وهبي يتنازل لعبد النباوي عن صفة “الآمر بالصرف” في الرقمنة ويؤكد: أسرار المداولات تمنعني من تقارير القضاة
سياسة

وهبي يتنازل لعبد النباوي عن صفة “الآمر بالصرف” في الرقمنة ويؤكد: أسرار المداولات تمنعني من تقارير القضاة

أكد عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، أن تكريس استقلال السلطة القضائية والنيابة العامة يفرض ضبط العلاقة المؤسساتية بين وزارة العدل ومكونات السلطة القضائية، بما يمنع تداخل الاختصاصات ويحد من التقاطعات التي قد تعرقل سير العملية القضائية.

وأوضح وهبي، اليوم الأربعاء خلال تقديم الميزانية الفرعية لوزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية برسم سنة 2027، أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، أن إصلاح منظومة العدالة يقتضي احترام استقلال السلطة القضائية والنيابة العامة، مع الحفاظ على التعاون الضروري بين مختلف المؤسسات المعنية بتدبير مرفق العدالة.

وشدد وزير العدل على أن استقلال السلطة القضائية، باعتباره اختيارا مؤسساتيا للدولة، لا يعني غياب التنسيق والتعاون مع وزارة العدل، مبرزا أن طبيعة العمل داخل المحاكم تفرض التقاء المؤسستين في عدد من المجالات، سواء تعلق الأمر بتدبير الملفات القضائية أو كتابة الضبط أو تنفيذ الأحكام والمساطر المرتبطة بالنزاعات المدنية والأسرية والعقارية.

وأشار وهبي إلى أن هذا التداخل الوظيفي يفرض تحديد حدود تدخل كل مؤسسة بشكل دقيق، حتى لا يتحول التعاون إلى مصدر للخلط أو التصادم في الاختصاصات، موضحا أن القاضي يمارس صلاحياته القضائية داخل المحكمة، فيما تتولى الإدارة القضائية والنيابة العامة اختصاصات أخرى ترتبط بتدبير المساطر وتنفيذ الإجراءات القانونية.

وفي هذا السياق، أبرز المسؤول الحكومي أن وزارة العدل عملت، خلال الولاية السابقة، على تكريس استقلال السلطة القضائية حتى على المستوى الإداري والمالي، من خلال فصل عدد من الإدارات التي كانت تابعة للوزارة وإلحاقها بالسلطة القضائية، إلى جانب إقرار ميزانية مستقلة لكل مؤسسة.

واعتبر وهبي أن هذا الفصل يترجم مبدأ الاستقلال على أرض الواقع، مستشهدا بطريقة تدبير التجهيزات والوسائل اللوجستية الموجهة للمسؤولين القضائيين، حيث أوضح أن وزارة العدل لم تعد تتعامل بشكل مباشر مع رؤساء المحاكم أو المسؤولين القضائيين في هذا الجانب، وإنما يتم التنسيق مع الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، كل حسب اختصاصه.

وأضاف أن هذا التوجه يفرض عليه، بصفته وزيرا للعدل، عدم التدخل في تدبير شؤون القضاة أو استقبال جمعياتهم، باعتبار أن هذه الملفات تدخل ضمن اختصاصات الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، مؤكدا أن احترام الاستقلال يقتضي تحمل كل مؤسسة مسؤولياتها دون تجاوز حدود اختصاصها.

التفتيش القضائي.. إشكال تحديد المسؤوليات

وفي معرض حديثه عن الإشكالات العملية التي تطرحها العلاقة بين المؤسستين، توقف وهبي عند مسألة التفتيش، موضحا أن السلطة القضائية تتولى تفتيش القضاة، بينما تضطلع وزارة العدل بمراقبة وتفتيش الإدارة القضائية والموظفين العاملين بها.

وأشار إلى أن بعض الاختلالات التي تقع داخل المحاكم قد تطرح صعوبة في تحديد المسؤوليات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملف قضائي تتداخل فيه مسؤولية القاضي مع مسؤولية الموظف الإداري، وهو ما دفع المؤسستين إلى اعتماد تنسيق في توقيت عمليات التفتيش، مع احتفاظ كل طرف باستقلالية مهامه.

وأوضح أن المفتشين التابعين للسلطة القضائية يتولون مراقبة عمل القضاة، في الوقت الذي يباشر فيه مفتشو الإدارة القضائية مهامهم المتعلقة بالموظفين، دون خلط بين التقارير أو الصلاحيات.

وفي هذا الإطار، أكد وزير العدل أنه لا يحق له الاطلاع على تقارير التفتيش المتعلقة بالقضاة، بالنظر إلى ما تتضمنه من معطيات مرتبطة بأسرار الملفات والمداولات القضائية، في حين يمكن للمسؤولين القضائيين الاطلاع على تقارير تفتيش الإدارة القضائية، بهدف الوقوف على ظروف اشتغال المحاكم ومستوى الخدمات المقدمة للقضاة.

رقمنة المحاكم تفرض ميزانية موحدة وتنسيقا مؤسساتيا

ومن بين الملفات التي كشف وهبي عن الإشكالات المرتبطة بها، موضوع رقمنة المحاكم، موضحا أن اختلاف تدخلات وزارة العدل والسلطة القضائية في هذا المجال أدى، في مرحلة سابقة، إلى تطوير برامج رقمية بشكل متواز، وهو ما تسبب في إنفاق اعتمادات مالية على برامج متشابهة أو متداخلة.

وقال إن هذا الوضع دفع الطرفين إلى عقد اجتماعات لتجاوز الازدواجية في التدبير، والاتفاق على اعتماد تصور شامل لرقمنة الجهاز القضائي، بما يشمل مختلف مكونات منظومة العدالة، مع تخصيص ميزانية لهذا المشروع بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد والمالية.

وأضاف أن هذا الورش طرح إشكالات أخرى تتعلق بتحديد الجهة المكلفة بالصرف وتنفيذ النفقات، فضلا عن طبيعة الجهة التي ستتولى إنجاز البرامج الرقمية، في ظل حساسية المعطيات التي تتضمنها الملفات القضائية، من قبيل أسماء المتهمين والشهود وغيرها من المعلومات التي تستوجب حماية خاصة.

وأكد وهبي أن الحفاظ على سرية المعطيات القضائية يفرض التعامل بحذر مع إمكانية إسناد بعض الخدمات الرقمية إلى القطاع الخاص، مبرزا أن الطرفين توصلا، في نهاية المطاف، إلى اختيار مؤسسة من مؤسسات الدولة لتولي هذه المهمة.

وكشف في هذا السياق أنه طلب من الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أن يتولى صفة الآمر بالصرف في هذا المشروع، بدل وزير العدل، مبررا ذلك بخصوصية المساطر التي تعتمدها السلطة القضائية، والتي تختلف عن الإجراءات الإدارية المعمول بها داخل الوزارة.

إحداث المحاكم لا يعني دخولها حيز الاشتغال

وفي سياق متصل، أثار وزير العدل إشكالية العلاقة بين إحداث المحاكم وتوفير الشروط المؤسساتية والقضائية اللازمة لتشغيلها، موضحا أن الوزارة يمكنها اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية لإحداث محكمة جديدة، سواء كانت إدارية أو تجارية، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة إمكانية الشروع الفوري في عملها.

وأوضح وهبي أن دخول أي محكمة حيز الاشتغال يظل مرتبطا بتعيين المسؤولين القضائيين، وعلى رأسهم رئيس المحكمة والقضاة، وهي اختصاصات تعود إلى السلطة القضائية، وليس إلى وزارة العدل.

واعتبر أن هذا الوضع يعكس مرة أخرى طبيعة العلاقة المعقدة بين المؤسستين، حيث يتطلب إحداث المحاكم وتفعيلها تنسيقا بين الاختصاص الإداري والتدبير القضائي، بما يضمن توفير الشروط الضرورية لانطلاق عملها.