محمد شقير
وجهة نظر

إنهاء مهام المينورسو بالأقاليم الجنوبية بين الإعلان والاجرأة

تعتبر إنهاء مهام بعثة المينورسو بالأقاليم الصحراوية محطة مفصلية في تدبير قضية الصحراء المغربية، بحيث لا تقتصر على إنهاء وجود بعثة أممية استمر 35 سنة، بل تعكس انتقالاً في التصور المغربي من تدبير النزاع في إطار آليات دولية تقليدية إلى إعادة ترتيب شروط التعامل معه على أساس التحولات السياسية والدبلوماسية التي عرفها هذا الملف. وهكذا تكتسي هذه المرحلة أهمية خاصة من خلال التمييز بين مستويين متكاملين:

– البلاغ الملكي ل 31 أكتوبر 2026 الذي حدد التوجه السياسي والاستراتيجي للدولة المغربية.

– الأجرأة الملكية من خلال جلسة عمل المنعقدة في 3 نونبر 2026 التي تترجم هذا التوجه إلى تدابير مؤسساتية وأمنية وإدارية وتنموية ملموسة.

أولاً: البلاغ الملكي والانتقال من منطق التدبير إلى منطق التحول

تنبغي الإشارة إلى أنه عندما تأسست المينورسو سنة 1991، كانت مهمتها الأساسية مرتبطة بتنفيذ مخطط التسوية الذي يتضمن تنظيم استفتاء لتقرير المصير.غير أن الصعوبات المرتبطة بتحديد هوية الناخبين والخلاف حول الهيئة الناخبة حالت دون تنظيمه. ليقدم المغرب في سنة 2007 مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها تصوراً لحل سياسي يقوم على تدبير الأقاليم الصحراوية في إطار السيادة المغربية.وهنا حصل تحول مهم في المقاربة المغربية: ففي مرحلة التسعينيات من القرن الماضي، كان الملف يتحرك ضمن آليات مخطط التسوية والاستفتاء. لكن ابتداء من سنة 2007، أصبح المغرب يركز على بناء تسوية سياسية قائمة على الحكم الذاتي. ليعمل المغرب خلال السنوات اللاحقة، على توسيع الدعم الدولي لمبادرته باعتبارها أساساً للتفاوض.وبالتالي، أصبح هناك تفاوت بين التطور الذي عرفته المقاربة السياسية المغربية وبين الوظيفة التي تحملها المينورسو في تسميتها ومرجعيتها الأصلية. حيث بدأ المغرب يعتبر المينورسو عبئاً سياسياً أكثر منها آلية لحل النزاع. فمن وجهة النظر المغربية، أدى استمرار المينورسو على مدى 35 سنة، رغم عدم تنظيم الاستفتاء، إلى الإبقاء على القضية ضمن إطار نزاع دولي مفتوح، مع استمرار إدراجها في جدول أعمال مجلس الأمن وإصدار تقارير دورية بشأنها.وقد عبّر بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر 2026 صراحة عن هذا التصور، عندما اعتبر أن البعثة أصبحت مرتبطة بسياق تاريخي متجاوز، وأن وجودها ساهم في تدويل النزاع. كما أصبح المغرب يرى أن المرجعية السياسية التي تأسست عليها المينورسو لم تعد تعكس بالضرورة مسار التسوية الذي يدافع عنه، خصوصاً بعد أن أصبحت مبادرة الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات في قرار مجلس الأمن 2797 لسنة 2025.من هنا يمكن افتراض أن المغرب كان يسعى إلى الانتقال من وضعية يظل فيها الملف مرتبطاً ببعثة تحمل اسم الاستفتاء، إلى وضعية تتركز فيها التسوية على المبادرة المغربية للحكم الذاتي. فقرار مجلس الأمن 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 جمع بين ثلاثة عناصر:

1. تمديد ولاية المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2026.

2. جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات.

3. مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بإعداد مراجعة استراتيجية لمستقبل ولاية المينورسو، مع مراعاة نتائج المفاوضات.

مما أصبح يعني أن مستقبل البعثة لم يعد موضوعاً إدارياً يتعلق بتجديد ولايتها بصورة دورية، بل أصبح موضوعاً لإعادة تقييم استراتيجي مرتبط بتطور المسار السياسي. وهكذا جاء بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم 30 أكتوبر 2026، عقب عدم تجديد مجلس الأمن ولاية المينورسو، ليعلن عن تحول نوعي في تدبير قضية الصحراء المغربية.، حيث تضمن البلاغ ثلاث رسائل أساسية:

– اعتبار عدم تجديد ولاية المينورسو تطوراً مهماً وخطوة نحو الإغلاق النهائي للملف داخل الأمم المتحدة.

– التأكيد على أن المرحلة الجديدة تستوجب الانتقال من منطق التدبير إلى مقاربة تقوم على التحول العميق في محددات القضية.

– التشديد على استمرار الدينامية الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مع التمسك بوقف إطلاق النار وصيانة الأمن والاستقرار.

وبالتالي، يمكن قراءة ما تضمنه هذا البلاغ الملكي باعتباره تعبيراً عن إرادة سياسية لإعادة تعريف الإطار الذي ظل يتحرك داخله النزاع، خاصة أن المينورسو تأسست سنة 1991 في سياق مرتبط بتنظيم استفتاء لم يتم تنفيذه.

ثانياً: الأجرأة الملكية لانهاء مهام المينورسو

تتجلى الأجرأة الملكية في جلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس يوم 4 نونبر 2026، والتي خصصت لتدارس التدابير المرتبطة بالمرحلة التي تلي انتهاء ولاية المينورسو.وقد شكلت هذه الجلسة انتقالاً من مستوى الإعلان السياسي إلى مستوى تحديد المسؤوليات والآليات التنفيذية.

1-دلالة الجمع بين المسؤولين المدنيين والعسكريين

نقلت وسائل الاعلام الرسمية جلسة عمل التي ترأسها الملك حضور أربع شخصيات سياسية، حيث جلس إلى يمين الملك كل من وزير الداخلية، والمفتش العام للقوات المسلحة وقائد المنطقة الجنوبية، في حين جلست على يساره رئيسة الحكومة والمستشار الملكي فؤاد عالي الهمة. وبالتالي يمكن اعتبار حضور هذه الشخصيات الأربعة تعبيراً عن مقاربة ملكية متعددة الأبعاد، تجمع بين التدبير السياسي والإداري والأمني والعسكري.فإذا كانت رئيسة الحكومة تمثل السلطة التنفيذية، فإن وزير الداخلية يمثل جهاز الدولة الترابي والإداري، بينما يمثل المفتش العام للقوات المسلحة الملكية المؤسسة العسكرية، بينما يجسد مستشار الملك البعد الاستراتيجي والسياسي للقصر الملكي. ويكشف تشكيل هذا الحضور عن أن مرحلة ما بعد المينورسو لا تُنظر إليها باعتبارها مجرد قضية دبلوماسية، بل باعتبارها ملفاً سيادياً تتداخل فيه عدة اختصاصات.

-الدلالة البروتوكولية لحضور وزير الداخلية والمفتش العام للقوات المسلحة

إن حضور عبد الوافي لفتيت جلسة عمل الملكية يكتسي أهمية خاصة، بالنظر إلى أن وزارة الداخلية تتولى الإشراف على الإدارة الترابية، وتنسيق عمل السلطات المحلية، ومواكبة الشؤون الأمنية والإدارية بالأقاليم الجنوبية.ويزداد هذا الحضور دلالة بالنظر إلى تكليف مكتب التنسيق مع المينورسو، التابع لوزارة الداخلية، بمواكبة عملية تصفية البعثة وانسحابها. وبالتالي، فإن إدراج وزير الداخلية ضمن جلسة العمل الملكية يمكن قراءته باعتباره مؤشراً على انتقال جزء من التدبير التنفيذي للمرحلة الجديدة إلى المؤسسات الوطنية المختصة. أما حضور الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، فيكتسي دلالة تتجاوز الطابع العسكري البروتوكولي.فوجوده يعكس استحضار البعد الدفاعي والأمني في تدبير مرحلة ما بعد المينورسو، خاصة في ظل استمرار الالتزام بوقف إطلاق النار، والحاجة إلى ضمان الاستقرار الميداني. وهكذا يمكن تفسير هذا الحضور بثلاثة اعتبارات:

* تأكيد جاهزية المؤسسة العسكرية لمواكبة التحولات الميدانية.

* ضمان التنسيق بين التدبير الإداري والأمني والدفاعي.

* إبراز أن إنهاء مهام البعثة لا ينبغي أن يؤدي إلى فراغ أمني أو اختلال في الاستقرار.

غير أنه لا ينبغي اعتبار حضور المفتش العام دليلاً على قرار بالتصعيد العسكري، خصوصاً أن البلاغ الملكي شدد على الالتزام بوقف إطلاق النار. وهكذا وردت في بلاغ الديوان الملكي عقب جلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس يوم الأربعاء 4 نونبر 2026، ما يلي:

“وفي هذا الإطار، أعطى جلالة الملك، نصره الله، تعليماته السامية بالتفعيل الحازم واليقظ لهذه الأولويات، كلٌّ في مجال اختصاصه، بما يعزّز الإجماع الوطني، ويكفل مواصلة المشروع التنموي للأقاليم الجنوبية والمشاريع المهيكلة له، مع متابعة لكل التطورات التي سيعرفها ملف قضيتنا الوطنية، على كافة المستويات، ووفقاً للموقف الرسمي الذي سبق التعبير عنه؛ مع التذكير بالتزام المملكة التام بوقف إطلاق النار، وهو التزام إرادي لن يتغير بانتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة، التي عجزت، في مناسبات عديدة، عن مراقبة مدى احترامه وعن ترتيب الآثار على خرقه، كما أن سياق نشأة هذه البعثة، والوظائف الأصلية الموكولة لها، قد تم تجاوزها، كما تؤكد ذلك الوقائع، ومواقف الفاعلين الدوليين”. ولعل الدلالات السياسية لهذه الفقرة تكمن في أربعة أبعاد:

-البعد الأول يتمثل في الفصل بين وقف إطلاق النار ووجود المينورسو حيث يوجه المغرب رسالة واضحة مفادها أن التزامه بوقف إطلاق النار ليس مرتبطاً باستمرار وجود المينورسو، ولا يعتبر انتهاء مهمتها مبرراً للتراجع عن هذا الالتزام.

– البعد الثاني يتمثل في التأكيد على الاستقلالية في اتخاذ القرار السيادي، حيث أن وصف الالتزام بأنه «إرادي» يحمل دلالة سياسية مهمة؛ فالمغرب يقدم احترام وقف إطلاق النار باعتباره اختياراً سياسياً تتحمل الدولة مسؤولية الوفاء به، وليس مجرد استجابة لوجود مراقبين دوليين.

البعد الثالث يتجسد في إعادة تقييم وظيفة المينورسو، حيث أن البلاغ لا يكتفي بالتأكيد على استمرار وقف إطلاق النار، بل ينتقد أداء البعثة، مشيراً إلى عجزها، في مناسبات عديدة، عن مراقبة مدى احترامه وترتيب الآثار على خرقه.

البعد الرابع يتمثل في توجيه رسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج، فداخلياً، يطمئن المغرب الرأي العام وسكان الأقاليم الجنوبية إلى أن انتهاء البعثة لن يؤدي إلى تغيير في الالتزامات المتعلقة بالاستقرار.وخارجياً، يؤكد للمجتمع الدولي أن انتهاء ولاية المينورسو لا يعني التخلي عن منطق السلام أو الالتزامات الدولية.

– الدلالة البروتوكولية لحضور رئيسة الحكومة ومستشار الملك

إن حضور رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري يبرز أن المرحلة الجديدة لا تقتصر على الشؤون الأمنية أو العسكرية، بل ترتبط أيضاً بالمسؤولية الحكومية. فالحكومة مطالبة بمواصلة تنفيذ المشاريع التنموية بالأقاليم الجنوبية، وضمان استمرارية المرافق العمومية، ومواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بتثبيت الوحدة الترابية. ومن ثم، فإن حضور رئيسة الحكومة يمكن أن يُقرأ باعتباره ربطاً بين التوجه الملكي والمسؤولية التنفيذية للحكومة. أما حضور فؤاد عالي الهمة، مستشار الملك، فيمكن أن يحمل دلالة على أهمية التنسيق السياسي والاستراتيجي في هذه المرحلة. فالمستشار الملكي لا يمثل قطاعاً حكومياً تنفيذياً محدداً، وإنما يرتبط حضوره بالبعد الاستراتيجي للملف، وبمواكبة التوجهات الكبرى للدولة.وهنا يمكن التمييز من خلال هذا الحضور بين:

– البعد التنفيذي: رئيسة الحكومة ووزير الداخلية.

– البعد الدفاعي: المفتش العام للقوات المسلحة الملكية.

– البعد الاستراتيجي: مستشار الملك.

2-تدابير الاجرأة الملكية لانهاء مهام المينورسو

من أبرز ملامح هذه الأجرأة الملكية أنها وجهت السلطات إلى اتخاذ التدابير اللازمة لصيانة الأمن والاستقرار بمختلف الأقاليم الجنوبية من خلال تأكيد السيادة الأمنية المغربية. وفي هذا السياق تم تكليف مكتب التنسيق مع المينورسو التابع لوزارة الداخلية بتنسيق عملية التصفية و الاشراف على عملية انسحاب قوات المينورسو مع التشديد على الالتزام بتفادي تحويل التحول السياسي إلى تصعيد عسكري. بالإضافة إلى العمل على مواصلة تنفيذ البرنامج التنموي للأقاليم الجنوبية والمشاريع الهيكلية من خلال ربط السيادة بالتنمية والاندماج الترابي. من هنا تؤكد هذه التدابير أن الأجرأة لا تتعلق بمجرد إخراج أفراد البعثة ومعداتها، بل بإعادة تنظيم المرحلة الجديدة على أساس حماية السيادة الوطنية، وضمان الاستقرار، واستمرار الالتزامات الدولية.

وعموما، فإن إنهاء وجود المينورسو في الأقاليم الصحراوية يمكن أن يُقرأ باعتباره انتقالاً من وضعية تدبير ميداني ترتبط بوجود بعثة دولية إلى وضعية تتعزز فيها مسؤولية المؤسسات المغربية عن تدبير المجال الترابي. إذ لا يتعلق الأمر بالضرورة بقطع العلاقة مع الأمم المتحدة، بل بإعادة النظر في طبيعة الإطار الذي تُدار من خلاله القضية. فالمغرب يسعى إلى جعل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية محوراً أساسياً للتسوية، في مقابل تجاوز الآليات التي يعتبرها غير منتجة، وعلى رأسها استمرار المينورسو في إطارها التقليدي.وهنا يبرز التحدي المتمثل في التوفيق بين الموقف المغربي السيادي واستمرار المساعي الدولية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي.

فإذا كان البلاغ الملكي ل 31 أكتوبر 2026 والذي تزامن مع الاحتفال بعيد الوحدة قد حمل بعداً سياسياً ورمزياً، فإن الأجرأة الملكية تمنح هذا التوجه بعداً عملياً.فالتنمية في الأقاليم الجنوبية، وتعزيز البنيات التحتية، وتطوير المؤسسات المحلية، تصبح عناصر أساسية في تثبيت الاندماج الترابي.وبذلك يمكن النظر إلى المرحلة الجديدة باعتبارها انتقالاً من التعبئة الوطنية المرتبطة باسترجاع الأرض إلى ترسيخ الوحدة الوطنية من خلال المؤسسات والتنمية. وهكذا، فإن انتهاء ولاية المينورسو يطرح سؤالاً حول مستقبل آليات مراقبة وقف إطلاق النار، خاصة أن البعثة كانت تضطلع بدور في مراقبة الوضع الميداني وإقامة قنوات اتصال.ومن ثم فإن الأجرأة الملكية تتضمن بعداً أمنياً مهماً يتمثل في ضرورة ضمان الاستقرار وتفادي أي فراغ في آليات التواصل والاحتواء. لكن هذا لا يعني أن المغرب يتجه بالضرورة إلى التصعيد، بل إن التشديد على وقف إطلاق النار والتعاون مع الأمم المتحدة يعكس توجهاً نحو تدبير المرحلة بحذر ومسؤولية.