يبلغ المسنون في المغرب، حسب الإحصاء العام للسكان، نسبة 14% من إجمالي سكان المملكة. وتشير التوقعات إلى أن هذه النسبة قد تصل إلى ربع السكان في أفق سنة 2050. فتفيد هذه المعطيات بأن بلادنا تتجه نحو مجتمع الشيخوخة بشكل متسارع، وهو ما يفرض علينا جميعاً معالجة قضايا المسنين منذ الآن، كقضية مجتمعية مركزية.
إن واقع المسنين يفرض تحديات هيكلية في بلادنا متعلقة بالجانب الصحي والاجتماعي والاقتصادي. إذ يبرز التحدي الصحي في مدى قدرة منظومتنا الصحية على استيعاب المتاعب الصحية للمسنين وتوفير الرعاية الطبية، سواء أكان ذلك فسيولوجياً أم نفسياً، بما يستجيب لمستوى الهشاشة التي قد تلحق بهم. أما التحدي الاجتماعي فهو الأشد، حيث يُسائل قدرة مؤسساتنا على إدماج المسنين في الحياة الاجتماعية وفك العزلة عنهم، وهو ما يفرض توفير عروض كافية يجدون فيها ما يتطلعون إليه، وكذلك الإمكانيات اللازمة مادياً ولوجستياً لتحقيق استقلاليتهم وتحسين إمكانية ولوجهم لمختلف الفضاءات. فيما يطرح التحدي الاقتصادي سؤال محدودية الإنتاجية لنسبة مهمة من المجتمع مقابل ارتفاع تكاليف الرعاية.
عندما ننظر إلى هذه التحديات، يتولد الاعتقاد بأن المسنين يشكلون عالة على البلاد. لكن لو تعمقنا في أصل الأمور، سنجد أن المقاربات المعتمدة معهم هي التي تلزمهم بأن يكونوا كذلك. وأقدم هنا بعض النماذج لتتضح الرؤية. فمثلاً عندما نركز الخطاب السياسي على الشباب وندعو إلى تجديد النخب بمنطق التشبيب وليس بمنطق تجديد الأفكار، فإننا ندعو بشكل مباشر كل المسنين إلى التنحي وعدم المساهمة في أي نشاط. وعندما لا نؤسس فضاءً عاماً مشتركاً يحترم خصوصيات جميع المواطنين، فإننا ندفع نحو تشكيل تكتلات فئوية، فنجد مناطق محددة تصبح عرفياً مخصصة للمسنين، فيتجمد التلاقح بين الأجيال ويتركز تفكير المسنين على قضايا مشتركة غالباً ما تؤول إلى استعادة الذكريات ورفض الحاضر. وعندما يصل المسن إلى سن معينة فنُجبره على التقاعد وترك العمل، فإننا لا نحترم قدراته على العطاء ولا نقدر خبرته وتجربته، بل نحوله قسراً إلى مستهلك غير منتج. لهذا فإن معظم التحديات المطروحة في مجتمع الشيخوخة هي من صناعة منظومتنا المجتمعية التي لا نناقشها ولا نوليها أي اهتمام، فلا يحق لنا بعد ذلك أن نلوم ضحاياها.
من خلال هذا الواقع، تبرز تجارب دول متقدمة سبقتنا في مواجهة تفاقم الشيخوخة. حيث تتجه سياسات التقاعد العالمية الحديثة نحو حرية الاختيار المقنن بعيداً عن التقاعد القسري. وهي أنظمة تتيح للمسن، ابتداءً من سن معينة، أن يختار إما الخروج للتقاعد أو الاستمرار في العمل مع إمكانية تقليص ساعات عمله، فيما تُحدد الحالات التي يكون فيها التقاعد إجبارياً، مثل المرض أو عدم القدرة على أداء المهام الموكلة إليه. فمثلاً في كندا وبعض الولايات الأمريكية يتم تحفيز الموظفين مادياً كلما أخروا تقاعدهم إلى حدود 70 سنة. بينما تضع النمسا وألمانيا نظاماً يسمح للمسن أن يستمر في عمله مع تخفيض عدد ساعات العمل. أما دول النرويج والسويد وفنلندا فلا تلزم أحداً بالتقاعد وتترك للموظف أن يختار وقت تقاعده كما يشاء مع إتاحة إمكانية تقليص ساعات العمل كذلك. فيما اتجهت اليابان نحو إلزام الشركات باستمرار توظيف المسنين الراغبين في ذلك، إما بنفس الوظيفة وإما بعقود جديدة بساعات مخفضة. وفي كل هذه النماذج يتم صرف جزء من التقاعد لتغطية جزء من أجور الساعات التي تم تقليصها.
تسمح أنظمة التقاعد المرنة المذكورة للمسنين بالاستمرار في إنتاجيتهم، وحصولهم على الاهتمام والتقدير اللازمين، كما تحفظ انخراطهم المستمر في الحياة الاجتماعية دون أن يكونوا عالة على أحد، وتساهم في ضمان استمرارية صندوق التقاعد رغم ارتفاع نسب المسنين. لكنها طرحت أيضاً إشكال تزاحم الأجيال، إذ احتج البعض بأن استمرار عمل المسنين يحد من فرص العمل للشباب. لهذا لجأت بعض الدول المعتمدة على هذه الأنظمة إلى نموذج تقاسم العمل، حيث يتم توظيف الشباب لتغطية ساعات العمل المقلصة للمسن، ويستفيد في نفس الوقت من تجربة ذلك المسن وخبرته الطويلة، وغالباً ما توفر هذه الحالات فرص العمل الأولى للشباب الخريجين. فيما تتجه بعض الوظائف نحو تخصيص المسنين لمهام المراقبة والاستشارة وإتاحة فرص العمل اليدوي والتقني للشباب.
بيد أن فكرة العمل بعد التقاعد لا يمكن اعتبارها كافية. فليس لكل المسنين معاشات، أو لم تكن لديهم وظائف يحصلون فيها على التقاعد. لذلك فإن مراكز الرعاية تبقى ضرورية في كل الأحوال. ولتفادي أن تتحول هذه المراكز إلى تكتلات تكرس عزلة المسنين وتعرقل اندماجهم في المجتمع، تبرز فكرة المراكز متعددة الأجيال كفكرة برهنت على نجاعتها على عدة مستويات.
فالمراكز متعددة الأجيال هي مراكز رعاية تضم المسنين إلى جانب الأطفال لتوفر لهم الرعاية المناسبة، وتمنح أيضاً فضاءات ملائمة للشباب والكهول لممارسة أنشطتهم داخل هذه المراكز بجانب المسنين والأطفال. يشعر المسنون داخل هذه المراكز بأهميتهم والتقدير اللازم لخبرتهم من خلال مساهمتهم في تنشئة الأطفال الذين معهم أولاً، ثم من خلال لقاءاتهم مع مختلف أطياف المجتمع الذين يلجون المركز كل يوم لممارسة أنشطتهم. وتساهم هذه اللقاءات في تجديد أفكارهم واقتراح أنشطة جديدة قد تكون إنتاجية ومفيدة للمجتمع. كما أن وجودهم المستمر في المراكز يسهل عملية المتابعة الطبية ومراقبة حاجياتهم سواء داخل المركز أو مشاكل الولوجيات خارج المركز، مما يؤسس فهما أفضل للمتطلبات التي ينبغي استحضارها في سياسات المدينة.
ختاماً، ينبغي التعجيل بتغيير مقاربتنا في التعامل مع المسنين، بحيث ننظر إليهم كخزان للتجربة والخبرة، ما يفرض علينا فتح الآفاق للتعبير عما يختزنونه بدل نهج أسلوب الاستبعاد والإقصاء. وحيث إن هذا التغيير يلامس العقليات أيضاً، فإن تنزيله يحتاج وقتاً للتكيف، وهذا سبب إضافي للتعجيل به لعلنا نبلغ سنة 2050 بعقليات جديدة. وكنموذج أختم به، أذكر بتجربة البروفيسور الأمريكي جون غوديناف الذي أجبر على التقاعد في سن 65 عاماً، فقرر الالتحاق بجامعة تكساس التي لا تفرض سناً للتقاعد لمواصلة العمل، فاستطاع بتلك الأعمال أن ينال جائزة نوبل وهو في سن 97 سنة.