“زيادة الأجور وحدها لا تكفي”.. الغنبوري يربط حماية القدرة الشرائية بمحاربة الوسطاء والاحتكار
سياسة

“زيادة الأجور وحدها لا تكفي”.. الغنبوري يربط حماية القدرة الشرائية بمحاربة الوسطاء والاحتكار

اعتبر رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي علي الغنبوري، أن حماية القدرة الشرائية للمغاربة لا تتحقق بمجرد الزيادة في الأجور، بل تقتضي ضمان استقرار القيمة الفعلية للدخل عبر محاربة الغلاء والاحتكار والريع، وإعادة تنظيم مسارات توزيع المنتجات والسلع الأساسية.

وأوضح الغنبوري، خلال حلوله ضيفا على برنامج “نبض العمق”، أن الزيادات في الأجور يمكن أن تفقد أثرها إذا تزامنت مع ارتفاع كبير في الأسعار، مستحضراً تجربة الزيادة السابقة التي بلغت 1000 درهم لفائدة الموظفين، والتي قال إنها لم تظهر في القدرة الشرائية بالشكل المنتظر بسبب موجة تضخمية وصلت إلى 6.6 في المائة.

وقدم الغنبوري تشخيصاً لارتفاع أسعار المنتجات الفلاحية، مركزاً على تعدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك، وما ينتج عن ذلك من تراكم هوامش الربح في مختلف مراحل التسويق، مشيرا إلى أن بعض المنتجات قد تباع خمس مرات قبل وصولها إلى المستهلك النهائي، معتبراً أن هذا التعدد يرفع السعر النهائي دون أن يقابله بالضرورة إنتاج قيمة مضافة حقيقية في سلسلة التوزيع.

كما توقف عند الرسوم المفروضة داخل أسواق الجملة، موضحاً أنها تبلغ، وفق تعبيره، 7 في المائة من رقم المعاملات، موزعة بين 5 في المائة لفائدة الجماعة و2 في المائة لفائدة وكيل السوق، حيث اعتبر أن هذا النظام يضيف عبئاً آخر على مسار انتقال المنتجات من الأرض إلى المستهلك، لأن هذه الرسوم لا تحتسب من الأرباح وإنما من رقم المعاملات، ما يجعل كلفتها تنعكس في نهاية المطاف على الأسعار التي يؤديها المواطن.

خمس هوامش ربح قبل وصول السلعة إلى المستهلك

وفي تشخيصه لمسار ارتفاع أسعار المنتجات الفلاحية، استند الغنبوري إلى ما قال إنه سبق أن ورد في تقرير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، بشأن تعدد الوسطاء في سلسلة التسويق. وأوضح أن المنتجات قد تمر بخمس عمليات بيع بين خروجها من الأرض ووصولها إلى المستهلك النهائي، وهو ما يعني تراكم خمسة هوامش للربح، يضيف كل وسيط من خلالها هامشاً جديداً إلى السعر.

وضرب مثالاً بمنتج يخرج من الأرض بسعر درهمين، قبل أن يصل إلى المستهلك بعشرة دراهم، نتيجة تراكم الزيادات خلال مراحل التسويق، معتبرا أن هذا الوضع يكشف عن وجود خلل في سلسلة التوزيع، لأن السلعة لا تنتقل مباشرة من المنتج إلى المستهلك، وإنما تمر عبر عدد من المتدخلين الذين يرفعون كلفتها النهائية.

ولم يعتبر الغنبوري أن كل أشكال الوساطة غير مشروعة، لكنه ركز على ما وصفه بالوساطة الانتهازية، التي لا تضيف قيمة حقيقية إلى مسار الإنتاج والتوزيع، وإنما تستفيد من موقعها داخل السلسلة لزيادة الأسعار، داعيا إلى معالجة الفراغ الموجود بين مناطق الإنتاج والمستهلك النهائي، باعتباره أحد المداخل الأساسية لتقليص هوامش الربح المتراكمة.

رسوم أسواق الجملة تزيد كلفة المنتجات

وإلى جانب تعدد الوسطاء، توقف الغنبوري عند الرسوم المفروضة على المنتجات عند دخولها إلى أسواق الجملة، موضحاً أن هذه الرسوم تبلغ 7 في المائة، منها 5 في المائة تحصلها الجماعة و2 في المائة تذهب إلى وكيل السوق.

واعتبر أن الإشكال لا يرتبط فقط بنسبة الرسم، وإنما أيضاً بطريقة احتسابه، إذ يتم اقتطاعه من رقم المعاملات وليس من الأرباح التي يحققها المتدخلون، ملفتا أن كلفة هذه الرسوم تضاف إلى مسار التسويق، ويتحملها في النهاية المستهلك الذي يشتري المنتج بالسعر النهائي.

وانتقد الغنبوري استفادة بعض المتدخلين من هذه الرسوم دون مساهمة مباشرة في الإنتاج أو التوزيع، معتبراً أن ذلك يدخل ضمن أشكال الريع التي تتراكم داخل سلسلة التسويق، وقدم هذا المثال لتوضيح أن معالجة الغلاء لا يمكن أن تقتصر على دعم عمليات الاستيراد أو اتخاذ تدابير ظرفية، بل ينبغي أن تشمل إعادة النظر في البنية التي تنتقل عبرها المنتجات من المنتج إلى المستهلك.

الشركات الجهوية للتجميع والتسويق.. معالجة فراغ التوزيع

وفي معرض حديثه عن الشركات الجهوية للتجميع والتسويق، اعتبر الغنبوري أن هذه المبادرة تستهدف معالجة الاختلالات المرتبطة بتعدد الوسطاء وتراكم هوامش الربح، موضحا أن هذه الشركات، وفق تعبيره، هي شركات تابعة للدولة وشركات للتنمية، وليست شركات خاصة، كما أن الغاية منها ليست تحقيق الربح، وإنما تقليص المسافة التجارية بين مناطق الإنتاج والأسواق التي يستهلك فيها المواطنون المنتجات.

ورفض المتحدث المخاوف التي طرحها مقدم البرنامج بشأن احتمال تحول هذه الشركات إلى فاعلين احتكاريين، أو إعادة إنتاج اختلالات مرتبطة بتدبير خدمات توزيع الماء والكهرباء، مؤكدا أن طبيعة هذه الشركات وأهدافها، كما قدمها، ترتبط بإرادة إصلاحية تروم معالجة تعدد الوسطاء، وليس إنشاء احتكار جديد.

وأوضح أن هذه الشركات ترتبط بالأحواض الإنتاجية، أي بالمناطق التي تنتج فيها السلع، لأن الهدف هو التدخل في المسار الذي تنتقل عبره المنتجات من مناطق الإنتاج إلى المستهلك النهائي، مشيرا إلى أن تدخل الدولة في هذا المجال يأتي لمعالجة اختلال لا يمكن تركه على حاله، خصوصاً عندما يؤدي إلى تراكم هوامش الربح وتحميل المستهلك كلفتها.

حماية الأجر تبدأ قبل الزيادة فيه

وفي ربطه بين الأسعار والأجور، شدد الغنبوري على أن المقاربة التي ينبغي اعتمادها لا تقوم فقط على رفع الأجور، بل تبدأ بحماية القيمة الفعلية للأجر، مستحضرا الزيادة السابقة التي بلغت 1000 درهم، موضحاً أنها لم تحقق الأثر المنتظر بسبب ارتفاع الأسعار خلال الفترة نفسها، مع تسجيل موجة تضخمية بلغت 6.6 في المائة.

واعتبر أن زيادة الأجور في ظل استمرار الغلاء قد تتحول إلى زيادة شكلية، لأن القدرة الشرائية تتحدد بما يستطيع المواطن شراءه بدخله، وليس بالقيمة الاسمية للأجر وحدها، داعيا إلى الجمع بين تخفيف الضغط الضريبي، وخفض الأسعار، ومحاربة الاحتكار والريع، وضمان المنافسة الاقتصادية داخل الأسواق.

وفي هذا السياق، ربط بين إصلاح الضريبة على الدخل وحماية الأجر، معتبراً أن تخفيف العبء الضريبي يمثل أحد عناصر المقاربة التي يمكن أن تحافظ على جزء أكبر من دخل الموظفين، مشددا في الوقت نفسه على أن هذا الإجراء لن يكون كافياً إذا ظلت الأسعار ترتفع بفعل اختلالات السوق وضعف المنافسة.

وفي توصيته الاستراتيجية للحكومة بشأن مشروع قانون المالية 2027، جعل الغنبوري ضمان شروط المنافسة الاقتصادية الحقيقية في صدارة الأولويات، مؤكدا أن المنافسة لا يمكن أن تقوم على التوافقات أو الوعود، بل تحتاج إلى قوانين واضحة وصارمة تضمن احترام قواعد السوق وتعاقب تعطيل المنافسة.

واعتبر أن غياب المنافسة يؤدي إلى الاحتكار والفساد والريع، وأن هذه الاختلالات تنعكس مباشرة على الأسعار وعلى قدرة المواطنين على الاستفادة من ثمار النمو، حيث قال إن حماية القدرة الشرائية ليست إجراءً منفصلاً عن إصلاح الاقتصاد، بل نتيجة يفترض أن تتحقق عندما تتوفر منافسة حقيقية في الأسواق والمواد والسلع الأساسية.