الأمين العام للحكومة يدعو إلى “ذكاء قانوني” لمواجهة الخوارزميات وتفادي التضخم التشريعي
سياسة

الأمين العام للحكومة يدعو إلى “ذكاء قانوني” لمواجهة الخوارزميات وتفادي التضخم التشريعي

أكد حسن طارق، الأمين العام للحكومة، أن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، سواء على المستوى المناخي أو التكنولوجي، إلى جانب التطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تفرض إعادة التفكير في وظيفة القاعدة القانونية، وجعلها أكثر ذكاء ومرونة وقدرة على استباق التحولات ومواكبة المستجدات.

وأوضح طارق، خلال تقديم الميزانية الفرعية للأمانة العامة للحكومة برسم سنة 2027 أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، أن المجتمع والدولة يشهدان تحولات عميقة في طبيعة الحاجيات والأدوار والوظائف، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على مفهوم القانون والحقوق والحريات، وعلى آليات تدخل الدولة في المجال العمومي.

وأشار المسؤول الحكومي إلى أن الدولة لم تعد تقتصر على أدوار التأطير والتنظيم وترك باقي المجالات لقواعد السوق والتنظيم الذاتي، بل شهدت وظائفها تحولا أعاد تشكيل طبيعة تدخلها التشريعي وآليات إنتاج القواعد القانونية، مبرزا أن التشريع أصبح يواجه بدوره منافسة متزايدة من آليات تنظيمية جديدة، في مقدمتها الخوارزميات التي باتت تؤثر في مجالات التنظيم وصناعة القرار العمومي.

وأضاف أن بعض الوظائف التي كانت تمارس سابقا من خلال القرارات والمراسيم يمكن أن تتولاها اليوم الأنظمة التكنولوجية والخوارزميات، وهو ما يستدعي الانتباه إلى هذه التحولات وإدماجها في التفكير القانوني، بما يضمن تطوير ما وصفه بـ”الذكاء القانوني” وإعادة النظر في طبيعة القاعدة القانونية ووظائفها.

دعوة إلى تفادي التضخم التشريعي

وفي السياق ذاته، شدد الأمين العام للحكومة على ضرورة مقاومة ما سماه “إغراء الحتمية المعيارية”، محذرا من الاعتقاد بأن كل إشكال يطرح على مستوى السياسات العمومية يستوجب بالضرورة إصدار نص قانوني جديد.

واعتبر أن كثافة التشريعات وتعدد النصوص القانونية يفرضان على المشرع اعتماد تدخلات دقيقة وانتقائية، تتسم بالذكاء والنجاعة، تفاديا لإنتاج تضخم تشريعي وقانوني قد يؤثر في انسجام المنظومة القانونية وفعاليتها.

وأكد طارق أن الأمانة العامة للحكومة تضطلع بدور أساسي في مواكبة المسار التشريعي، مشيدا بالدور الذي تضطلع به لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب في تجويد النصوص القانونية وإغناء النقاش التشريعي، واصفا إياها بـ”المختبر الحقيقي” للتشريع والحجاج والتفكير الجماعي.

1800 نص تشريعي وتنظيمي خلال الولاية السابقة

وبخصوص حصيلة عمل الأمانة العامة للحكومة خلال الولاية التشريعية السابقة، كشف طارق أن مجموع النصوص التشريعية والتنظيمية المصادق عليها بلغ نحو 1800 نص، من بينها 138 قانونا، تتوزع على 12 قانونا تنظيميا وقانونين إطارين و124 قانونا عاديا.

وأضاف أن الحصيلة المسجلة خلال السنة الجارية شملت قانونين تنظيميين و29 قانونا عاديا و32 اتفاقية دولية، إلى جانب 105 مراسيم تنظيمية.

وأوضح أن هذه النصوص همت مجموعة من الأوراش الاستراتيجية المرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين، من بينها الحماية الاجتماعية والمنظومة الصحية والانتخابات والمالية والاستثمار والتربية والتكوين والبحث العلمي، فضلا عن تنظيم المهن القانونية والقضائية وإصلاح الإدارة والتنظيم الذاتي للصحافة ورقمنة المنظومة الصحية.

وصنف الأمين العام للحكومة هذه الأوراش ضمن ثلاثة توجهات رئيسية، أولها مواكبة التحول نحو الدولة الاجتماعية، من خلال التشريعات المرتبطة بالحماية الاجتماعية والصحة والتربية والتكوين، وثانيها دعم الدولة الديمقراطية عبر النصوص المتعلقة بإصلاح الإدارة والقوانين الانتخابية، فيما يرتبط التوجه الثالث بالتشريع المهني وتنظيم المهن، بما يشمل التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة والمهن القانونية والقضائية.

أكثر من 1800 ترخيص للمهن الصحية و342 ترخيصا للمهن التقنية

وعلى مستوى المهام غير التشريعية للأمانة العامة للحكومة، أفاد طارق بأن المؤسسة أصدرت 1842 ترخيصا تتعلق بالمهن الصحية، تشمل المهن الطبية وشبه الطبية والصيدلية، إلى جانب 342 ترخيصا مرتبطا بالمهن التقنية، خاصة ما يتعلق بالمهندسين والترخيص بحمل لقب مهندس.

كما سجلت المطبعة الرسمية نشر نحو 3500 نص، مع سحب ما يقارب 119 ألف نسخة، فيما بلغ عدد الآراء الاستشارية التي قدمتها اللجنة المختصة في مجال الطلبيات العمومية ما بين 211 و212 رأيا، مقابل ما لم يكن يتجاوز 120 رأيا خلال السنوات السابقة.

واعتبر أن تطور الطلب على هذه الآراء يعكس تنامي أهمية الدور الاستشاري للأمانة العامة للحكومة في مجال الطلبيات العمومية، بالنظر إلى ارتباطه بقضايا الحكامة والشفافية والتخليق.

الجودة والرقمنة والحكامة ضمن أولويات 2027

وبخصوص برنامج عمل الأمانة العامة للحكومة برسم سنة 2027، حدد حسن طارق أربعة توجهات أساسية، في مقدمتها الجودة باعتبارها قيمة ناظمة لعمل المؤسسة، من خلال تحسين صياغة النصوص القانونية وتعزيز التنسيق القانوني داخل الحكومة، وضمان سلامة التشريعات وانسجامها مع الدستور وباقي مكونات المنظومة القانونية.

وأكد أن تحقيق هذا الهدف يقتضي تعزيز التعاون مع لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات، وتطوير آليات المواكبة والاستشارة القانونية لفائدة الحكومة ومختلف القطاعات الوزارية.

ويتمثل التوجه الثاني في تسريع ورش الرقمنة وتحديث وسائل العمل، من خلال رقمنة مساطر إيداع ودراسة مشاريع النصوص التشريعية والتنظيمية، واستكشاف إمكانات توظيف التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في دعم القدرات البحثية والتحليلية للأمانة العامة، وتسريع معالجة الملفات وتحسين جودة الخدمات.

أما التوجه الثالث فيتعلق بتثمين الرصيد المؤسساتي للأمانة العامة للحكومة، عبر المحافظة على ذاكرتها وخبراتها القانونية المتراكمة، وتوثيق الاجتهادات والمعارف التي راكمتها أطر المؤسسة، إلى جانب تطوير آليات الإنتاج القانوني واليقظة التشريعية.

فيما يرتبط التوجه الرابع بتعزيز الحكامة والنجاعة المؤسساتية، من خلال تكريس مبادئ الوضوح والشفافية والموضوعية في تدبير المساطر، سواء المتعلقة بالجمعيات أو بالخدمات المقدمة للمهن المنظمة، فضلا عن ترسيخ البعد الأخلاقي في تدبير الطلبيات والصفقات العمومية.

ميزانية 2027 ترتفع إلى 188 مليون درهم

وفي ما يتعلق بالجانب المالي، كشف الأمين العام للحكومة أن الاعتمادات المخصصة للمؤسسة برسم سنة 2026 تجاوزت 175 مليون درهم، فيما بلغ مجموع النفقات المنفذة إلى غاية نهاية أكتوبر الماضي نحو 138 مليون درهم، بنسبة تنفيذ في حدود 73 في المائة.

وأعرب عن إمكانية رفع هذه النسبة إلى 98 في المائة مع نهاية السنة المالية، بالنظر إلى طبيعة النفقات المبرمجة.

وبخصوص مشروع الميزانية الفرعية لسنة 2027، أوضح طارق أن الغلاف المالي الإجمالي سيبلغ نحو 188 مليون درهم، بزيادة تناهز 7 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، وبفارق يقدر بنحو 12 مليون درهم.

وتتوزع هذه الاعتمادات على 162 مليون درهم مخصصة لنفقات التسيير، و25 مليون درهم للاستثمار، فيما تشمل ميزانية التسيير 131 مليون درهم لنفقات الموظفين، و31 مليون درهم للمعدات والنفقات المختلفة.

وخلص الأمين العام للحكومة إلى التأكيد أهمية تعزيز التنسيق والتعاون مع لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات، مقترحا برمجة آلية للتنسيق المشترك وتنظيم أيام دراسية، إلى جانب زيارة أعضاء اللجنة للأمانة العامة للحكومة، بما يتيح تعميق النقاش وتطوير الشراكة المؤسساتية في المجال التشريعي.