اجتماعان فقط منذ 2017 وتعثر 46% من المشاريع.. هيئة النزاهة تكشف حصيلة 10 سنوات من مكافحة الفساد
سياسة

اجتماعان فقط منذ 2017 وتعثر 46% من المشاريع.. هيئة النزاهة تكشف حصيلة 10 سنوات من مكافحة الفساد

كشف التقرير السنوي للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، برسم سنة 2025، عن اختلالات عميقة طبعت تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد خلال الفترة الممتدة من 2015 إلى 2025، بعدما أظهرت نتائج التقييم النهائي أن اللجنة الوطنية المكلفة بقيادة هذه الاستراتيجية لم تعقد سوى اجتماعين منذ إحداثها سنة 2017، مقابل تعثر استكمال 46 في المائة من المشاريع المبرمجة، وعدم تحقيق عدد من الأهداف الأساسية التي راهنت عليها الدولة لتحسين مؤشرات النزاهة ومحاربة الفساد.

وقدم التقرير، المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 30 أكتوبر 2026، تقييما نقديا لحصيلة عشر سنوات من السياسات العمومية الموجهة لمحاربة الفساد، كاشفا عن فجوة واسعة بين حجم الإصلاحات والمشاريع المعلنة ومستوى إنجازها الفعلي، في ظل ضعف آليات القيادة والتنسيق المؤسساتي، وتعثر الإصلاحات التشريعية المهيكلة، ومحدودية النتائج المحققة على مستوى المؤشرات الدولية المرتبطة بالشفافية والحكامة.

ووفق المعطيات التي أوردتها الهيئة، فإن اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، التي أُحدثت سنة 2017 لتكون أعلى إطار مؤسساتي للإشراف على تنفيذ الاستراتيجية، لم تعقد سوى اجتماعين طيلة الفترة التي شملها التقييم، رغم أن المقرر كان عقد اجتماعين سنويا، وهو ما اعتبرته الهيئة مؤشرا على محدودية الممارسة الفعلية لوظائف القيادة الاستراتيجية والتوجيه والتنسيق بين مختلف المتدخلين.

اجتماعان فقط وغياب القيادة المؤسساتية

اعتبرت الهيئة الوطنية للنزاهة أن ضعف انتظام اجتماعات اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد لم يكن مجرد اختلال في تدبير المواعيد المؤسساتية، بل كشف عن قصور في أداء الآلية التي كان يفترض أن تتولى قيادة الاستراتيجية، وتتبع مدى التزام القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية بتنفيذ المشاريع المبرمجة، والتدخل لمعالجة التعثرات التي تعترضها.

وأوضح التقرير أن الاستراتيجية أمضت جزءا مهما من فترة تنفيذها دون توفر فضاءات مؤسساتية منتظمة لاتخاذ القرار ومواكبة الإنجاز وتصحيح المسار، الأمر الذي ساهم تدريجيا في عودة المقاربات القطاعية المنعزلة، وتراجع القدرة على معالجة الإكراهات بصورة جماعية ومنسقة.

ولفتت الهيئة إلى أن الضعف لم يقتصر على اللجنة الوطنية، بل امتد إلى الاجتماعات القطاعية وآليات التنسيق التقني المرتبطة بالبرامج المختلفة، التي لم تتمكن بدورها من خلق الدينامية الضرورية لتجاوز الإشكالات وضمان التقائية تدخلات المؤسسات المعنية.

وربط التقييم بين تعثر عدد من المشاريع وغياب قيادة استراتيجية مستمرة قادرة على الحفاظ على التعبئة والالتزام طوال فترة التنفيذ، معتبرا أن الصعوبات المسجلة لا يمكن تفسيرها بطبيعة المشاريع أو درجة تعقيدها وحدهما، وإنما ترتبط أيضا بمحدودية فعالية منظومة القيادة والتنسيق.

46 في المائة من المشاريع لم تكتمل

وكشفت نتائج التقييم النهائي عن تفاوت لافت بين نسب الإنجاز المعلنة والواقع الفعلي لتنفيذ المشاريع، بعدما بلغ متوسط نسب الإنجاز الذي استُخدم رسميا للتواصل حول حصيلة الاستراتيجية نحو 76 في المائة عند نهاية سنة 2025.

غير أن الهيئة اعتبرت أن هذا المؤشر لا يقدم صورة دقيقة عن مستوى التنفيذ الحقيقي، لكونه يحتسب ضمن الإنجاز مشاريع لا تزال قيد التنفيذ أو تعرف درجات متفاوتة من التعثر، بما قد يعطي صورة أكثر إيجابية من الواقع الفعلي للاستراتيجية.

وأظهرت المعطيات التفصيلية أن نسبة المشاريع المنجزة بالكامل لم تتجاوز 54 في المائة من مجموع المشاريع المبرمجة، بينما ظلت 32 في المائة في طور الإنجاز، ولم يتم إطلاق 14 في المائة منها أصلا، رغم انتهاء الفترة الزمنية المحددة للاستراتيجية الوطنية.

ولم تتجاوز نسبة المشاريع المنجزة داخل الآجال المحددة لها سلفا 38 في المائة، ما يعني أن نحو 62 في المائة من المشاريع لم تُستكمل ضمن مواعيدها المقررة، في مؤشر على حجم التأخر والتعثر الذي رافق تنزيل البرامج على امتداد عشر سنوات.

ونبهت الهيئة إلى أن عددا من المشاريع، خصوصا ذات الطابع التشريعي، اقتربت نسب إنجازها المعلنة من 100 في المائة، رغم أن ما تحقق بشأنها لم يتجاوز أحيانا مراحل الدراسة والتشاور والصياغة، دون المصادقة النهائية عليها ونشرها بالجريدة الرسمية وإصدار النصوص التنظيمية الضرورية لدخولها حيز التنفيذ.

واعتبرت أن مثل هذه الحالات تكشف محدودية الاعتماد على مؤشرات التقدم الشكلي، ما دام أثر الإصلاحات لا يتحقق بمجرد إعداد النصوص أو استكمال المشاورات، وإنما بدخول المقتضيات القانونية حيز التطبيق وإحداثها تغييرا ملموسا في الممارسات.

إصلاحات جوهرية تتعثر ومشاريع تقنية تتقدم

وأبرز التقرير مفارقة أخرى في حصيلة الاستراتيجية الوطنية، تتمثل في تسجيل تقدم نسبي في المشاريع الإجرائية والتقنية، مقابل تعثر عدد من الإصلاحات التشريعية والتنظيمية التي كان يفترض أن تشكل الأساس القانوني والمؤسساتي لتعزيز مكافحة الفساد.

فبحسب تقييم الهيئة، لم تتجاوز نسبة الإنجاز الكامل للمشاريع التشريعية والتنظيمية 44 في المائة، مقابل 57 في المائة للمشاريع الإجرائية والتقنية، وهو تفاوت اعتبرته ذا دلالة استراتيجية بالنظر إلى طبيعة الإصلاحات التي تأخر استكمالها.

وشملت المشاريع المهيكلة التي عرفت درجات متفاوتة من التأخر أو التعثر، على الخصوص، القوانين المتعلقة بتجريم الإثراء غير المشروع، وتطوير نظام التصريح الإجباري بالممتلكات، والوقاية من تضارب المصالح، وتعزيز آليات التبليغ والكشف والتحري عن أفعال الفساد ومتابعة مرتكبيها.

وأكدت الهيئة أن الأمر لا يتعلق بمشاريع محدودة الأهمية، بل بإصلاحات تستهدف بناء منظومة الوقاية والكشف والمساءلة نفسها، معتبرة أن تعثرها ساهم في الحد من قدرة الاستراتيجية على معالجة الأسباب البنيوية المنتجة لمخاطر الفساد.

وفي المقابل، أقر التقرير بتحقيق تقدم في عدد من الأوراش المرتبطة برقمنة الخدمات العمومية، وتبسيط المساطر الإدارية، وتحسين الاستقبال والولوج إلى المعلومات، وإحداث آليات لتلقي الشكايات ومعالجتها، غير أن جزءا من هذه المبادرات ظل محدود الأثر بسبب عدم تعميمه أو اقتصاره على تجارب نموذجية داخل قطاعات ومؤسسات معينة.

ولفت التقييم إلى إمكانية تفسير هذه المفارقة بانصراف جهود بعض المتدخلين نحو المشاريع الأقل تعقيدا والأسهل إنجازا، مقابل تأجيل الإصلاحات المهيكلة الأكثر تعقيدا وكلفة من الناحيتين السياسية والمؤسساتية.

انتقادات لقانون المسطرة الجنائية

وفي تقييمها لمسار الإصلاح التشريعي، وجهت الهيئة الوطنية للنزاهة انتقادات صريحة إلى عدد من التعديلات التي أُدخلت على قانون المسطرة الجنائية، معتبرة أنها لم تتجه نحو تعزيز قدرة المنظومة القانونية على المكافحة الفعالة للفساد كما كان مأمولا.

وذهبت الهيئة إلى أن المادتين الثالثة والسابعة من القانون تراجعتا عن مكتسبات قائمة منذ سنة 2003، من خلال التضييق على دور المجتمع المدني في الإبلاغ، وعلى دور النيابة العامة في المتابعة عندما يتعلق الأمر بالجرائم الماسة بالمال العام.

واعتبر التقرير أن هذه التعديلات تتعارض مع الأهداف التي كانت الاستراتيجية تسعى إلى تحقيقها في مجال توسيع إمكانيات الكشف عن الجرائم المرتبطة بالمال العام وتحريك المتابعات بشأنها، مشيرا إلى وجود فجوة بين الرؤية الأصلية للاستراتيجية وبعض الاختيارات التشريعية التي برزت خلال تنفيذها.

القطاع الخاص في ذيل الإنجاز

وعلى مستوى التفاوت بين البرامج، كشف التقرير أن نسبة الإنجاز الكامل لمشاريع برنامج “نزاهة القطاع الخاص” لم تتجاوز 29 في المائة، مقابل نحو 80 في المائة بالنسبة لبرنامج “التربية والتكوين”.

واعتبرت الهيئة أن هذا التفاوت يعكس اختلاف مستويات التعبئة والالتزام والقدرة التنفيذية بين الفاعلين والمتدخلين، فضلا عن محدودية قدرة آليات الحكامة والتنسيق على ضمان مستوى متقارب من التنفيذ بين مختلف البرامج.

وسجل التقييم أن عددا من المشاريع صيغ بمنطق قطاعي مجزأ، رغم تشابه الأهداف والإشكالات التي تعالجها، ما أدى إلى تحول بعض المبادرات إلى تدخلات متوازية يصعب تجميع نتائجها ضمن مسار إصلاحي متكامل.

كما أشار إلى أن جزءا من المشاريع المبرمجة لم يكن يرتبط بشكل مباشر بمخاطر الفساد أو بالأهداف المركزية للاستراتيجية، بل شكل امتدادا لبرامج العمل الاعتيادية لبعض القطاعات، وهو ما ساهم في تشتيت الجهود والموارد وإضعاف التركيز على الإصلاحات ذات الأثر الأكبر.

عشر سنوات دون بلوغ الأهداف المعلنة

ولم تقتصر حصيلة التعثر على تنفيذ المشاريع، إذ أظهرت نتائج التقييم أن الاستراتيجية الوطنية لم تنجح في تحقيق عدد من الأهداف المرجعية التي حددتها عند إطلاقها، وفي مقدمتها تحسين موقع المغرب في مؤشر مدركات الفساد.

فقد كان الهدف الاستراتيجي يتمثل في تحقيق قفزة نوعية قدرها 23 نقطة في هذا المؤشر، غير أن النتائج أظهرت انتقال المغرب من 37 نقطة سنة 2016 إلى 43 نقطة سنة 2018، قبل دخوله مسارا تراجعيا أعاده إلى 37 نقطة سنة 2024، ثم تسجيل تحسن محدود إلى 39 نقطة سنة 2025.

واعتبرت الهيئة أن هذا المسار يعكس عدم قدرة الإصلاحات المنجزة على إحداث التحول المنشود في إدراك فعالية مكافحة الفساد، رغم ما تحقق من مكتسبات تشريعية ومؤسساتية وإدارية.

كما أورد التقرير عدم تحقق الأهداف المرتبطة بمؤشري التنافسية والعدالة، مشيرا إلى أن المغرب سجل تراجعا بخمس مراتب في آخر تحديث لمؤشر التنافسية العالمي المعتمد في التقييم، والذي يعود إلى سنة 2020، رغم أن الاستراتيجية كانت تستهدف التقدم بـ25 مرتبة بحلول سنة 2025.

وفي مؤشر العدالة العالمي، سجل التقييم تراجع المغرب بـ32 مرتبة بين 2016 و2023، ليحتل المركز 92 من أصل 142 بلدا، بدلا من تحقيق تقدم بنحو 25 مركزا كما كان مسطرا.

ضعف التتبع والتمويل والتواصل

وعزت الهيئة جانبا من محدودية النتائج إلى ضعف منظومة تتبع الاستراتيجية وإدارة أدائها، مشيرة إلى أن الكتابة الدائمة المكلفة بالتتبع واجهت إكراهات مرتبطة بمحدودية الموارد البشرية، إلى جانب تفاوت تجاوب القطاعات والمؤسسات المعنية بتنفيذ المشاريع.

واعتبر التقرير أن الإشكال الأساسي لم يكن مقتصرا على جمع المعلومات، بل شمل غياب منظومة متكاملة لإدارة الأداء توفر مؤشرات دقيقة وآنية حول التقدم المحرز، وتتيح الكشف المبكر عن المخاطر والتأخيرات المحتملة واتخاذ الإجراءات التصحيحية المناسبة.

كما سجل غياب رؤية مالية متكاملة تحدد الموارد الضرورية ومصادر تعبئتها على امتداد فترة التنفيذ، ما دفع بعض القطاعات إلى الاكتفاء بمشاريع محدودة النطاق أو تجارب نموذجية لم تتوفر لها الإمكانات الكافية للتعميم والاستدامة.

وامتدت الاختلالات، وفق التقرير، إلى الجانب التواصلي، إذ لم تتوفر الاستراتيجية على خطة متكاملة للتعريف المنتظم بأهدافها ومراحل تنفيذها ونتائجها، الأمر الذي ساهم في استمرار الفجوة بين الإصلاحات التي تعتبر المؤسسات أنها أنجزتها وبين التحسن الذي يلمسه المواطنون والفاعلون الاقتصاديون في الواقع.

وخلصت الهيئة الوطنية للنزاهة إلى أن محدودية أثر الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد لا ترتبط فقط بصعوبات التنفيذ أو تأخر المشاريع، وإنما تعود أيضا إلى اختلالات في تصميمها وحكامتها ومنظومة قيادتها وتدبيرها، معتبرة أن تجاوز هذه الإكراهات يتطلب الانتقال من التركيز على عدد المشاريع والنصوص والإجراءات إلى قياس النتائج الفعلية وأثرها على النزاهة والثقة في المؤسسات والحد من مخاطر الفساد.