تزامنا مع الاستهلاك الجنوني لرقائق الذاكرة المستخدمة في تشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي اشتكى كثير من المستهلكين ارتفاعا مهولا في أسعار المنتجات التكنولوجية خاصة الهواتف الذكية وأجهزة الحواسيب المحمولة.
وبينما يربط مهنيون الارتفاع المسجل بندرة بعض المكونات الإلكترونية وارتفاع تكاليف التزود بها في الأسواق الدولية، ترى جمعيات حماية المستهلك أن هذه التحولات، وإن كانت تؤثر بشكل طبيعي على الأسعار المحلية، لا تبرر تلقائيا الزيادات الكبيرة المسجلة ولا تعفي مختلف حلقات الاستيراد والتوزيع من مسؤوليتها.
الذكاء الاصطناعي يعيد ترتيب أولويات صناعة الرقائق
وفي حديثه لجريدة “العمق” أكد م.م الذي فضل عدم ذكر اسمه والذي يمتلك ثلاث شركات استيراد وتوزيع بالرباط أن الحواسيب المحمولة من الفئة الاقتصادية سجلت زيادة لا تقل عن 250 درهم في سوق الجملة. مشيرا الى أن هذه الزيادة قد تتسع أكثر بالنسبة للمستهلك النهائي الذي يقتني الأجهزة من المحلات التجارية العادية بالنظر الى تعدد الوسطاء المتدخلين في عملية التوزيع.
وعزا المتحدث هذه الزيادات الى ندرة بعض السلع الالكترونية، سيما شرائح الذاكرة وقطع الحواسيب المحمولة التي قال انها أصبحت صعبة التوفر في الأسواق الخارجية. مستشهدا بذاكرة الوصول العشوائية “الرام” من صنف DDR4 16 GB التي تحولت بحسب تعبيره الى منتج “نخبوي” بأسعار قياسية.
وتتوافق هذه المعطيات مع تصريحات مهنيين في سوق “الكزا” بالرباط. أكدوا بدورهم تسجيل ارتفاعات كبيرة في أسعار شرائح الحواسيب خصوصا الذاكرة “الرام” التي تضاعف سعرها على الأقل بأربع أو خمس مرات. فيما تجاوزت الزيادات في بعض المنتوجات 50 في المائة. بالتوازي مع ارتفاع متفاوت في أسعار الهواتف الذكية.
وفي السياق ذاته أوضح تاجر هواتف يملك محلا لبيع الأجهزة الالكترونية الحديثة والمستعملة بيعقوب المنصور أن الهواتف الذكية من صنف الفئة الاقتصادية بدأت بالفعل تشهد ارتفاعا غير مسبوق في الأسعار معتبرا أن موجة الغلاء الحالية لا يمكن تفسيرها بالرسوم الجمركية المغربية وحدها.
من جهتها سجلت الجامعة المغربية لحقوق المستهلك الضغوط المتزايدة التي ترتبت عن هذا التحول والتي أثرت في التوازن بين العرض والطلب في أسواق مكونات الذاكرة الالكترونية. وقد انعكست بحسبها هذه الضغوط على تكاليف التصنيع وأسعار البيع خاصة في الأسواق المستوردة التي تتأثر على نحو مباشر بتقلبات الأسعار الدولية.
وترى الجامعة أن شركات الذكاء الاصطناعي وان لم تكن الفاعل الوحيد في هذه المعادلة فقد أصبحت تشكل أحد المحركات الأساسية للطلب العالمي على الرقاقات.
وكما أوضح نبيل قليعي، الأمين العام لجمعية حماية وتوجيه المستهلك بالرباط أن النقاش المرتبط برسوم استيراد الهواتف الذكية على المستوى الوطني “يستوجب التمييز بين التعديلات التي عرفتها بعض المقتضيات الجمركية خلال السنوات الأخيرة وبين الرسوم المطبقة فعليا على المنتجات المعنية”.
وأضاف أنه “من الضروري العودة الى التعريفات الجمركية الرسمية بحسب التصنيف القانوني لكل منتج وعدم الخلط بين رسم الاستيراد والضريبة على القيمة المضافة وباقي التكاليف المرتبطة بالتسويق والتوزيع”. مؤكدا على أن تفسير الزيادات المسجلة في أسعار الهواتف الذكية لا ينبغي أن يتم بمعزل عن تطور السعر العالمي للمكونات الالكترونية وتكاليف الشحن والتوريد وتقلبات أسعار الصرف وهوامش الربح المعتمدة عبر مختلف حلقات التوزيع.
وأشار المتحدث ذاته الى أن هذه التحولات لا تقتصر على الجانب التجاري وانما تنعكس على الوضع الاجتماعي والاقتصادي والحقوقي للمواطنين بالنظر الى المكانة الأساسية التي تحتلها الهواتف الذكية في حياتهم اليومية، “سواء في التعليم أو العمل أو الولوج الى الخدمات الإدارية والمالية الرقمية”. معتبرا أن الأجهزة الذكية بوصفها “مدخلا للاندماج في المجتمع الرقمي”، يشكل ارتفاع أسعارها بالنسبة الى الأسر محدودة الدخل والشباب والطلبة الفئات الهشة عاملا إضافيا في تعميق “الفجوة الرقمية”.
جمعيات حماية المستهلك تحذر من استغلال الظرفية الدولية
في المقابل، لا تعتبر الجامعة المغربية لحقوق المستهلك أن التفسير المرتبط بالتحولات الدولية “كاف لتبرير جميع الزيادات المسجلة في السوق الوطنية”. مشددة على “ضرورة التمييز بين ارتفاع التكلفة الحقيقية للاستيراد وبين الممارسات التجارية التي قد تستغل الظرفية لتبرير زيادات غير متناسبة”.
ومن جانبه، لم يستبعد وديع مديح، الرئيس العام للجامعة الوطنية لجمعيات المستهلك، انعكاس دينامية الأسواق الخارجية على أسعار المنتجات الإلكترونية داخل المغرب، لكنه استنكر أن تتحول هذه السياقات إلى مبرر لزيادات إضافية متعمدة أو غير مشروعة.
واعتبر مديح أنه من غير المقبول أن يلجأ البائع إلى تبرير زيادة غير معقولة في سعر منتج بمجرد ارتفاع تكلفة شريحة أو أحد المكونات التي تدخل في تصنيعه، مؤكدا أن أي زيادة في أسعار السلع والخدمات خلال الظرفية الحالية تنعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمستهلك، خصوصا عندما يضطر إلى اقتناء منتجات أساسية على حساب أولويات أخرى.
وفي هذا الصدد، شكك المتحدث في قدرة التفسيرات التي يقدمها بعض تجار الجملة على تبرير الفوارق الكبيرة في الأسعار، معتبرا أن الزيادات المسجلة، مهما كانت حدتها على مستوى الأسواق الدولية، لا يمكن أن تفسر وحدها فروقا وصفها بالخيالية.
واستشهد مديح بالفارق السعري بين هاتف “آيفون 18 برو ماكس” في فرنسا ونظيره المعروض في المغرب، والذي قال إنه يناهز 3000 درهم. معتبرا أن هذا “الفارق الشاسع” يستدعي مساءلة تعدد الوسطاء وحلقات التوزيع، خاصة عندما يتعذر تفسيره بالرسوم الضريبية أو بتقلبات الأسواق العالمية.
وأوضح أن القانون لا يحدد هوامش الربح المعتمدة في بيع الهواتف الذكية، إذ تظل الأسعار خاضعة، بحسبه، لقواعد العرض والطلب في إطار مبدأ المنافسة الحرة غير أنه تأسف لكون جزء كبير من القطاع لا يزال “خارج التغطية” في إشارة إلى ضعف هيكلته وتنظيمه.
كما أثار المتحدث تساؤلات بشأن الوضعية القانونية لبعض حلقات التوريد، مشيرا إلى أن “درب غلف” يشكل أحد أبرز مصادر تموين السوق المغربية بالأجهزة الإلكترونية. محذرا في الان ذاته من وجود وسطاء يستغلون الظروف الاقتصادية وتقلبات السوق لتحقيق أرباح إضافية بدل الاكتفاء بانعكاس التكلفة الفعلية على الأسعار واصفا هؤلاء الموردين ب”الشناقة”.
واختتم مديح تصريحه بالتأكيد على أن القانون الضريبي لسنة 2026 لم يتضمن، بحسب اطلاعه، زيادات من شأنها التأثير بصورة كبيرة على أسعار الأجهزة الإلكترونية وهو ما يدفع إلى ضرورة البحث عن العوامل الأخرى المتحكمة في تحديد الأسعار النهائية.