قال رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، علي الغنبوري، إن النقاش حول أزمة التشغيل يستوجب استحضار التحول السلبي الذي طرأ على قدرة الاقتصاد الوطني على تحويل الدينامية الاقتصادية إلى مناصب شغل فعلية. وأوضح أن الاقتصاد المغربي كان ينجح خلال بداية الألفية الثالثة في خلق 40 ألف منصب شغل مقابل كل نقطة نمو واحدة، مبرزا أن هذه المردودية تراجعت اليوم بشكل مقلق لتصبح نقطة النمو الواحدة توفر أقل من 17 ألف منصب شغل فقط.
وأضاف الخبير الاقتصادي خلال استضافته في برنامج “نبض العمق” أن هذا التراجع الدراماتيكي يفسر بوضوح العجز البنيوي لمسار النمو الحالي عن امتصاص الوافدين الجدد على سوق الشغل، معتبرا أن التركيبة الحالية للاقتصاد استنفدت إمكانياتها، وباتت تستدعي تدخلا مستعجلا لتغييرها عبر التركيز على القطاعات الاستراتيجية القادرة على إنتاج القيمة المضافة وخلق فرص العمل المستدامة.
وأشار المحلل ذاته إلى أن المدخل الأساسي لمعالجة معضلة التشغيل يتمثل في النهوض بالقطاع الصناعي، كاشفا أن مساهمة الصناعة في الناتج الداخلي الخام لا تتعدى حاليا سقف 15 في المائة. وأكد أن هذه النسبة تظل قاصرة عن الاستجابة لحجم الطلب الكبير، مشددا على أن الخروج الفعلي من أزمة البطالة يتطلب بالضرورة رفع مساهمة القطاع الصناعي لتتجاوز عتبة 20 في المائة، ومقرا في الوقت نفسه بوجود دينامية وتطور تدريجي في وتيرة التصنيع بالمملكة.
وتابع المتحدث مسلطا الضوء على اختلال عميق آخر يعرقل إدماج الشباب في الدورة الاقتصادية، ويتجلى في غياب الملاءمة بين العرض والطلب المهنيين، مسجلا وجود فجوة حقيقية بين متطلبات سوق الشغل من جهة، ومستوى ونوعية التكوينات التي تفرزها منظومة التربية والتعليم من جهة أخرى، مما ينتج كفاءات شابة تفتقد للمهارات الدقيقة التي تتطلبها المقاولات الحديثة.
وأوضح الغنبوري أن المورد البشري يظل الرأسمال الحقيقي والامتياز الأبرز الذي يمتلكه المغرب لغياب الموارد الطاقية كالغاز والبترول، مؤكدا أن تأهيل هذه الموارد البشرية لجعلها قادرة على المساهمة في الإنتاج يستلزم توفير درع من الحماية الاجتماعية لها يقيها من الهشاشة.
وخلص رئيس المركز إلى أن دمج هذا المورد البشري في المسلسل الإنتاجي وتأهيله ليكون رافعة للتنمية، يمر حتما عبر تسريع وتيرة الإصلاحات الكبرى المبرمجة في قطاعي التعليم والصحة، معتبرا أن توفير الخدمات الأساسية لهذه الفئات يمثل شرطا لا محيد عنه لتمكينها من ولوج سوق الشغل والمساهمة في بناء اقتصاد وطني قوي ومبني على التنوع.