اعتبر علي الغنبوري، رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن الإشكال الأساسي في سوق المحروقات بالمغرب لا يرتبط فقط بمستوى الأسعار أو بكلفة التكرير والاستيراد، وإنما يتصل أساساً بغياب المنافسة الفعلية داخل القطاع، وبالشروط القانونية التي تجعل دخول فاعلين جدد أمراً مكلفاً وصعباً، مشددا على أن تسقيف أسعار المحروقات ليس حلاً مناسباً لمعالجة الغلاء.
وشدد الغنبوري، خلال حلوله ضيفا على برنامج “نبض العمق”، على أن تحرير السوق لا يمثل في حد ذاته مشكلة، لكن الإشكال، وفق تشخيصه، يكمن في تحريره دون إجراءات مواكبة وضمانات كافية لحماية المنافسة، وهو ما جعل المستهلك المغربي يواجه شركات المحروقات دون آليات فعالة تضمن التنافس على الأسعار.
ورفض الغنبوري اعتبار تسقيف أسعار المحروقات حلاً مناسباً لمعالجة الغلاء، موضحاً أن هذا الخيار يعني العودة إلى دعم الأسعار عبر صندوق المقاصة، بما قد يرفع كلفة الدعم من 19 مليار درهم إلى نحو 54 مليار درهم عند إضافة المحروقات، وهو ما اعتبر أن الدولة لن تكون قادرة على تحمله، لكنه، في المقابل، أكد أن رفض التسقيف لا يعني ترك السوق دون تدخل، داعياً إلى إصلاح القواعد المنظمة للقطاع، وتعديل شروط الاستثمار فيه، وتشديد العقوبات على الشركات التي تعطل المنافسة.
وربط المتحدث حماية المستهلك بوجود قوانين زجرية واضحة تمنع الشركات من تحويل الغرامات إلى مجرد كلفة عادية لممارسة أنشطة تخل بالمنافسة، كما شدد على أن الضريبة التي تستهدف أرباح الشركات الكبرى لا ينبغي أن تتحول إلى عبء إضافي على المستهلك، معتبرا أن ضمان عدم تمرير هذه الضريبة إلى الأسعار لا يمكن أن يكون عبر تصريحات شفوية، بل من خلال مقتضيات قانونية صارمة تمنع رفع هوامش الربح أو تحميل المواطنين كلفة ضريبية موجهة إلى الشركات.
تحرير السوق دون مواكبة.. أصل الاختلال
وفي استحضاره لمسار تحرير قطاع المحروقات، أوضح الغنبوري أن المشكلة لم تكن في مبدأ التحرير، وإنما في غياب الإجراءات التي كان يفترض أن تواكبه وتضمن وجود منافسة حقيقية، وقال إن إصلاح صندوق المقاصة كان مطلباً مطروحاً، لكن لا يمكن، بحسب رأيه، تنزيله بطريقة عشوائية تؤدي إلى تعطيل المنافسة وتترك المواطنين في مواجهة مباشرة مع الشركات العاملة في السوق.
واعتبر أن تحرير القطاع دون توفير ضمانات المنافسة أفرز وضعاً لم يستفد فيه المستهلك من الشروط التي يفترض أن يوفرها السوق التنافسي، مشيرا إلى أن الشركات العاملة في القطاع صدرت في حقها عقوبات من مجلس المنافسة ثلاث مرات، لكنها، بحسب تعبيره، عادت إلى الممارسات نفسها بعد أداء الغرامات، وهو ما يطرح سؤالاً حول مدى قدرة العقوبات الحالية على تغيير سلوك الفاعلين.
وفي هذا السياق، رأى أن الغرامات التي تقل عن 10 في المائة أو 5 في المائة من الأرباح التي تحققها الشركات خارج شروط المنافسة لا تشكل رادعاً كافياً، ما دامت الشركة تستطيع أداء الغرامة ثم العودة إلى الممارسة نفسها. ولذلك دعا إلى تغيير القوانين الزجرية، حتى تصبح كلفة تعطيل المنافسة أكبر من المكاسب التي يمكن أن تحققها الشركات من هذه الممارسات.
مرسوم 1977 وشروط دخول القطاع
ومن أبرز المعطيات التي استند إليها الغنبوري في تشخيصه، حديثه عن مرسوم صادر سنة 1977 ينظم شروط الولوج إلى نشاط توزيع المحروقات. وأوضح أن هذا المرسوم يفرض على الشركة الراغبة في دخول القطاع التوفر على 30 محطة، إلى جانب بنية تخزينية قادرة على تغطية حاجيات هذه المحطات لمدة 60 يوماً.
واعتبر أن هذه الشروط تفرض كلفة استثمارية مرتفعة، إذ أشار إلى أن تكلفة الاستثمار المطلوبة تتراوح بين 500 و600 مليون درهم، مستنداً في ذلك إلى ما قال إنه معطى أورده المجلس الاقتصادي والاجتماعي. ووفق قراءته، فإن هذا المستوى من الاستثمار يجعل دخول شركات جديدة إلى القطاع أمراً بالغ الصعوبة، ويحد من إمكانية ظهور منافسين جدد قادرين على تغيير موازين السوق.
واستدل الغنبوري على محدودية دخول فاعلين جدد بالإشارة إلى أنه، خلال الفترة الممتدة من 2002 إلى 2022، لم تدخل أي شركة جديدة إلى القطاع ولم تخرج منه أي شركة، معتبراً أن استمرار الوضع على هذا النحو يعكس غياب دينامية تنافسية حقيقية. وخلص إلى أن أول إجراء ينبغي اتخاذه هو مراجعة الشروط القانونية التي تنظم الولوج إلى القطاع، بما يسمح بتوسيع قاعدة الفاعلين وإتاحة المجال أمام منافسة فعلية.
تسقيف الأسعار ليس الحل.. وصندوق المقاصة له كلفة مرتفعة
ورداً على سؤال بشأن إمكانية تسقيف أسعار المحروقات، رفض الغنبوري هذا الخيار، معتبراً أنه سيعيد الدولة إلى تحمل جزء أكبر من كلفة الأسعار عبر صندوق المقاصة، وأوضح أن ميزانية الصندوق تبلغ، وفق الأرقام التي ذكرها، 19 مليار درهم، وأن إضافة المحروقات قد ترفع المبلغ إلى نحو 54 مليار درهم.
كما استحضر أحد الأسباب التي كانت وراء المطالبة بإصلاح صندوق المقاصة، وهو أن الدعم لم يكن موجهاً بالضرورة إلى الفئات الأكثر استحقاقاً، وقدم مثالاً بالمواطن الذي يستهلك كميات محدودة من الوقود، مقارنة بأصحاب الضيعات والمصانع والمعامل الذين يستهلكون كميات أكبر، وقد يستفيدون بدورهم من الدعم.
وفي المقابل، أقر بوجود إشكال في كلفة التكرير والشراء، لكنه شدد على أن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند هذه النقطة، لأن المنافسة تظل عاملاً أساسياً في تحديد وضع السوق. وبالنسبة إليه، فإن معالجة الأسعار تتطلب إصلاح بنية القطاع، وليس الاقتصار على دعم الاستهلاك أو فرض سقف سعري لا يعالج أسباب الاختلال.
وتناول الغنبوري كذلك الإجراء المتعلق برفع الضريبة على أرباح شركات المحروقات إلى 40 في المائة، معتبراً أن الضمانة الأساسية لمنع انعكاس هذه الضريبة على الأسعار تتمثل في القانون، موضحا أن الحديث يتعلق بضريبة على أرباح الشركات التي تتجاوز أرباحها 100 مليون درهم، وليس بضريبة على الاستهلاك موجهة إلى المواطنين.
وشدد على أنه لا يحق للشركات نقل هذه الضريبة إلى المستهلك أو إضافتها إلى هوامش أرباحها، معتبراً أن حماية المواطنين من هذا الاحتمال تقتضي قوانين زجرية توقف الممارسات التي تسمح للشركات بتحميل المستهلك كلفة اختياراتها الضريبية.