تسقيف سن اجتياز مباراة التعليم في 40 سنة بين تكافؤ الفرص والحق الدستوري
منتدى العمق

تسقيف سن اجتياز مباراة التعليم في 40 سنة بين تكافؤ الفرص والحق الدستوري

ليس من العدل أن يتحول السن إلى حاجز يحول دون تحقيق الكفاءة، وليس من الإنصاف أن تُختزل سنوات التجربة والخبرة والتحصيل العلمي في رقم يحدد فرص الإنسان في العطاء، إن قرار تسقيف سن اجتياز مباراة التعليم في أربعين سنة يطرح إشكالا حقوقيا ودستوريا وتربويا يستحق نقاشا جادا، ألنه ال يتعلق بمجرد شرط إداري عابر، بل بمبدأ تكافؤ الفرص، والحق في الشغل، والمساواة أمام القانون.

إن التعليم ليس مهنة تقاس فيها الكفاءة بعدد السنوات التي تفصل الشخص عن سن الأربعين، وإنما رسالة تتطلب التكوين العلمي، والتمكن المعرفي، والخبرة المهنية، والقدرة على التواصل والتربية والتأطير، ومن غير المنطقي أن يُحرم شخص حاصل على الشهادة الجامعية التي تخول له اجتياز هذه المباراة، والذي راكم سنوات طويلة من الممارسة التربوية، وأثبت كفاءته في ميدان التدريس، من حق الترشح لمباراة التعليم لمجرد تجاوزه سنا إداريا محددا.

فكيف يمكن للدولة أن تتحدث عن تثمين الرأسمال البشري والاستثمار في الكفاءات، ثم تستبعد فئة من المواطنين تمتلك مؤهلات علمية وتجارب مهنية قد تشكل إضافة نوعية للمدرسة العمومية؟

حين يصبح العمر معيارا لإقصاء بدل أن تكون الكفاءة معيارا للاستحقاق

إن الفصل 31 من دستور المملكة المغربية واضح في تأكيده أن ولوج الوظائف العمومية حق يتم وفق مبدأ الاستحقاق، كما ينص الفصل 154 على المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إلى المرافق العمومية، ومن هنا يبرز التساؤل الدستوري المشروع:إلى أي حد ينسجم اعتماد شرط السن مع هذه المبادئ، إذا كان يؤدي إلى إقصاء مواطنين تتوفر فيهم الشروط العلمية والمهنية المطلوبة؟

إن الاستحقاق ينبغي أن يُقاس بما يمتلكه المترشح من مؤهلات علمية، وقدرات معرفية، وكفاءات بيداغوجية، وليس بمجرد تاريخ ميلاده، فالمباراة ُوجدت أساسا لتمييز الأكفأ من بين المترشحين، ال إلقصاء فئة منهم قبل أن تتاح لها فرصة إثبات جدارتها، وإذا كانت الدولة تشترط الكفاءة والنجاعة في أداء الوظيفة العمومية، فمن حق المواطن أن يتساءل عن الأساس الموضوعي الذي يجعل سن الأربعين فاصال بين من يُسمح له بالتباري ومن يُحرم من ذلك.

ولا يعني هذا أن كل تحديد للسن يُعد تلقائيا مخالفا للدستور، وإنما يقتضي الأمر أن يكون هذا التحديد مؤسسا على مبررات موضوعية ومتناسبة مع طبيعة الوظيفة، وأال يتحول إلى وسيلة لإقصاء غير المبرر أو التمييز بين مواطنين تتساوى مؤهلاتهم.

أربعون سنة ليست نهاية العطاء

إن بلوغ الأربعين لا يعني فقدان القدرة على التعلم أو التدريس أو الإبداع، بل قد يكون مرحلة من النضج الفكري والاستقرار النفسي والتراكم المهني، وهناك من قضى سنوات في التعليم الخصوصي، أو في البحث العلمي، أو في التكوين والتأطير، واكتسب خبرات ال يمكن تجاهلها عند الحديث عن جودة المدرسة العمومية.

فلماذا لا تُحتسب هذه التجارب رصيدا إيجابيا؟ ولماذا يُحرم أستاذ راكم سنوات من الخبرة المعرفية والميدانية في مجال التدريس، من حق المنافسة على منصب تعليمي، في الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون المدرسة العمومية في حاجة إلى الكفاءات والخبرات؟

إن إقصاء هذه الفئة لا يمثل خسارة فردية فقط، بل قد يشكل هدرا لرأسمال بشري واستثمار علمي ومهني كان من الممكن أن تستفيد منه المنظومة التربوية.

ازدواجية المعايير في تحديد سن الولوج

من المفارقات التي تستحق النقاش أن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية يحدد، من حيث الأصل، سنا أقصى للولوج إلى الوظيفة العمومية يبلغ 45 سنة، مع وجود استثناءات قانونية، بينما ظلت مباريات التعليم خاضعة لشروط عمرية خاصة، رهينة بأسباب واهية، وهذا يطرح سؤالا حول مبررات اعتماد سقف أقل في قطاع التعليم مقارنة بقطاعات عمومية أخرى.

كما أن الفصل 22 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية يؤكد ضرورة ضمان المساواة بين جميع المترشحين لولوج المنصب نفسه، وال سيما من خالل المباراة، ويؤكد المرسوم المنظم لمباريات التوظيف ضرورة ضمان تكافؤ الفرص وتساوي الحظوظ بين المترشحين.

فإذا كانت المباراة هي الآلية القانونية لاختبار الكفاءة والاستحقاق، فلماذا لا يُترك للمترشحين، مهما اختلفت أعمارهم، حق التنافس وفق معايير موحدة وموضوعية؟

إصلاح يتجاوز رفع السن إلى إلغاء الإقصاء

إن التوجه نحو رفع سقف السن إلى أربعين سنة، الذي أُعلن عنه اليوم 3 نونبر 2026 من طرف وزير التربية الوطنية محمد نبيل بنعبد الله، يمثل تطورا في النقاش حول هذه القضية، لكنه لا ينهي الإشكال بالنسبة إلى من تجاوزوا الأربعين، وال سيما أصحاب الشهادات العليا والتجارب المهنية الطويلة، وال يزال هذا التوجه في انتظار التنزيل الرسمي.

إن المطلب الأكثر إنصافا هو إعادة النظر في فلسفة تسقيف السن، والعودة إلى السن المعمول به في الإطار العام للوظيفة العمومية، أو إلغاء الشرط العمري غير المبرر، مع الإبقاء على المعايير الموضوعية المرتبطة بالكفاءة والاستحقاق والقدرة على أداء المهام.

فليس من المقبول أن نقول للشباب إن أبواب الاجتهاد مفتوحة، ثم نغلقها في وجههم عندما تتجاوز أعمارهم الثالثين أو الأربعين.وليس من المعقول أن نطالب المواطن بالاستثمار في تكوينه العلمي والمهني، ثم نعاقبه على سنوات قضاها في التعلم والعمل واكتساب الخبرة.

إن الدستور ليس مجرد نصوص تُزين الوثائق الرسمية، بل هو تعاقد يضمن الحقوق ويؤطر السياسات العمومية، ومن واجب المؤسسات أن تجعل قراراتها منسجمة مع روحه ومبادئه، وفي مقدمتها المساواة وتكافؤ الفرص والاستحقاق.

لسنا ضد الشباب، ولسنا ضد تجديد الأطر، ولسنا ضد ضخ دماء جديدة في المدرسة العمومية؛ إننا ضد إقصاء الكفاءات بسبب العمر، فالتعليم يحتاج إلى طاقات الشباب، كما يحتاج إلى حكمة ذوي التجربة وخبرتهم.

إن الأربعين ليست نهاية العمر المهني، وليست إعالنا عن انتهاء صالحية الإنسان للعطاء، إنها مرحلة قد تجتمع فيها المعرفة بالتجربة، والطموح بالنضج، والتكوين بالممارسة.

دعوا الكفاءة تتبارى، ودعوا الاستحقاق يحكم، ولا تجعلوا من السن جدارا يحجب الكفاءات عن المدرسة العمومية.

 *طالب باحث في سلك الدكتوراه، جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط