كشف عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، عن مجموعة من المؤشرات المرتبطة بوضعية القضاء بالمغرب وتدبير الموارد البشرية بالمحاكم، منبها إلى حجم الملفات المعروضة على المحاكم، وتحديات النجاعة القضائية، إلى جانب الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية المرتقبة، في ظل التحولات التي يفرضها التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي على منظومة العدالة.
وأوضح وهبي، اليوم الأربعاء خلال تقديم الميزانية الفرعية للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، أن المغرب يتوفر على 5108 قضاة، من بينهم 3662 رجلا، بنسبة 72 في المائة، مقابل 1446 امرأة، بنسبة 28 في المائة، مشيرا إلى أن هذه الموارد البشرية تتولى معالجة ما يقارب خمسة ملايين ملف سنويا، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي تواجهه المنظومة القضائية.
وفي حديثه عن تدبير الوضعية المهنية والإدارية للقضاة، أفاد المسؤول الحكومي بأنه جرى خلال السنة الجارية تعيين ثمانية قضاة في مناصب المسؤولية، و100 نائب للمسؤولين القضائيين، إلى جانب تعيين مفتشين اثنين و10 قضاة للقيام بمهام مرتبطة بقضايا الأسرة.
وسجل وهبي أن تدبير قضايا الأسرة يطرح نقاشا مؤسساتيا بشأن مستقبل المحاكم المختصة بهذا المجال، بين الإبقاء على وضعها الحالي أو إحداث محاكم مستقلة للأسرة على مستوى المحاكم الابتدائية، معتبرا أن الخيار الثاني هو الأنسب، بما يسمح بتجميع مختلف النزاعات المرتبطة بالأسرة داخل مؤسسة قضائية متخصصة، تضم قضاة وأطرًا تتوفر على دراية بالأبعاد الاجتماعية والنفسية لهذه القضايا.
وأضاف أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية أشرف على تعيين 475 قاضية للقيام ببعض المهام القضائية، وترقية 460 قاضية، فضلا عن ترقية 3375 قاضيا خلال سنة 2025، وتكليف 27 قاضيا بالقيام بمهام في الدرجة الأعلى، ونقل 409 قضاة.
وبخصوص تمديد سن التقاعد، أوضح وزير العدل أن الحد الأقصى ارتفع من 63 إلى 75 سنة، غير أن الاستفادة من هذا الإجراء تظل مرتبطة بموافقة السلطة القضائية، بعد دراسة الوضعية المهنية والأخلاقية والصحية للقاضي المعني، مؤكدا أن تقديم طلب التمديد لا يعني الموافقة عليه بشكل تلقائي.
تأديب القضاة وتفتيش المحاكم
وفي ما يتعلق بتخليق الممارسة القضائية، استعرض وهبي حصيلة الإجراءات التأديبية المتخذة في حق عدد من القضاة، موضحا أن خمسة قضاة لم تتم مؤاخذتهم، فيما جرى توجيه ملاحظات إلى ثمانية قضاة دون ترتيب مؤاخذة تأديبية، وإخضاع ثلاثة قضاة للتكوين، وتوجيه إنذارات إلى أربعة قضاة، وإنذارات مقرونة بالتكوين إلى 12 قاضيا.
كما شملت الإجراءات توبيخ قاضيين، وتوبيخ ثلاثة قضاة مع إخضاعهم للتكوين، والإيقاف المؤقت لقاض واحد، فضلا عن عزل قاض آخر.
وعلى مستوى التفتيش القضائي، أفاد الوزير بأنه جرى تفتيش 31 محكمة إلى غاية 30 يونيو، فيما تتواصل عمليات التفتيش حاليا على مستوى 17 محكمة أخرى.
وأشار إلى أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية توصل بـ5553 شكاية وتظلما، جرى التعقيب على 2063 منها.
أكثر من 4 ملايين ملف مسجل خلال سنة واحدة
وفي عرضه لمؤشرات النشاط القضائي، كشف وهبي أن المحاكم سجلت خلال سنة 2025 ما مجموعه 4 ملايين و56 ألفا و66 ملفا، مقابل 4 ملايين و633 ألفا و917 قضية رائجة، فيما بلغ عدد القضايا المحكوم فيها 4 ملايين و117 ألفا و592 ملفا.
وأوضح أن نسبة تصفية القضايا المسجلة بلغت 101.8 في المائة، فيما وصلت نسبة القضايا المحكوم فيها مقارنة بمجموع القضايا الرائجة إلى 89.1 في المائة، مع تسجيل مخلف قضائي بلغ 577 ألفا و851 ملفا لم تتم تصفيته خلال السنة نفسها.
وسجل الوزير تراجعا في حجم المخلف القضائي مقارنة بسنة 2024، بنحو 71 ألف ملف، معتبرا أن هذه المؤشرات تعكس المجهودات المبذولة لتقليص القضايا العالقة وتسريع وتيرة البت فيها.
وفي ما يخص محكمة النقض، أشار وهبي إلى أن عدد القضايا الرائجة بلغ 106 آلاف و584 ملفا خلال سنة 2025، مقابل 99 ألفا و457 ملفا سنة 2024، بزيادة بلغت 7.2 في المائة.
وأضاف أن عدد القضايا المحكوم فيها وصل إلى حوالي 54 ألف ملف، مسجلا ارتفاعا بنسبة 2.2 في المائة، قبل أن يثير إشكالية ارتفاع طلبات النقض التي تنتهي بعدم القبول، مشيرا إلى أن هذه الحالات، وفق تقديره، تصل إلى نحو 85 في المائة من مجموع الطلبات المعنية.
واعتبر أن هذه الوضعية تستدعي الوقوف عند جودة المذكرات القانونية المقدمة أمام محكمة النقض، ومدى احترامها للشروط والمساطر المعمول بها، معلنا عن تنظيم دورات تكوينية لفائدة المحامين والقضاة في مجال إعداد مذكرات النقض، استفاد منها 2378 شخصا.
وهبي يدعو إلى تخصص العدول في قضايا الإرث
وفي سياق حديثه عن التكوين وتحسين جودة الخدمات القضائية، أعلن وزير العدل عن توجه لإحداث منصة رقمية متخصصة في احتساب الأنصبة الشرعية للإرث، تتيح للقضاة والمحامين والمرتفقين إدخال المعطيات المتعلقة بالورثة، والحصول على توزيع الأنصبة وفق القواعد القانونية المعمول بها.
وأوضح وهبي أن هذا المشروع يأتي في سياق معالجة بعض الاختلالات التي تظهر في عدد من الوثائق المتعلقة بتوزيع التركات، مشيرا إلى أنه وقف على حالات تضمنت توزيعات غير مطابقة للقواعد القانونية، وهو ما دفع إلى التأكيد على ضرورة تعزيز تكوين العدول في هذا المجال.
وأضاف أن الوزارة اتخذت قرارا بإخضاع العدول لتكوين متخصص في قضايا الإرث، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بحقوق المواطنين ومصالحهم، معلنا عن قرب افتتاح معهد لتكوين العدول بفاس، في إطار تعزيز التأهيل المهني لهذه الفئة.
كما كشف عن تخصيص 26 موظفا جديدا لتعزيز الموارد البشرية بالمجلس، والاستعداد لإجراء مباراة لتوظيف 300 قاض جديد خلال السنة الجارية، إلى جانب تخصيص 40 منصبا ماليا لتوظيف المحافظين القضائيين.
ميزانية المجلس وإعادة بناء المعهد العالي للقضاء
وعلى المستوى المالي، استعرض وهبي الاعتمادات المخصصة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، مشيرا إلى أن الميزانية الإجمالية المعروضة بلغت 3 مليارات و680 مليون درهم، فيما بلغت نفقات المعدات والنفقات المختلفة 645 مليون درهم، جرى صرف 293 مليون درهم منها.
كما أشار إلى تخصيص 51 مليون درهم لفائدة رئاسة النيابة العامة، و130 مليون درهم للمعهد العالي للقضاء، موضحا أن هذا الأخير يرتقب أن يخضع لإعادة بناء شاملة، بعد أن تبين عدم قدرة بنايته الحالية على استيعاب متطلبات التكوين والامتحانات التي يشرف عليها.
وبخصوص ميزانية الاستثمار، أفاد الوزير بأنها بلغت 517 مليون درهم، منها 487 مليون درهم كاعتمادات للأداء، و30 مليون درهم كاعتمادات للالتزام.
وأكد أن ورش التحول الرقمي داخل منظومة العدالة سيتم الاشتغال عليه بشكل مشترك بين وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، بما يضمن التنسيق في تنزيل المشاريع الرقمية وتطوير الخدمات القضائية.
وهبي يتحفظ على مراقبة القضاة بالذكاء الاصطناعي
وفي محور لافت من عرضه، أثار وزير العدل تداعيات توظيف الذكاء الاصطناعي في المجال القضائي، مستحضرا تجربة إحدى الدول الأجنبية التي تعتمد أنظمة رقمية لتحليل الأحكام القضائية ورصد التناقضات والتأخر في إصدار القرارات، فضلا عن محاولة تحديد مؤشرات قد ترتبط بشبهات فساد.
غير أن وهبي أبدى تحفظه على هذا التوجه، معتبرا أن الخوارزميات والأنظمة الرقمية ليست محايدة بالضرورة، لأنها تعكس الاختيارات والغايات التي وضعها مصمموها، وهو ما يطرح إشكالية ضمان الموضوعية والاستقلالية في تقييم العمل القضائي.
وشدد على أن القاضي يظل إنسانا يمكن أن يصيب أو يخطئ، وأن إخضاع عمله بشكل آلي لتقييم الخوارزميات قد يثير إشكالات تتعلق باستقلال القضاء وطبيعة المسؤولية القضائية.
كما نبه إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يطرح تحديات تقنية فقط، بل أصبح يثير أسئلة قانونية وأخلاقية عميقة، خاصة في ما يتعلق بالمسؤولية الجنائية عن الأفعال المرتكبة باستعمال الأنظمة الذكية، متسائلا عن الجهة التي ينبغي أن تتحمل المسؤولية في حالة وقوع جريمة باستخدام روبوت أو برنامج ذكي: هل هي الجهة التي أعطت الأمر، أم مطور البرنامج، أم الشركة التي قامت بتركيبه؟
وأوضح أن هذه الإشكالات لا تزال مطروحة للنقاش في عدد من الدول، مشيرا إلى أن وزارة العدل مطالبة باستحضارها خلال مناقشة إصلاح القانون الجنائي.
ولم يقتصر تحذير وهبي على المجال القضائي، بل امتد إلى تأثير المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي على التعليم والمجتمع، معتبرا أن الاستخدام غير المؤطر لهذه التقنيات يطرح تحديات متزايدة، سواء من حيث إنتاج المحتويات أو إعداد المقالات والأبحاث أو الاعتماد على الأنظمة الذكية في إنجاز المهام التي تتطلب تدخلا بشريا.
وفي هذا السياق، أثار مسألة لجوء بعض الفاعلين إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لإنجاز أعمالهم دون بذل الجهد المطلوب، معتبرا أن الأمر يستدعي وضع ضوابط واضحة تحدد حدود الاستخدام والمسؤوليات المترتبة عنه، خصوصا في قطاعات القضاء والتعليم والمحاماة.
إصلاحات تشريعية ثقيلة في انتظار البرلمان
وفي ختام عرضه، كشف وزير العدل عن حزمة من النصوص التشريعية التي تستعد الوزارة لإحالتها على البرلمان، وفي مقدمتها القانون الجنائي ومدونة الأسرة وقانون الموثقين، فضلا عن مشروع يتعلق بالبصمة الجينية، ومراجعة قانون الالتزامات والعقود ومدونة التجارة.
وأوضح أن مراجعة قانون الالتزامات والعقود شملت، إلى حدود تقديم عرضه، الاشتغال على نحو 650 فصلا، مع توقع ارتفاع العدد إلى ما بين ألف و1200 فصل، بالنظر إلى حجم التعديلات المرتقبة واتساع نطاق الإصلاح.
كما أثار الوزير ضرورة مراجعة المساطر المرتبطة بصعوبات المقاولة والتصفية القضائية، معتبرا أن اعتماد المساطر نفسها بالنسبة إلى الشركات الكبرى والتجار الصغار لا يراعي الاختلاف الكبير في طبيعة النشاط الاقتصادي وحجم المعاملات والإمكانات المالية.
وفي هذا الإطار، أعلن عن مناقشة مشروع مسطرة جديدة لتسريع استخلاص الديون التجارية، تقوم على الاستناد إلى الفاتورة ووثيقة إثبات التسلم، مع تدخل خبير للتحقق من المعطيات، قبل إحالة الملف على رئيس المحكمة لاتخاذ قرار بشأن إصدار أمر بالتنفيذ، في الحالات التي لا يكون فيها نزاع جدي حول قيمة البضاعة أو جودتها.
واعتبر وهبي أن هذه الآلية من شأنها الحد من اللجوء إلى دعاوى قضائية قد تستغرق سنوات، رغم توفر الدائن على وثائق تثبت المعاملة التجارية وتسلم البضاعة.
كما دعا إلى مراجعة بعض الإجراءات المرتبطة بالطلاق الاتفاقي، متسائلا عن جدوى إخضاع الأزواج المتفقين على إنهاء العلاقة الزوجية لسلسلة من الجلسات والإجراءات القضائية المتكررة، رغم توفرهم على اتفاق موثق، مشددا على ضرورة معالجة المساطر التي تعرقل حياة المواطنين دون مبرر قانوني أو عملي واضح.
وسجل وزير العدل التأكيد على أن المرحلة المقبلة ستكون حافلة بالإصلاحات التشريعية والمؤسساتية، وأن تطوير العمل القضائي يقتضي توفير الموارد المالية والبشرية اللازمة، إلى جانب مواكبة القضاة ومختلف المهن القانونية للتحولات التكنولوجية والتشريعية المتسارعة.