من أكثر ما يروّجه بعض أصحاب التنمية البشرية، في حديثهم عن العلاقات الزوجية، أن المرأة انعكاس لتعامل زوجها معها؛ فإن أحسن إليها أزهرت، وإن أساء إليها ذبلت، وكأنها مرآة لا صورة لها إلا ما يرسمه الرجل على سطحها. ويذهب بعضهم إلى مقولة أخرى لا تقل تبسيطًا: «أعطِ المرأة حبًّا تعطيك حبًّا، وأحسن إليها تحسن إليك، وامنحها الأمان تمنحك الوفاء».
ولعل في هذه الأقوال شيئًا من الحكمة حين تُطرح باعتبارها نصائح عامة لتحسين العلاقة الزوجية، لكنها تتحول إلى وهم خطير حين تُقدَّم باعتبارها قوانين مطلقة تحكم النفوس والقلوب. فالإنسان، امرأة كان أو رجلًا، ليس مجرد صدى لمن يعامله، ولا نسخةً كربونية من إحسان الآخرين أو إساءتهم.
أولًا: لو كانت المرأة انعكاسًا لزوجها، فكيف نفسّر امرأة نوح وامرأة لوط؟
لقد جاء القرآن الكريم بما يهدم هذا التصور من جذوره، حين قال الله تعالى:
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ
تأمّلوا هذا المثل الإلهي العميق: امرأتان عاشتا في بيتَي نبيَّين من أعظم أنبياء الله، تحت سقف النبوة، وفي رحاب الدعوة، وبالقرب من رجلين اصطفاهما الله لحمل رسالته. ومع ذلك، لم يكن صلاح الزوج كافيًا ليمنح زوجته صلاحًا، ولم تكن طهارة البيت النبوي قادرة على أن تفرض الطهارة على قلبٍ اختار طريقًا آخر.
وقوله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
فكونها في بيت أكبر طاغية لم يوثر على إيمانها لتكون نسخة نفسها لا زوجها
إنها حقيقة ينبغي أن نتوقف عندها طويلًا: قد يكون الرجل نبيًّا، وتكون زوجته بعيدة عن طريقه؛ وقد تكون المرأة في أرفع البيوت منزلة، لكنها لا ترتقي إلا بصدق إيمانها واختيارها.
فكيف بعد ذلك نختزل المرأة في كونها انعكاسًا لسلوك زوجها؟ وكيف نزعم أن الرجل وحده هو المسؤول عن تشكيل روحها وأخلاقها ومواقفها؟
إن الزواج ليس عملية صهرٍ تُذاب فيها شخصية أحد الزوجين في شخصية الآخر، بل هو لقاء روحين مستقلتين، لكل منهما امتحانه، ولكل منهما مسؤوليته أمام الله.
ثانيًا: ليست كل امرأة تُحسن إليها تُحسن إليك
ومن العبارات التي تتردد على ألسنة بعض الوعّاظ والمدربين: «إذا أعطيت المرأة أعطتك، وإذا أحببتها أحبتك، وإذا أكرمتها أكرمتك».
لكن الواقع، كما أخبرتنا التجربة الإنسانية وكما علّمنا الوحي، أكثر تعقيدًا من هذه المعادلات العاطفية.
لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«لو أحسنتَ إلى إحداهنَّ الدهرَ، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيتُ منك خيرًا قطُّ».
رواه البخاري ومسلم
إن هذا الحديث لا يذم المرأة باعتبارها جنسًا، ولا يبيح للرجل أن يسيء إليها أو يحتقرها، وإنما يكشف عن خصلة بشرية مذمومة حين يستولي الجحود على القلب، فيمحو موقفٌ عابر تاريخًا طويلًا من الإحسان.
وهنا تتجلى الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون: الإحسان لا يضمن الامتنان، والحب لا يضمن الوفاء، والعطاء لا يشتري القلوب.
قد تمنح إنسانًا من عمرك، ومن صحتك، ومن راحتك، ومن أجمل سنوات حياتك، ثم لا تجد في قلبه موضعًا للاعتراف بفضلك. وقد تمدّ إليه يدك كلما سقط، فإذا بك حين تتعب لا تجد يدًا تسندك.
ليس لأنك لم تعطِ بما يكفي، بل لأن بعض القلوب لا تعرف كيف ترى النعمة إلا حين تفقدها، وبعض النفوس اعتادت الأخذ حتى أصبح العطاء في نظرها حقًّا مكتسبًا لا فضلًا يستوجب الشكر.
ثالثًا: لا تجعلوا المرأة ضحيةً دائمة، ولا الرجل متهمًا دائمًا
من الظلم أن نحمّل الرجل وحده مسؤولية فشل العلاقة الزوجية، كما أنه من الظلم أن نجعل المرأة مسؤولة وحدها عن كل ما ينكسر في البيت.
فالمرأة ليست ملاكًا لا يخطئ، والرجل ليس شيطانًا لا يُحسن. كلاهما قد يجرح، وكلاهما قد يداوي، وكلاهما قد يظلم، وكلاهما قد يتوب.
هناك رجال أرهقتهم الحياة، ومع ذلك ظلوا أوفياء لزوجاتهم، وهناك نساء أُحطن بالحب والكرامة، ومع ذلك لم يعرفن للوفاء سبيلًا. وهناك أيضًا رجال قساة أطفؤوا في زوجاتهم آخر شمعة، ونساءٌ منحهنّ الله قلوبًا رحيمة استطعن أن يحوّلن بيوتًا موحشة إلى حدائق من السكينة.
إن الحقيقة ليست في جنس الإنسان، بل في معدن قلبه، وفي مقدار ما يسكنه من تقوى، وفي قدرته على مقاومة أنانيته حين تتعارض مع حقوق الآخرين.
قال الله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم
فالتغيير يبدأ من الداخل، لا من مجرد وجود زوجٍ صالح أو زوجةٍ صالحة.
رابعا: ان الحب الذي يتحدث عنه أهل المعرفة بالله ليس دفتر حسابات، ولا سوقًا تُوزن فيه المشاعر بميزان الأخذ والعطاء.
ليس الحب أن تقول: أعطيتك وردةً، فأعطني بستانًا؛ ولا أن تقول: سهرت من أجلك، فاسهر من أجلي؛ ولا أن تجعل إحسانك حبلًا تجرّ به الآخر إلى الامتنان القسري.
الحب الحقيقي أن تحسن لأن الإحسان من شيمتك، وأن تكرم لأن الكرامة من أخلاقك، وأن تصون العهد لأن الوفاء عبادة قبل أن يكون عاطفة.
لكن هذا لا يعني أن يتحول الإنسان إلى قربانٍ يُقدّم على مذبح الجحود، أو أن يقبل الإهانة باسم الحب، أو أن يستنزف روحه وصحته وكرامته في علاقة لا تعرف إلا الأخذ.
وما أجمل أن يكون الإنسان كريمًا دون أن يكون مستباحًا، محبًّا دون أن يكون أسيرًا، متسامحًا دون أن يكون فاقدًا لكرامته.
خامسًا: لا تحاكموا القلوب بمعادلات التنمية البشرية
إن العلاقات الإنسانية لا تُدار بالأرقام، ولا تُختصر في وصفات جاهزة، ولا تخضع لقوانين مضمونة النتائج.
قد تحسن إلى امرأة فتكون لك سكنًا ورحمة، وقد تحسن إلى أخرى فلا ترى في إحسانك إلا فرصةً لمزيد من المطالب. وقد تقسو امرأة على زوجها رغم إحسانه، وقد يصبر رجل على زوجته رغم جحودها، وقد تنقلب الأدوار في قصص لا يعلم تفاصيلها إلا الله.
فلا تقل للرجل الذي خُذل: «أنت السبب، لأنك لم تحسن التعامل معها بما يكفي»، ولا تقل للمرأة التي انكسرت: «أنت انعكاس لزوجك، فلا تلومي إلا نفسك».
إن هذه الأحكام الجاهزة قد تتعب قلبٍا ينزف.
علينا أن نؤمن بأن الإنسان مسؤول عن اختياراته، وأن التربية والبيئة والتجارب تؤثر فينا، لكنها لا تلغي إرادتنا ولا تسقط عنا مسؤولية أفعالنا.
ولعل أصدق ما يقال في هذا المقام: أحسن إلى زوجتك، لا لأنك تضمن أن تحسن إليك، بل لأن الله يحب المحسنين. وأكرم زوجك، لا لأنك تشتري بذلك وفاءه، بل لأن الوفاء من أخلاق المؤمنين.
وإذا وجدت جحودًا بعد إحسان، فلا تسمح للجحود أن يحوّلك إلى نسخةٍ من صاحبه. وإذا وجدت وفاءً، فاشكر الله عليه، فإن الوفاء رزقٌ لا يُشترى، والقلوب الطيبة من نفائس الدنيا.
يا أصحاب التنمية البشرية، ليست المرأة مرآةً للرجل على الدوام، وليست القلوب آلاتٍ تستجيب بمجرد الضغط على زر الإحسان.
في بيت النبي قد تنحرف امرأة، وفي بيت رجلٍ عادي قد تنبت امرأةٌ من الصلاح ما تعجز عنه الكلمات. وقد يُغدق رجلٌ الحب فلا يجد إلا الجحود، وقد تُحسن امرأةٌ إلى زوجها فتكون له من الدنيا رحمةً لا تُقدّر بثمن.
فلا تختزلوا الإنسان في معادلة، ولا تجعلوا الحب عقدًا تجاريًا، ولا تبيعوا للناس أوهامًا عن ضمانات الوفاء.
إنما القلوب بين أصابع الرحمن، والإنسان مسؤول عن قلبه وعمله، لا عن قلب غيره.
وكم من قلبٍ أعطى حتى أفناه العطاء، ثم لم يطلب من الدنيا سوى كلمة شكر؛ وكم من روحٍ أحبت بصدق، فكان نصيبها أن تتعلم أن بعض الدروس لا تأتي من الذين نحبهم، بل من الخذلان الذي يوقظنا إلى أنفسنا.
وفي نهاية المطاف، ليس السؤال: هل أحسنتَ إليها بما يكفي لتُحسن إليك؟
بل السؤال الأعمق: هل كنتَ صادقًا في إحسانك؟ وهل كانت هي صادقةً في عهدها؟ وهل حفظ كلٌّ منكما حق الآخر حين غابت المصلحة وحضر الامتحان؟
فهناك، عند مفترق الصدق والوفاء، تسقط كل معادلات التنمية البشرية، وتبقى حقيقة الإنسان كما هي: معدنٌ لا تصنعه يدُ الآخر وحدها، بل تكشفه المواقف، ويزكّيه الإيمان.