زاكورة.. مطالب بتشديد مراقبة زراعة البطيخ الأحمر لحماية الفرشة المائية والواحات
المغرب العميق

زاكورة.. مطالب بتشديد مراقبة زراعة البطيخ الأحمر لحماية الفرشة المائية والواحات

وضعت جمعية أصدقاء البيئة بإقليم زاكورة المؤسسات والقطاعات المكلفة بتدبير الموارد المائية أمام مسؤولية التطبيق الفعلي لمقتضيات القرار العاملي رقم 20، الصادر في 14 أكتوبر المنصرم، بشأن تقنين الزراعات المستنزفة للمياه داخل الواحات وخارجها، محذرة من أن يظل القرار مجرد إجراء إداري لا ينعكس على واقع تدبير الثروة المائية بالإقليم.

ودعت الجمعية، في نداء موجه إلى المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بورزازات، والمقاطعة الفلاحية بزاكورة، ووكالة الحوض المائي لدرعة وادي نون ومديريتها الإقليمية، فضلا عن السلطات الإقليمية والمحلية، إلى الالتزام الصارم والمسؤول بمختلف مقتضيات القرار، بما يضمن ضبط استغلال الموارد المائية والحد من الممارسات التي تسهم في استنزافها.

وشددت الهيئة على أن فعالية القرار لا ترتبط بمجرد صدوره، وإنما بمدى تنزيل بنوده على أرض الواقع، مؤكدة ضرورة إخضاع جميع الأنشطة الزراعية المعنية للمراقبة وفق المعايير نفسها، بعيدا عن الانتقائية أو منح أي استثناءات من شأنها إفراغ التدابير المعتمدة من أهدافها.

ومن جانبه، اعتبر جمال أقشباب، رئيس جمعية أصدقاء البيئة بإقليم زاكورة، أن الوضع المائي بالإقليم انتقل من مرحلة الخصاص إلى مستوى العجز، في ظل تنامي الضغط على الموارد المائية وتزايد المخاطر التي تهدد الأنشطة الفلاحية التقليدية والتوازنات الاجتماعية والاقتصادية بالمنطقة.

وفي تصريحه لـ”العمق”، أوضح أقشباب أن تراجع الوضع المائي يرتبط بعوامل طبيعية، تشمل توالي سنوات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتزايد معدلات التبخر واتساع مظاهر التصحر، إلى جانب عوامل بشرية، يأتي في مقدمتها توسع زراعة البطيخ الأحمر داخل المجال الواحي، التي وصفها بالزراعة المستنزفة للمياه وغير الملائمة لطبيعة المنطقة وإكراهاتها المناخية والمائية.

وأشار المتحدث إلى أن هذه الزراعة دخلت إلى الإقليم قبل نحو 15 سنة، بحسب تقديره، موضحا أن الفلاحين المنخرطين فيها لا تتجاوز نسبتهم 5 في المائة، مقابل 95 في المائة من الفلاحين الذين يعتمدون على زراعة النخيل والمحاصيل المعيشية، معتبرا أن هذه المعطيات تطرح تساؤلات بشأن توزيع المنافع والأعباء المرتبطة باستغلال الموارد المائية، ومتحدثا عن “وجود شراكات بين بعض الفلاحين المحليين ومستثمرين من خارج الإقليم، تقوم على توفير الأراضي مقابل تمويل المشاريع وتقاسم الأرباح، مع استفادة الأطراف الممولة من الحصة الأكبر”، وفق ما أورده.

وربط رئيس الجمعية بين توسع زراعة البطيخ الأحمر وتفاقم عدد من الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية، معتبرا أن هذا النشاط لم ينعكس، بحسب تقييمه، بـ”تحسن ملموس على الأوضاع المعيشية للفلاحين الصغار”، في وقت تتواصل فيه مظاهر الفقر والبطالة والهجرة القروية، منبها إلى ما وصفه بـ”تراجع زراعة النخيل وهلاك أعداد من أشجارها”، نتيجة الضغط المتزايد على الموارد المائية التي تشكل أساس النشاط الفلاحي داخل الواحات.

ولفت أقشباب إلى أن تداعيات هذه الزراعة لا تقتصر على استنزاف المياه، بل تشمل أيضا جوانب بيئية مرتبطة بالاستعمال المكثف للبلاستيك الفلاحي في عمليات الإنتاج، وما قد يترتب عن ذلك من تلوث للتربة والتأثير على قدرتها الإنتاجية، محذرا من أن استمرار الضغط على الفرشة المائية قد يزيد من صعوبة التزود بالماء الصالح للشرب في عدد من الجماعات الترابية بالإقليم، مستحضرا الاحتجاجات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية للمطالبة بتوفير هذه المادة الحيوية.

وفي معرض حديثه عن القرار العاملي رقم 20، أوضح رئيس الجمعية أنه لا ينص على المنع الكلي لزراعة البطيخ الأحمر، وإنما يروم إخضاعها لمجموعة من الشروط والضوابط الرامية إلى تقنين استغلال الموارد المائية، مع إعطاء الأولوية لتأمين الماء الصالح للشرب وحماية الواحات التقليدية وصون حقوق الأجيال المقبلة، مؤكدا أن الجمعية تدعم هذا القرار وتعتبره إجراء يخدم المصلحة العامة في ظل الإكراهات المائية التي يعرفها الإقليم.

وبخصوص مدى تنزيل مقتضياته، أفاد أقشباب بأن المرحلة الراهنة ما تزال مرتبطة بالاستعدادات الأولية للموسم الفلاحي، والتي تشمل تهيئة الأراضي وإعداد الوثائق الإدارية، موضحا أنه لم تسجل، وفق المعطيات المتوفرة لديه، إكراهات عملية مرتبطة بالتطبيق الميداني إلى حدود الآن. غير أنه تحدث عن ضغوط قال إنها “تمارسها بعض المصالح المرتبطة بالقطاع الفلاحي”، بهدف تعديل القرار أو التراجع عن مقتضياته، مشيرا إلى تحركات تستهدف التأثير على السلطات الإقليمية عبر قنوات سياسية ومؤسساتية، وفق روايته.

وفي ما يتعلق بآليات المراقبة، أوضح المتحدث أن اللجنة الإقليمية المكلفة بتتبع تنفيذ القرار تضم ممثلين عن السلطات الإقليمية والمحلية والمكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي ووكالة الحوض المائي، وتتولى السهر على التحقق من مدى احترام الشروط المحددة لممارسة هذا النشاط الفلاحي.

وتشمل هذه الشروط، بحسب المصدر نفسه، الإدلاء بشهادة إدارية تثبت صفة الفلاح وعدم مزاولته نشاطا اقتصاديا أو مهنة أخرى، إلى جانب شهادة الاستغلال والتصميم الطبوغرافي الذي يحدد موقع الأرض ومساحتها وإحداثياتها، فضلا عن التوفر على التراخيص اللازمة لاستغلال الآبار، والتحقق من أن المياه المستعملة مصدرها فرشة مائية قابلة للتجدد، وهي مهمة تدخل ضمن اختصاص وكالة الحوض المائي.

كما شدد على ضرورة تفعيل الزيارات الميدانية للتأكد من احترام المساحة المسموح بها، والمحددة في هكتار واحد لكل فلاح، وعدم زراعة البطيخ الأحمر بالقرب من الواحات، فضلا عن تتبع استهلاك المياه من خلال العدادات، بما يتيح مراقبة مدى الالتزام بالضوابط المنصوص عليها، معتبرا أن نجاعة هذه الإجراءات تظل رهينة بصرامة المراقبة واستمرار التنسيق بين مختلف المؤسسات المعنية، تفاديا لأي تجاوزات قد تحد من أثر القرار.

وحذر رئيس الجمعية من أن أي تراجع عن مقتضيات القرار أو تخفيف للشروط التي يتضمنها قد يؤدي، بحسب تقديره، إلى زيادة الضغط على الموارد المائية وتعميق التوترات الاجتماعية المرتبطة بالتنافس على المياه، مبرزا أن استمرار استنزاف الفرشة المائية لا يهدد فقط إمكانيات التزود بالماء الصالح للشرب، بل يضع أيضا مستقبل الفلاحة الواحية على المحك، خصوصا زراعة النخيل التي تمثل موردا أساسيا لمعيشة عدد من الفلاحين الصغار.

وختم أقشباب تصريحه لـ”العمق” بالتأكيد على أن مواجهة أزمة المياه بإقليم زاكورة تتطلب الانتقال من التدابير الإدارية إلى التنفيذ الفعلي، من خلال تكثيف المراقبة الميدانية وتعزيز التنسيق بين السلطات والقطاعات المعنية، مشددا على أن حماية الموارد المائية وصون الواحات التقليدية لم تعودا مجرد اختيارات بيئية، بل أصبحتا، وفق تعبيره، ضرورة لضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي بالإقليم.