مرة أخرى ولا نخالها ستكون الأخيرة، يتأكد بالملموس من خلال اعتقال البروفيسور رشيد شرقاب من داخل المحكمة الابتدائية الزجرية عين السبع بالدار البيضاء، أن بلادنا أبعد ما تكون عن مكافحة الفساد، وأن الحديث عن الظاهرة الذي ما انفكت تثيره الحكومات المتعاقبة على مدى سنوات، ليس في الواقع عدا شعارا استهلاكيا مضللا، في غياب الإرادة السياسية لدى مدبري الشأن العام. إذ لا أدل على ذلك أكثر مما ورد في المادتين 3 و7 من قانون المسطرة الجنائية رقم 23.03، اللتين يتم بموجبهما منع الأفراد والجمعيات من التبليغ عن جرائم الفساد وهدر المال العام.
فمن يكون رشيد شرقاب؟ هو طبيب مغربي أخصائي في الإنعاش والتخدير، أستاذ جامعي في كلية الطب والصيدلة ويشتغل في المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بمدينة الدار البيضاء، وهو كذلك نائب الأمين العام لنقابة الاتحاد الديمقراطي المغربي للشغل وعضو المكتب التنفيذي، اشتهر بلقب “طبيب الفقراء” لما عرف عنه من تضحيات وتعاطف كبير مع المرضى المعوزين.
وقد قضت المحكمة الابتدائية في حقه يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 بسنة واحدة حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها خمسة آلاف درهم بتهمتي التشهير وانتحال صفة منظمة قانونا، وضد التقني عبد اللطيف صدار الكاتب العام للنقابة الديمقراطية للصحة بسنتين حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها خمسة آلاف درهم إثر متابعته بنفس التهم، إضافة إلى بث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة تمس بالحياة الخاصة للأشخاص والتشهير بهم”. كما شمل الحكم محمد آيت الطالب الطبيب المتخصص في الأنف والأذن والحنجرة، الذي حوكم بستة شهور حبسا نافذا مع إبقائه في حالة سراح وغرامة مالية قدرها ألفا درهم، علاوة على تعويض تضامني قدره مليون درهم لفائدة المجموعة الصحية الترابية لجهة الدار البيضاء-سطات التي كان المركز الاستشفائي ابن رشد تابعا لها سابقا، علما أنه ليس لهم من ذنب عدا أنهم حاولوا فضح ما وصفوه ب”اختلالات” وشبهات فساد في ذات المركز الطبي…
وتعود خلفيات هذه القضية التي أثارت موجة من السخط العارم وردود فعل غاضبة في صفوف العاملين بالقطاع وبين فعاليات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية، إلى خلاف مهني بالمركز الاستشفائي ابن رشد سنة 2024 إثر استقبال مريض يعاني تعفنا على مستوى قدمه، وملف نقابي ثقيل حول ظروف العمل غير اللائقة بالمركز الاستشفائي، من حيث وجود عدة اختلالات وممارسات تحول دون السير الطبيعي في بعض المصالح، وبسببها لفقت للبروفيسور شرقاب تلك التهم الباطلة حول نشر بلاغين يسيئان ويشهران ببعض الأطباء وادعاء وقائع كاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وانتحال صفة ذات صلة بالعمل النقابي، مما ألحق أضرارا بليغة بحياتهم الخاصة والمهنية.
فما أجج الغضب الشعبي ورفع منسوب التضامن مع البروفيسور شرقاب والمطالبة بإطلاق سراحه، ليس فقط معاملاته الإنسانية، ولا حتى أنشطته الحقوقية والنقابية في الدفاع عن قضايا الفئات الهشة، بل كذلك إصراره الدائم على كشف التجاوزات وشبهات الفساد في التدبير بالمركز الاستشفائي السالف الذكر. وأنه بينما كان الجميع ينتظرون إنصافه ومن معه، ولاسيما بعد تقدمه بشكايتين منفصلتين إلى النيابة العامة، وبعد الاستماع إليه كمشتك من قبل الشرطة القضائية يروم التبليغ عما يحدث في المستشفى من خروقات، يباغتون باعتقاله من داخل الجلسة، رغم ما كان يتمتع به من سراح مؤقت…
وفضلا عن تعالي الأصوات المنددة بهذه القضية، ووصولها إلى البرلمان عبر توجيه سؤال كتابي إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية يونس بجيجو، للتدقيق في ملابساتها بإجراء بحث شامل وترتيب الجزاءات ضد المتورطين الحقيقيين، فإن نقابة الاتحاد الديمقراطي المغربي للشغل طالبت ببراءة البروفيسور شرقاب ومن معه، خاصة أنهم ليسوا من ناهبي المال العام، ولم يثبت قط في حقهم أن اقترفوا خطأ طبيا أو قصروا في قيامهم بواجبهم، وأن شكاية المجموعة الصحية الترابية بجهة الدار البيضاء-سطات مجرد شكاية “كيدية”، كان الهدف من ورائها ممارسة الضغط على البروفيسور شرقاب منذ عام 2025 لسحب شكايتيه، وناشدت ملك البلاد محمد السادس قصد إعطاء تعليماته السامية للجهات المختصة، قصد تشكيل لجنة محايدة للبحث في حيثيات هذا الملف، وضمان محاكمة عادلة ونزيهة مع متابعة المتهمين في حالة سراح حتى استكمال كافة مراحل التقاضي.
وبالنظر إلى ما يحظى به البروفيسور شرقاب من مكانة مرموقة، فقد عرفت أولى جلسات محاكمته ومن معه في محكمة الاستئناف بالدار البيضاء يوم الاثنين 2 نونبر 2026 حضورا قويا لهيئة دفاع متكونة من 35 محاميا، هبوا لمؤازرتهم وتقديم الطعون ضد الحكم الابتدائي الصادر في حقهم، كما لم تفتهم المطالبة بالإفراج عنهم ومتابعتهم في حالة سراح، لكن المحكمة رفضت تمتيع المتهمين بالسراح المؤقت وقررت تأجيل النطر في القضية إلى يوم الاثنين 16 نونبر 2026 بناء على ملتمس هيئة الدفاع إلى حين إعداد الملف.
وبالإضافة إلى المطالبة بحرية البروفيسور شرقاب ومن معه، تدعو عديد المنظمات الحقوقية إلى ضرورة إعادة النظر في تدبير الاعتقال الذي تعرضوا له، ضمان المحاكمة العادلة وحرية التعبير وحقوق المبلغين دون المس باستقلال القضاء أو بحقوق أطراف النزاع، وإلى فتح بحث إداري ورقابي مستقل حول ما أثير من اختلالات، والكشف عن مصير الشكايات والتبليغات التي سبق تقديمها إلى الجهات المختصة، وترتيب المسؤوليات القانونية في حالة التأكد من صحة مضامينها.