الحسين خاوتي
وجهة نظر

شجاعة الحوار أم شجاعة تسمية الأشياء بأسمائها؟ مطالبة الرباط وحدها بالصلح

بعض المفارقات السياسية تستحق التأمل لأنها تضع أمام القارئ أسئلة عن معنى المسؤولية الوطنية، وعن حدود الخطاب السياسي، وعن الفاصل بين الموقف الأخلاقي والقراءة الواقعية لموازين العلاقات الدولية.

من هذه المفارقات ما صدر عن تحالف اليسار في الجلسة المشتركة لمجلسي البرلمان، المنعقدة عقب اجتماع مجلس الأمن بشأن قضية الصحراء المغربية، وما تلاها من بلاغ للديوان الملكي. نداء التحالف دعا المغرب إلى الشجاعة السياسية، وإلى فتح قنوات الحوار المباشر مع النظام الجزائري، وإعادة بناء الثقة، وطيّ منطق العداء والتصعيد.

الدعوة إلى الحوار قيمة سياسية وإنسانية نبيلة، وبناء المغرب الكبير حلم تاريخي جدير بالدفاع عنه. غير أن نبل المقاصد لا يعفي أصحاب المبادرات من التدقيق في الوقائع، ولا يمنحهم حق توزيع المسؤوليات بميزان يسقط طرفا من الحساب ويضع الطرف الآخر في امتحان دائم لحسن النية.

الشجاعة المطلوبة تستحق التحديد. المغرب، عبر المؤسسة الملكية، أعلن في مناسبات متعددة استعداده لفتح صفحة جديدة مع الجزائر، ومد يده إلى قيادتها، ودعا إلى حوار صريح ومسؤول يضع مصلحة الشعبين فوق الحسابات الظرفية والسياسية الضيقة. الدعوة الملكية الجديدة جددت هذا التوجه، وطلب الشجاعة من المغرب بعدها يحتاج إلى تفسير سياسي مقنع.

أين تتجسد الشجاعة الإضافية التي ينتظرها التحالف من الرباط؟ في تكرار الدعوة نفسها بصياغات متنوعة؟ أم في مبادرات جديدة، والطرف الآخر يملك القدرة على الاستجابة، ويملك من الوسائل الدبلوماسية ما يتيح له فتح صفحة جديدة؟ الحوار طريق ذات اتجاهين، واستعادة الثقة عمل يتقاسمه الطرفان. والخطاب الذي يخاطب طرفا واحدا يعفي الممتنع من نصيبه في المسؤولية، عن قصد أو دون قصد.

قد يرى المدافعون عن التحالف أن صاحب الأفضلية الدبلوماسية يملك زمام المبادرة، وأن نقد الدولة من الداخل حق أصيل للمعارضة. الشق الثاني صحيح، والمعارضة تمارسه بلا حرج. الشق الأول يحتاج إلى جواب: المبادرة المغربية وقعت وتكررت في خطب ومناسبات متعددة، ولم تقابلها الجزائر بخطوة مماثلة. ومن يطالب بمبادرة جديدة بعد مبادرة بلا جواب يطالب في الواقع بتنازل.

معطيات سياسية تفرض نفسها على أي قراءة موضوعية للعلاقات المغربية الجزائرية. المغرب لم يمس وحدة الجزائر الترابية، ولم يجعل من دعم الحركات الانفصالية داخلها سياسة معلنة. الجزائر، في المقابل، تقدم لجبهة البوليساريو دعما سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا، وتضع ثقلها الإقليمي والدولي في خدمة مشروع الانفصال عن المغرب.

هذا الاختلاف في طبيعة المواقف يستحق مكانا واضحا في أي تحليل يبحث عن جذور الأزمة. واجب التهدئة يقع على الطرفين، ولا يلغي ذلك الفارق بينهما في أسباب التوتر وأدوات استمراره. والخطاب الرسمي يشهد على الفارق نفسه: تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون ما زالت تستحضر العلاقة مع المغرب بنبرة تصعيدية تعطل تهيئة شروط المصالحة، وتتبنى منابر إعلامية رسمية جزائرية منحى عدائيا في برامجها وتعليقاتها.

تلك المعطيات تعيد السؤال إلى موضعه: لماذا يتجه النداء إلى مطالبة المغرب بالشجاعة، والخطاب الجزائري هو الذي يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بمسؤوليته عن استمرار القطيعة؟

من حق تحالف اليسار أن يدافع عن الحوار، وأن ينتقد اختيارات الدولة، وأن يطالب بإصلاحات داخلية تعزز الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وهذا جزء أصيل من وظيفة المعارضة. غير أن رصيد المعارضة النقدي يتآكل بفصل الموقف الأخلاقي عن شروطه الواقعية، وبمعاملة العلاقات الدولية بنداء معزول عن موازين المصالح والمسؤوليات. كان المنتظر من التحالف دعوة متوازنة إلى القيادتين، تسمي الوقائع ومصادر التوتر، وتطالب الجزائر بخطوات ملموسة تعكس استعدادا فعليا للحوار. المصالحة إرادة متبادلة، ومراجعة للمواقف، واحترام متبادل للسيادة الوطنية.

التوقيت يمنح المداخلة دلالة سياسية إضافية: جاءت عقب تطور أممي مفصلي في قضية الصحراء المغربية، وبعد بلاغ ملكي رسم معالم المرحلة المقبلة. المنتظر من خطاب مسؤول أن يقرأ هذه التحولات بموازينها الدبلوماسية، وأن يفرق بين المبادرة إلى السلام والتنازل تحت ضغط النداءات الأخلاقية.

المغرب يمد يده إلى الجزائر ولا يطلب شهادة في حسن النية ولا دروسا متكررة في فضائل التسامح. حاجته إلى إرادة سياسية متبادلة تعترف بجذور الخلاف، وتحترم السيادة، وتطوي سياسات التصعيد والتحريض، وتفتح الباب أمام علاقات طبيعية بين شعبين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والروابط الإنسانية. والصلح الجدير باسمه ثمرة استجابة من الطرف الآخر، ومراجعة لخياراته، وإرادة عملية تنقل العلاقات من الخصومة إلى التعاون. تجديد المبادرة من جهة واحدة في مناسبات متعاقبة لا يصنعه.

لتحالف اليسار أن يدافع عن المصالحة خيارا استراتيجيا، وأن يطالب الدولة بالحوار والانفتاح. وله كذلك التزام بالشجاعة السياسية نفسها في تسمية الطرف المسؤول عن استمرار القطيعة، وفي مساءلة الخطاب الذي يغذي العداء، وفي التمييز بين من يمد اليد ومن يصر على إبقائها معلقة. عبء الدعوة إلى الصلح لا ينبغي أن يستقر على كتف المغرب وحده، والحكمة تأبى مطالبة الرباط بالشجاعة في طلب الحوار وإعفاء الجزائر من شجاعة الاستجابة إليه.

المصالحة المغاربية تنتظر شجاعة سياسية يتبادلها الطرفان: شجاعة الاعتراف بالحقيقة، وشجاعة مراجعة المواقف، وشجاعة وضع مصلحة الشعوب فوق حسابات الخصومة.