتسب هذه المطالب أهمية بالنظر إلى أن مستشفى ابن رشد يعاني، وفق سؤال برلماني منشور، من اختلالات سبق أن أثيرت بشأنها شكايات تتعلق بالموارد البشرية والتجهيزات والحكامة.
4- الدلالة السياسية للقضية حيث يمكن قراءة القضية باعتبارها أول اختبار رمزي لشعار محاربة الفساد الذي رفعته حكومة المنصوري، خصوصاً أن الرأي العام قد يقارن بين الخطاب المعلن والنتائج الملموسة.فإذا اكتفت الحكومة بالصمت إزاء شبهات التدبير التي أثيرت، فقد يتولد انطباع بأن محاربة الفساد تظل انتقائية أو غير مكتملة. أما إذا بادرت إلى فتح تحقيق مستقل وشفاف، فإنها قد تحول القضية إلى فرصة لترسيخ الحكامة داخل القطاع الصحي.
وعموما ، فأهمية قضية طبيب التخدير عمر شرقاب لا تكمن في الحكم القضائي الصادر في حقه وحده، بل في كونها تكشف عن التحدي الذي تواجهه حكومة المنصوري في تحويل شعار محاربة الفساد من أداة للتعبئة السياسية إلى ممارسة مؤسساتية قائمة على الشفافية والمساءلة وحماية المبلغين. فإلى أي حد تشكل قضية طبيب التخدير بمستشفى ابن رشد اختباراً مبكراً لمصداقية شعار محاربة الفساد الذي رفعته حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، وما إذا كانت الحكومة قادرة على التوفيق بين إنفاذ القانون وحماية المبلغين عن الاختلالات داخل المرافق العمومية، دون أن تتحول المحاربة المعلنة للفساد إلى مجرد خطاب سياسي؟