طرح أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض بمراكش، ادريس لكريني، ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل الصحراء المغربية في ظل التطورات الأخيرة التي شهدها الملف، خاصة بعد استخدام كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا حق النقض “الفيتو” الذي ترتب عنه تعثر تمديد ولاية بعثة المينورسو في الصحراء.
وأوضح لكريني في تصريح لجريدة “العمق” أن السيناريو الأول، الذي يقوم على انسحاب بعثة المينورسو، من شأنه أن يضع الأمم المتحدة أمام واقع جديد بالنظر إلى الأعباء التي تكبدتها في تدبير هذا الملف وأن يخفف عن المغرب عبئا سياسيا وماليا واداريا.
واقع جديد
ورجح لكريني السيناريو الأول الذي اعتبره الأكثر “موضوعية” مقابل احتمال ثان وصفه ب”القاتم” ويرتبط بإمكانية العودة إلى التصعيد العسكري، فيما يتمثل السيناريو الثالث في استمرار وضعية “اللاسلم واللاحرب”.
وأضاف المتحدث ذاته، أن الاحتمال الأول قد “يتيح للمغرب ممارسة سيادته على أقاليمه الجنوبية في ظروف أكثر أريحية”، خصوصا بعد الفكاك من المشاورات والتقارير التي تعدها الأمم المتحدة بشأن القضية. مشيرا إلى أن “المغرب سيواصل حماية أمنه مع احترام اتفاق وقف إطلاق النار والعمل على منع أي تهديد للسلم والأمن الدوليين عقب انسحاب البعثة”.
وفي السياق ذاته، استحضر رئيس منظمة العمل المغاربي الدينامية التي شهدها الملف خلال الفترة الأخيرة، سواء على مستوى تنامي الترحيب بمقترح الحكم الذاتي أو من خلال صدور القرار الأممي 2797 الذي أخرج عددا من الدول من دائرة “الظل” والمواقف غير الواضحة، ودفعها إلى دعم مقترح الحكم الذاتي بوصفه أساسا وحيدا للحل.
واعتبر المتخصص في إدارة الأزمات أن اقتناع عدد كبير من الدول بواقعية المقترح المغربي، إلى جانب الشراكات والتحالفات التي نسجها المغرب يوفران له سندا دوليا لتعزيز خياراته التي تحظى بالمشروعية والتي يجسدها القرار الأممي الأخير.
في المقابل أشار إلى العزلة التي باتت تعاني منها الجزائر، وتراجع قدرة جبهة البوليساريو على تمرير أطروحاتها الانفصالية، وتوجهاتها التي ظلت تدافع عنها داخل الهيئات الأممية. ولم يستبعد أن يتجه المغرب في هذا الإطار إلى سحب الملف من أجندات مجلس الأمن، وفق ما ورد في بلاغ الديوان الملكي يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026.
“السيناريو الأكثر قتامة”
في المقابل، طرح لكريني سيناريو ثانيا وصفه بـ”القاتم”. ويتمثل في “لجوء الخصوم إلى التصعيد أو العودة إلى تدبير الأزمة عبر المواجهة العسكرية” خصوصا في ظل القطيعة القائمة مع الجزائر، وما تفرضه من صعوبات أمام إجراء مشاورات أو مفاوضات أو لقاءات مباشرة من شأنها احتواء التوتر.
وأوضح أن هذا الاحتمال يرتبط، من وجهة نظره، بتجاوز الجزائر عمليا، وتعثر أطروحاتها الانفصالية وعدم انخراطها في تنزيل أو أجرأة المقتضيات الإدارية والقانونية والسياسية للقرار الأممي 2797.
وبالرغم من أن لكريني لا يعتبر هذا السيناريو واردا بقوة، إلا أنه قد حذر من تداعياته الخطيرة على مستوى العلاقات الثنائية بين المغرب والجزائر من ناحية وعلى السلم والأمن الدوليين والاستقرار الإقليمي من ناحية أخرى.
وأشار إلى أن القوى الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية لن تدخر جهدا لمنع تحول التوتر إلى مواجهة عسكرية، بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على المنطقة، وما قد يترتب عنها من تعميق للخلافات والصراعات والأزمات الإقليمية، فضلا عن تقويض أي إمكانية لإحياء مشروع الاتحاد المغاربي.
اللاسلم واللاحرب
أما السيناريو الثالث، فيقوم على “استمرار الوضع القائم بين حالة اللاسلم واللاحرب” وهو ما يعني بحسبه مواصلة المغرب فرض سيادته على أقاليمه الجنوبية، مقابل استمرار جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر، “في القيام ببعض المناوشات والتحركات على المستويين الدبلوماسي والسياسي، سواء داخل الاتحاد الإفريقي أو الأمم المتحدة، فضلا عن استمرار تحركاتها لدى بعض البلدان التي “لا تزال تتبنى أو تتعاطف مع الطرح الانفصالي”.
وخلص لكريني إلى أن السيناريو الأول القائم على احتمال انسحاب بعثة المينورسو يظل الأكثر حضورا وترجيحا، بالنظر إلى التحولات التي عرفها الملف خلال المرحلة الأخيرة، وما رافقها من تطورات على مستوى المواقف الدولية وموازين الدعم الدبلوماسي.