إن نزاع الصحراء المغربيةيحتل مكانة بارزة ضمن القضايا الجيوسياسية الأكثر تعقيداً في شمال إفريقيا؛ فهو ليس مجرد خلاف دبلوماسي عابر بين دول الجوار، بل هو ملف حيوي تتقاطع فيه حسابات الذاكرة التاريخية، ومقتضيات الأمن القومي، وتطلعات التنمية الإقليمية. وفي ظل الانسداد المستمر في مسارات التسوية التقليدية، يبرز اليوم نقاش عميق ومصيري حول طبيعة الحلول الممكنة لطي صفحة هذا النزاع الذي استمر لعقود، خاصة مع دخول الملف مرحلة تحول جليّة تُعيد رسم قواعد اللعبة على كافة المستويات الميدانية والسياسية.
1. واقعية الحكم الذاتي وتهاوي الأطروحات التقليدية
منذ أن تقدم المغرب بمبادرة منح الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية سنة 2007، تحول النقاش الدبلوماسي تدريجياً من منطق الرفض المتبادل إلى البحث عن صيغ عملية ومقبولة للطرفين. تنطلق المبادرة المغربية من فكرة التوفيق بين السيادة الوطنية والتدبير الجهوي الموسع، بحيث تتولى الساكنة المحلية إدارة شؤونها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عبر مؤسسات منتخبة، بينما تحتفظ الدولة المركزية بالصلاحيات السيادية المرتبطة بالدفاع، والعلاقات الخارجية، والنظام النقدي.
وقد حظي هذا المقترح بمصداقية متزايدة في قرارات مجلس الأمن الدولي، التي ما فتئت تصف المبادرة بالجدية والمصداقية، داعية الأطراف إلى الانخراط في مفاوضات بروح من الواقعية والتوافق، متجاوزة القوالب الجامدة التي أثبتت التجربة الميدانية عجزها عن إنتاج مخرج قابل للاستمرار.
2. التحولات الدبلوماسية واعترافات الأمر الواقع
شهدت السنوات الأخيرة تحولات ملحوظة في الخريطة الدبلوماسية المرتبطة بالملف. فقد انتقلت عواصم وازنة إقليمياً ودولياً من مواقف الحياد التقليدي إلى دعم صريح لمبادرة الحكم الذاتي بوصفها الأساس الأكثر قابلية للتطبيق. وانعكس هذا التحول عملياً في تزايد الاعترافات الدولية بالسيادة المغربية، وافتتاح العديد من الدول العربية والأفريقية والأمريكية اللاتينية لقنصليات عامة في مدينتي العيون والداخلة.
في المقابل، تصر الأطراف الأخرى، المدعومة بموقف جزائري ثابت، على التمسك بخيارات الماضي واستفتاءات التقرير التقليدية، وهو ما فسر حالة الجمود السياسي التي طبعت جولات المبعوثين الأمميين المتعاقبين، وأكد عجز الآليات القديمة عن مواكبة التحولات الميدانية والديموغرافية المتسارعة.
3. سياقات المرحلة الجديدة وآفاق “الحسم الواقعي”
تطرح التساؤلات المشروعة حول سيناريوهات التحول في الدور الأممي ومستقبل وجود بعثة “المينورسو” آفاقاً جديدة وتحديات جليلة أمام مستقبل النزاع؛ حيث إن أي إعادة هيكلة أو تراجع لأدوار البعثة الميدانية يعلن عملياً نهاية حقبة “الاستفتاء التقليدي” والانتقال إلى مرحلة “الحسم الواقعي”:
ميدانياً وأمنياً: إن التغير في تموضع الآليات الأممية يدفع نحو إلغاء مفهوم “المنطقة العازلة”، ويمهد لتأمين كامل للحدود الدولية، مع تمكين القوات المسلحة الملكية من بسط الاستقرار الميداني الشامل باستخدام أدوات الردع والتأمين الحديث لدرء أي فراغ أمني قد تستغله تنظيمات غير حكومية أو شبكات الجريمة العابرة للحدود.
سياسياً ودبلوماسياً: رغم التغير المرتقب في صيغ التواجد الميداني، يبقى المسار السياسي موصولاً عبر الوساطات الدولية (كجهود المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة)، ولكن ضمن معادلة جديدة تضع مبادرة الحكم الذاتي كخيار وحيد يمتلك المصداقية والواقعية على طاولة البحث والإنفاذ.
4. التنمية الميدانية والرهانات الإقليمية المستقبلية
بصرف النظر عن السجالات الدبلوماسية، شهدت الأقاليم الجنوبية طفرة تنموية واضحة تجسدت في النموذج التنموي الجديد ومشاريع البنية التحتية الكبرى، مثل الطرق السيارة، والمستشفيات، والجامعات، وورش ميناء الداخلة الأطلسي، إضافة إلى المبادرات الاستراتيجية لربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي. هذه المشاريع تهدف إلى تحويل المنطقة إلى قطب اقتصادي ولوجستي يربط العمق الإفريقي بشبكة التجارة الدولية.
ورغم أن هذه الديناميكية تسعى لتعزيز الاندماج السوسيولوجي والاقتصادي، إلا أن التحدي يظل قائماً في إنهاء هوة الانقسام البشري، لا سيما بالنسبة للصحراويين المقيمين في مخيمات تندوف، والذين تبقى ظروفهم الإنسانية عرضة للتجاذبات السياسية وحالة الاستقطاب الإقليمي.
إن الاستمرار في منطق “اللاحرب واللاسلم” لم يعد خياراً مستداماً لأي من أطراف النزاع؛ فالكلفة الاقتصادية والأمنية للاستقطاب الإقليمي باهظة، وتُعطل بشكل مباشر إمكانات تكامل اتحاد المغرب العربي الذي تنتظره أجيال المنطقة.
إن أي مخرج حقيقي ومستدام لأزمة الصحراء لا يمكن أن يُبنى على التكلس السياسي، بل يتطلب تسوية شجاعة تحتضن الواقعية، وتضمن الحقوق والكرامة والاندماج لكافة أبناء المنطقة. إن الأمن والاستقرار في المغرب الكبير لن يتحققا إلا بتجاوز الخلافات التاريخية، والانتقال من افتعال الأزمات إلى بناء فضاء مغاربي مشترَك وقادر على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المتزايدة في فضاء الساحل والصحراء.
* باحث في القانون العام والتحليل السياسي