مما لا شك فيه أنه بعد واقعة “الفيتو”الروسي التي ليس لوقعتها كاذبة فإن حكام قصر المرادية يعيشون اليوم أكثر من أي وقت مضى واحدة من أكثر لحظات العزلة في تاريخ الجزائر منذ استقلالها عن فرنسا العام 1962، عزلة غير مسبوقة بين رفض دولي، وحصار إقليمي، وتهديد أمريكي صريح بتصنيفها كدولة داعمة للارهاب وراعية لعدم الإستقرار في المنطقة المغاربية المطلة على حوض البحر الأبيض المتوسط وأحد الشرايين الرئيسية للتجارة الدولية والملاحة البحرية العالمية.
بعد 35 سنة من الوجود الميداني، انتهى دور بعثة،المينورسو بالأقاليم الجنوبية فبقي المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا في منصبه، مكلفاً بتنظيم الاجتماعات بين الأطراف، للبحث عن حل سياسي واقعي.
كما انتهت جولات مجلس الأمن، بقي فقط أن الملف ما زال مدرجاً على جدول أعمال اللجنة الرابعة للأمم المتحدة، وستجتمع الجمعية العامة للأمم المتحدة لدراسته يوم 10 فبراير المقبل.
وفي هذا السياق، يكتسي تصريح وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، السيد ناصر بوريطة، على شاشة قناة الثانية، أهمية خاصة، فقد اعتبر السيد الوزير أن اللجنة الرابعة تمثل تمريناً أسهل من تمرين مجلس الأمن، لسببين رئيسيين ووجيهين:
أولاهما: اللجنة تضم 193 دولة مصوتة، وليس 15 دولة فقط كما هو الحال في مجلس الأمن.
وثانيهماً: اللجنة لا تعرف ولا تعترف بحق النقض، أو الفيتو لذلك يرى السيد وزير الخارجية أن الحصول على 97 صوتاً في هته اللجنة أسهل من الحصول على 9 أصوات في مجلس الأمن دون “فيتو”.
لكن، قد يعتقد البعض بعد واقة 30 أكتوبر 2026، فأن القضية ستتجه نحو التصعيد بعد الفراغ الذي سيركته المينورسو. غير أن هذا السيناريو يبقى مستبعداً، لسبب استراتيجي وجيه، فلا أحد من القوى الكبرى له مصلحة في فقدان الإستقرار في منطقة تعتبر ممر بحري وباب وشريان تجاري واقتصادي حيوي عالمي،،، لا الولايات المتحدة، ولا الصين، ولا روسيا، ولا اسبانيا ومعها بلدان الإتحاد لديها مصلحة في حرب مفتوحة في هذه المنطقة الحيوية.
أكيد ومؤكد، ان تكون هناك مناوشات عسكرية، harcèlement، وهذا أمر متوقع، لأن المناوشات كانت موجودة أصلا حتى في ظل وجود المينورسو، حيث سقط المئات بالرصاص والطائرات المسيرة، واحترقت عشرات المركبات العسكرية الجزائرية المسخرة من قبل عصابة البوليساريو، بل إن حوالي 20 من أفراد المينورسو أنفسهم لقوا حتفهم في إحدى المعارك وهم في مهمة فض اشتباك عسكري بين القوات المسلحة الملكية وعناصر البوليساريو، فأصبحوا هم ضحاياه.
وحتى عن المركبات التي احترقت، قالت المينورسو في تقريرها الرسمي: “كنا بعيدين، ولم نر كيف حدث ذلك”.
يبقى فقط، فإن مناوشات السباق نحو المناطق العازلة تبقى واردة جدا، لكن من المستبعد أن تنشأ حرب شاملة كتلك التي تكبد فيها البوليساريو الكثير الخسائر والأرواح والعتاد، وفقدنا فيها نحن الكثير من الشهداء الأوفياء للشعار الخالد: الله_الوطن_الملك.
هكذا تبدو الأمور حتى الساعة، لكن إذا اشتعلت الحرب فعلاً، فقد نعرف بدايتها، لكن لا أحد يمكن أن يتكهن نهايتها… لا المغرب ولا الجزائر ولا ترامب ولا بوتين ولا ليلى عبد اللطيف…
فرغم أن النظام العسكري الجزائري يروج عبر صفحاته وصحافته واعلامه المسير بالريموت كونترول من نادي الصنوبر، الملاذ المفضل للعسكر الجزائري حيث “القصاير والكاس يدور” أن روسيا حليفه الاستراتيجي… وما دامت الذكرى تنفع المؤمنين وغير المؤمنين، فلا بد أن نذكر اخواننا من أبناء الشعب الجزائري الشقيق بتصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف غداة انتهاء قمة البريكس، والذي اعتبر أن الدول التي رُفض انضمامها إلى مجموعة بريكس هي دول بلا وزن دولي، في إشارة واضحة إلى الجزائر التي قوبل طلبها بالرفض عكس ما تمنى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.
هذا الرفض ليس معزولاً لنظام معزول اصلا، فعلى الصعيد الإقليمي، وجدت الجزائر نفسها محاصرة وأبوابها مغلقة مع المغرب مالي وليبيا ،وعلاقاتها متوترة مع جيرانها وجوارها ولم يبق أمامها سوى قيس سعيد وتونس، التي ذهب إليها وزير الخارجية أحمد عطاف يشتكي من مستقبل قاتم ويدعو إلى رص الصفوف لكن مع من؟ مع نظام تونسي يمر بأزمة ديمقراطية واقتصادية عميقة، وأصبح رهينة لمساعدات جزائرية تقدر بـ 300 مليون دولار سنوياً.
أما الحليف الدولي الوحيد الذي استقبلته الجزائر مؤخراً، فهو وزير الخارجية الإيراني وهنا تكمن الخطورة والخطر: le risque de sécurité، فإيران هي العدو اللدود للولايات المتحدة، والتحالف معها في هذا التوقيت يضع الجزائر في قلب ما يسميه الغرب “محور الشر” وبذلك تكون الجزائر قد فتحت على شعبها أبواب جهنم بعد أن انتقلت الولايات المتحدة الأمريكية من لغة الدبلوماسية الناعمة إلى لغة التهديد المباشر.
فالولايات المتحدة الأمريكية تضع الجزائر اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانخراط في الحل السياسي الذي طرحه القؤار الأممي 2797 بتاريخ 30 اكتوبر 2025 لحل نزاع الصحراء، والمبني على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وإما إدراجها كدولة مارقة، تصدر الإرهاب وتدعم عدم الاستقرار في هته المنطقة الاستراتيجية بالنسبة لمصالحها الاستراتيجية والتجارية والاقتصادية.
لذلك يبدوا،أن كبسولة علاج traitement، غباء حكام العصابة الحاكم في الجزائر أصبحت جاهزة، وتستند إلى سلوك حكام الجزائر في المنطقة، سواء بدعمهم للبوليساريو أو بتورطهم في زعزعة استقرار منطقة الساحل والصحراء، لذلك فأن الجزائر لم يعد أمامها من مخرج سوى العودة إلى المغرب الجار وطرق ابواب القصر الملكي (الباب الوحيد)، عبر وساطات عربية، الشيء الذي يفرض على الدبلوماسية المغربية تجهيز ملفاتها من الآن، والاستعداد للتعامل مع أي تقارب قادم مع الجزائر من موقع القوة، وبمنطق المنتصر الذي يفرض شروط الاستسلام الغير المشروط.