“أموال طائلة وغيابات غير مبررة”.. سلطات البيضاء تلاحق “مقاطعي” الدورات التكوينية للمنتخبين
منوعات

“أموال طائلة وغيابات غير مبررة”.. سلطات البيضاء تلاحق “مقاطعي” الدورات التكوينية للمنتخبين

طالب عدد من عمال العمالات والأقاليم بجهة الدار البيضاء سطات بالحصول على معطيات دقيقة وتقارير مفصلة بشأن أسباب غياب عدد من المنتخبين عن الدورات التكوينية التي جرى تنظيمها في إطار برامج تستهدف تقوية قدراتهم وتأهيلهم في مجال تدبير الشأن المحلي، وذلك في سياق تنامي التساؤلات حول مدى التزام أعضاء المجالس المنتخبة بالاستفادة من فرص التكوين المستمر المتاحة لهم.

وأفادت مصادر عليمة لجريدة “العمق المغربي” بأن عددا من المسؤولين الترابيين توصلوا بتقارير أولية تتضمن معطيات حول عدم التزام مجموعة من المنتخبين الذين وجهت إليهم دعوات رسمية لحضور دورات تكوينية، تروم تمكينهم من اكتساب معارف ومهارات جديدة في قطاعات ومجالات مرتبطة باختصاصات الجماعات الترابية، وتعزيز قدراتهم في ممارسة مهامهم الانتدابية وفق القوانين والمساطر الجاري بها العمل.

وأضافت المصادر ذاتها أن هذه التقارير دفعت إلى إثارة مسألة أسباب الغياب، ومدى وجود مبررات موضوعية تفسر عدم مشاركة بعض المنتخبين في هذه البرامج، خاصة أن الأمر يتعلق بدورات تستهدف الرفع من كفاءة أعضاء المجالس المنتخبة في تدبير الملفات المحلية، والتعامل مع التحديات الإدارية والمالية والتقنية التي تواجه الجماعات الترابية خلال الولاية الانتدابية.

وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة بالنظر إلى حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق المنتخبين، باعتبارهم يشرفون على تدبير ميزانيات سنوية بملايين الدراهم، ويتخذون قرارات تتعلق ببرمجة المشاريع التنموية والمصادقة على الصفقات والاتفاقيات، فضلا عن تتبع تنفيذ البرامج والمرافق العمومية.

وهو ما يطرح إشكالية مدى التوفيق بين حجم الاختصاصات والصلاحيات الممنوحة للمجالس المنتخبة، ومستوى التأهيل المعرفي والتقني الذي يتوفر عليه بعض أعضائها.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التكوين المستمر باعتباره آلية أساسية لتطوير أداء المنتخبين، وليس مجرد نشاط تكويني شكلي أو مناسبة تواصلية عابرة، خصوصا في ظل التحولات التي يعرفها التدبير الترابي، وتزايد تعقيد الملفات المرتبطة بالتعمير والمالية المحلية والصفقات العمومية والبيئة والنقل والتجهيز والتدبير المفوض.

كما أن الإلمام بالمقتضيات القانونية والتنظيمية أصبح ضرورة لتفادي القرارات غير السليمة، والحد من الاختلالات التي قد تنتج عن ضعف المعرفة بالاختصاصات والمساطر.

وتشير المقتضيات القانونية المنظمة لهذا الورش إلى أن مسؤولية تنزيل برامج التكوين المستمر لا تقع على عاتق وزارة الداخلية وحدها، وإنما تتوزع بين مختلف مستويات الجماعات الترابية، وفي مقدمتها مجالس الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات.

وفي هذا الإطار، أناط المرسوم رقم 2.16.297 بالجهات مهمة الإشراف على التكوين المستمر لفائدة أعضاء مجالس الجماعات الترابية، من خلال إحداث لجنة جهوية تتولى إعداد التصميم المديري الجهوي للتكوين، ووضع البرامج السنوية، وتحديد الفئات المستفيدة، إلى جانب ضبط المدة الزمنية والميزانية المخصصة لتنفيذ هذه البرامج.

وتبرز أهمية هذه اللجنة في كونها تشكل الإطار المؤسساتي المسؤول عن التخطيط والتنسيق والتتبع والتقييم، إذ يتعين عليها عقد اجتماعاتها مرتين على الأقل خلال السنة، فضلا عن إعداد تقرير سنوي حول حصيلة برنامج التكوين المستمر عند نهاية شهر نونبر.

وهي مقتضيات تفتح المجال أمام مساءلة المجالس الجهوية بشأن مدى انتظام اجتماعات هذه اللجان، وحجم البرامج التي جرى تنفيذها، وعدد المنتخبين الذين استفادوا فعليا من الدورات التكوينية، ومدى انعكاس هذه البرامج على تحسين جودة التدبير المحلي.

ولا يتوقف النقاش عند مسألة الحضور والغياب، بل يمتد أيضا إلى الجانب المالي، بعدما حدد المرسوم مساهمة الجهة في ما لا يقل عن 25 في المائة من مصاريف البرنامج السنوي للتكوين المستمر، مقابل تحمل العمالات والأقاليم والجماعات الترابية النسبة المتبقية، وفق عدد أعضاء المجالس المستفيدين.

وهو ما يطرح تساؤلات حول حجم الاعتمادات المالية التي جرى رصدها خلال السنوات الأخيرة، ومدى انتظام المساهمات المالية لمختلف المتدخلين، فضلا عن مدى التناسب بين الأموال المرصودة والنتائج المحققة على مستوى التأهيل والتكوين.

كما تثير هذه التطورات ضرورة إخضاع حصيلة برامج التكوين لنوع من التقييم الموضوعي، لا يقتصر على عدد الدورات المنظمة أو الدعوات الموجهة للمنتخبين، وإنما يشمل أيضا نسبة الحضور الفعلي، وطبيعة المواضيع التي جرى تناولها، ومدى ارتباطها بالإشكالات الحقيقية التي تواجه المجالس المنتخبة.

فنجاح هذا الورش يقتضي الانتقال من منطق تنظيم اللقاءات التكوينية إلى منطق قياس أثرها على أداء المنتخبين، ومدى قدرتهم على اتخاذ قرارات أكثر نجاعة وملاءمة للقوانين المؤطرة للتدبير الترابي.

وفي انتظار استكمال المعطيات المرتبطة بأسباب الغياب وحصيلة البرامج المنجزة، يبدو أن تحرك عدد من عمال العمالات والأقاليم بجهة الدار البيضاء سطات يعيد إلى الواجهة ملف التكوين المستمر للمنتخبين، ومدى جدية مختلف المؤسسات المعنية في تنزيله باعتباره التزاما مؤسساتيا ورهانا لتحسين الحكامة المحلية.

ويضع المجالس المنتخبة أمام مسؤولية أكبر في ضمان استفادة أعضائها من فرص التأهيل المتاحة، خاصة أن تدبير المال العام والمشاريع والصفقات العمومية يفرض قدرا عاليا من الكفاءة والإلمام بالقوانين والمساطر، بما يجعل التكوين ضرورة مرتبطة بحسن ممارسة المسؤولية الانتدابية وليس مجرد اختيار ثانوي.