تتخبط الجامعات المغربية اليوم في أزمة بنيوية خانقة، حيث تتخرج آلاف الطاقات الشابة الحاملة لإجازات في مختلف التخصصات، لترتطم فور خروجها بكتلة صلبة من البطالة الهيكلية التي تغلق أفق الإدماج. وفي ظل شح البدائل، تحولت “مباريات التعليم” إلى الملاذ الأخير والوجهة شبه الوحيدة أمام هؤلاء الشباب بحثا عن الاستقرار المهني والاجتماعي. غير أن هذا الأمل المنشود اصطدم بدوره بآليات إدارية وتقنوقراطية صارمة تتمثل في “عتبات الانتقاء الأولي”، التي تظهر دراسة مؤشراتها وجداولها (بدءا من جدول التنقيط التفاضلي ووصولا إلى محاضر المصادقة على العتبات) (دورة نونبر 2025) أنها تحولت إلى مقصلة رقمية تجهض أحلام المجازين قبل أن تتاح لهم حتى فرصة إثبات كفاءتهم في قاعات الامتحان.
من منظور سوسيولوجي، لا يمكن التعامل مع هذه المعايير باعتبارها مجرد إجراءات تقنية محايدة لتدبير الوفرة العددية، بل هي هندسة إدارية باردة تعيد إنتاج التفاوتات وتكرس أشكالا متعددة من الإقصاء المنهجي. ويمكن تفكيك هذا العبث المؤسساتي عبر ثلاثة مداخل أساسية:
1. عقوبة الزمن: عندما يتحول السن إلى تهمة
يكشف جدول التنقيط الأولي المعتمد (دورة نونبر 2025) عن إقصاء ممنهج للمتقدمين بناء على عامل السن، إذ يتم منح 25 نقطة للمترشح البالغ من العمر 22 سنة أو أقل، وتتراجع هذه النقطة تصاعديا لتصل إلى “صفر نقطة” لمن تجاوز سن 24 سنة. يحمل هذا المعيار في عمقه السوسيولوجي مفارقة عجيبة؛ فهو يعاقب الشباب على “الزمن المعيش” وسنوات البطالة القسرية أو التعثرات الموضوعية التي فرضتها ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية. وبدل أن تكون الدولة سندا للشباب الذين استنزفتهم سنوات الانتظار، تتحول المنظومة عبر هذا الشرط إلى معاقب لمن تأخر مساره، وكأن النضج السوسيومهني جريمة تستوجب الحرمان من حق الولوج إلى الوظيفة العمومية.
2. الوهم التراتبي للميزات: تجاهل الشروط البنيوية للجامعة
تقوم فلسفة الانتقاء على منح أفضليات حسابية كبرى للميزات المحصل عليها في البكالوريا والإجازة (حسن جدا، حسن، لابأس به، إلى حدود مقبول أو بدون ميزة). غير أن هذا المنطق يتجاهل تماما الهوة الطبقية والمجالية الكبيرة بين المؤسسات الجامعية، سيما الكليات ذات الاستقطاب المفتوح التي تعاني من الاكتظاظ وضعف الإمكانيات. إن الحصول على نقطة “مقبول” أو “لا بأس به” في تخصص صلب داخل بيئة جامعية طاردة قد يعادل أضعاف مضاعفة من حيث الجهد والتحصيل مقارنة بميزات أعلى في مسارات أخرى. إن الاعتماد الأعمى على هذه المعدلات الصماء يعيد إنتاج الفوارق الطبقية، جاعلا من الشهادة الجامعية صكا مقسما حسب منطق الامتياز المجالي والمؤسساتي.
3. عبث العتبات واهتزاز المعيارية في محاضر الانتقاء
عند تأمل محاضر المصادقة على نتائج الانتقاء الأولي، يبرز التناقض الصارخ بشكل ساطع ينسف أي ادعاء بموضوعية المعايير؛ فتخصصات معينة تسجل عتبات إقصائية مرتفعة للغاية ومجحفة (كتخصص علوم الاقتصاد والتدبير أو التكنولوجيا)، بينما تنخفض العتبات في تخصصات أخرى لتلامس “الصفر” بحكم الخصاص أو وفرة المناصب. هذا التذبذب الصاروخي يثبت بالملموس أن الانتقاء الأولي لا علاقة له بالكفاءة البيداغوجية أو الاستحقاق التربوي لأستاذ المستقبل، بل هو مجرد آلية كمية لتصريف الأزمات البنيوية للمنظومة على حساب كرامة ومستقبل الشباب.
خاتمة:
إن الاستمرار في اعتماد هذه الصيغ الإقصائية في الانتقاء الأولي يفرغ مبدأ “تكافؤ الفرص” من محتواه الدستوري والحقوقي، ويحول مباريات التعليم من محطة للاستحقاق والكفاءة إلى عملية فرز رقمية تعمق شعور الشباب بالغبن والإحباط. ولأن بناء المدرسة العمومية وجودة التعليم يبدآن أصلا من احترام كرامة المدرس وإنصاف الكفاءات الحقيقية بغض النظر عن سنها أو ظروف تخرجها، فإن إعادة النظر في هذه المعايير أصبحت ضرورة ملحة لا تقبل التأجيل.