محمد شقير
وجهة نظر

الانتخابات التشريعية ل 23 شتنبر 2026 وتحولات المشهد السياسي بالمغرب

تظل قراءة المشهد السياسي المغربي مرتبطة بطبيعة النظام الدستوري الذي يمنح المؤسسة الملكية موقعاً محورياً في توجيه الاختيارات الاستراتيجية، إلى جانب المؤسسات المنتخبة والحكومة والبرلمان. ومن ثم، فإن التحول الحكومي لا يعني بالضرورة تحولاً مماثلاً في مراكز السلطة أو في التوجهات الاستراتيجية للدولة. ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار انتخابات23 شتنبر 2026 لحظة سياسية فارقة لإعادة تركيب المشهد السياسي المغربي. فإلى أي حد تمثل هذه الانتخابات منعطفاً في تطور النظام الحزبي بالمملكة، وهل تؤسس هذه الانتخابات التشريعية لمرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة والأحزاب والمجتمع، أم تقتصر على إعادة توزيع الأدوار داخل البنية السياسية القائمة؟

1 – الابعاد السياسية والرمزية والدولية لتعيين أول رئيسة حكومة بالمغرب

شكل تعيين الملك محمد السادس لفاطمة الزهراء المنصوري كأول رئيسة للحكومة في تاريخ المغرب، عقب انتخابات 23 شتنبر 2026، أحد أبرز تحولات المشهد السياسي المغربي. فقد عينت المنصوري بمقتضى الفصل 47 من الدستور، بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج هذه الانتخابات التشريعية. حيث كان لهذا التعيين الملكي عدة أبعاد سياسية ورمزية ودولية

أولا: الابعاد السياسية لتعيين أول رئيسة حكومة بالمغرب

حمل التعيين الملكي لقيادية حزبية على رأس الحكومة في المغرب عدة دلالات تتمثل بالأساس في الدلالة السياسية المرتبطة بتدبير السلطة والحكومة. فعلى غرار الانتخابات التي أفضت إلى حكومة التناوب التي ترأسها حزب معارض يساري بزعامة عبد الرحمان اليوسفي وانتخابات أدت إلى ترؤس حكومة من طرف حزب معارض أصولي بزعامة عبد الالاه بن كيران، فقد شكل تعيين الملك رئيسة للحكومة انتقالاً من مرحلة تعزيز حضور النساء في البرلمان والحكومة والإدارة إلى وصول امرأة إلى أعلى موقع تنفيذي حكومي. مما أعطى مضموناً عملياً للخطاب الرسمي حول تطوير وضعية المرأة المغربية. حيث أن اختيار شخصية نسائية رئيسة للحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، جعل الكفاءة والخبرة التدبيرية والشخصية التوافقية عناصر أكثر بروزاً في تشكيل الحكومة، إلى جانب الانتماء الحزبي. كما أن هذا الاختيار أعاد بلا شك توزيع مراكز القوة داخل النخبة السياسية بالمغرب. فرئيسة الحكومة لن تكون مجرد رمز للمرأة؛ فهي ستصبح مسؤولة عن تنسيق العمل الحكومي، وتنفيذ البرنامج الحكومي، والعلاقة مع البرلمان والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين. وبالتالي فإن التعيين سيكون، سياسياً، واختباراً لقدرة النخبة النسائية على ممارسة السلطة التنفيذية في أعلى مستوياتها. وكذا إشارة إلى تطور المكونات النسائية للنخبة السياسية المغربية. حيث سيُقرأ هذا التعيين باعتباره استمراراً لمسار طويل من إدماج النساء في مؤسسات الدولة، لأنه سيكون أكثر وضوحاً من حيث الانتقال من تمثيل المرأة في المؤسسات إلى توليها قيادة مؤسسة تنفيذية مركزية. إذ يعتبر هذا التعيين بمثابة انتقال من الحضور النسائي في الحكومة والبرلمان والإدارة إلى الوصول إلى أعلى منصب تنفيذي بعد الملك. وهذا أعطى مضموناً سياسياً عملياً لمبدأ المناصفة الذي ينص عليه الدستور، والذي تعتبره الدولة هدفاً تسعى إلى تحقيقه. حيث أن الأمر لن يتعلق فقط بزيادة عدد النساء في مواقع القرار، وإنما بكسر الحاجز الرمزي المرتبط بمن يتولى قيادة الحكومة. كما أن تعيين رئيسة حكومة يمكن أن يُقرأ باعتباره إشارة إلى أن الكفاءة والخبرة والمسار السياسي أصبحت، من حيث المبدأ، أهم من كون المرشح رجلاً أو امرأة. الشيء الذي يعتبر مهما خصوصاً بعد انتخابات 23 شتنبر 2026 التي أعادت ترتيب موازين القوى الحزبية؛ بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات بـ97 مقعداً مما أعاد تعريف صورة الحزب المتصدر للانتخابات. حيث أن تعيين رئيسة الحكومة من حزب الأصالة والمعاصرة، منح الحزب دلالة إضافية حيث أن الحزب الذي تصدر الانتخابات لم يقدم فقط تغييراً في موقعه داخل الخريطة البرلمانية، وإنما قدم أيضاً وجهاً جديداً للسلطة التنفيذية. وهنا أصبحت رئيسة الحكومة جزءاً من إعادة بناء صورة الحزب على مستوى الدولة والمجتمع، وليس مجرد شخصية مكلفة بتدبير الحكومة. بالإضافة إلى هذا الوضع فقد زاد ذلك من تعزيز شرعية المشاركة السياسية للنساء. فهذا التعيين يمكن أن تكون له آثار تتجاوز الحكومة نفسها. فوجود امرأة على رأس السلطة الحكومية قد يعطي دفعة للنقاش حول مشاركة النساء في القيادة الحزبية؛ و ترشيح النساء للمناصب الانتخابية؛ و وصول النساء إلى مواقع القرار؛ وتشجيع الأجيال الشابة من النساء على الانخراط السياسي. وبالتالي فقد تحول هذا التعيين من حدث مؤسساتي إلى رمز سياسي. فقد ساهم هذا التعيين في إعطاء الحكومة وجهاً سياسياً جديداً. فبعد تجربة حكومة عزيز أخنوش، كان اختيار رئيسة حكومة جديدة أيضاً جزءاً من إعادة تشكيل صورة السلطة الحكومية. فالمسألة لن تتعلق فقط بمن يدير مجلس الحكومة، وإنما بالوجه الذي ستظهر به الدولة والحكومة أمام المواطنين خلال الولاية 2026-2031.وهذا مهم خصوصاً في سياق نتائج انتخابية أعادت ترتيب الأغلبية والمعارضة، وفي ظل حاجة الأحزاب إلى استعادة الثقة السياسية. وعلى العموم، فسيلخص هذا التعيين انتقال المغرب من مرحلة إدماج المرأة في المؤسسات السياسية إلى مرحلة أعلى تتمثل في وصول المرأة إلى مواقع القيادة السياسية العليا.وبالتالي، فإن رئيسة الحكومة ستكون رمزاً للانتقال من سياسة التمثيلية النسائية إلى سياسة القيادة النسائية.

ثانياً: الابعاد الرمزية لتعيين أول رئيسة حكومة بالمغرب

ظلت رئاسة الحكومة بالمغرب تاريخياً موقعاً ذكورياً في مختلف الحكومات التي تعاقبت على تسيير دواليب الحكم بالمملكة.فقد عين الملك محمد الخامس مبارك البكاي لهبيل ليترأس أول حكومة بعيد الاستقلال، ليخلفه أحمد بلافريج وعبد الله إبراهيم، في حين تعاقب على الحكومة طيلة حكم الملك الحسن الثاني أحمد بلافريج(يناير 1963 – نونبر 1963) و أحمد باحنيني (نونبر 1963 – يونيو 1965)، ومحمد بنهيمة(نونبر 1967 – أكتوبر 1969) و حمد العراقي (أكتوبر 1969 – غشت 1971)، ومحمد كريم العمراني(غشت 1971 – نونبر 1972) وأحمد عصمان (نونبر 1972 – مارس 1979) و المعطي بوعبيد(مارس 1979 – نونبر 1983) و محمد كريم العمراني (نونبر 1983 – شتنبر 1986) و عز الدين العراقي(شتنبر 1986 – غشت 1992) ومحمد كريم العمراني(غشت 1992 – يونيو 1994) وعبد اللطيف الفيلالي(يونيو 1994 – فبراير 1998) وعبد الرحمان اليوسفي(فبراير998 – يوليوز2002 ) بينما تم في عهد الملك محمد السادس، و في إطار دستور فاتح يوليو 2011 الذي أتى في سياق حراك 20 فبراير 2011، تعيين كل من عبد الالاه بن كيران والدكتور سعد الدين العثماني عن حزب العدالة والتنمية الذي تصدر انتخابات 2012 و 2016، قبل أن يخلفهما عزيز أخنوش عن حزب التجمع الوطني للاحرار الذي تصدر انتخابات 2021. وبالتالي فإن تعيين امرأة كرئيسة حكومة لأول مرة في تاريخ دولة الاستقلال كان بمثابة كسر احتكار رمزي للموقع التنفيذي الأعلى من طرف “تعاقب ذكوري” على هذا المنصب. في حين حمل رسالة رمزية تتجاوز الشخص المعين إلى صورة المرأة المغربية نفسها تتضمن إشارة سياسية ورمزية بأن المرأة بالمملكة ليست فقط ناخبة أو برلمانية أو وزيرة، بل يمكن أن تكون في موقع قيادة الحكومة. كما شكل رسالة قوية ومباشرة إلى الأجيال الشابة خاصة لدى الفتيات والشابات، لأنها ستجعل الوصول إلى أعلى مستويات القرار السياسي أكثر قابلية للتصور باعتباره مساراً ممكناً، وليس استثناءً بعيداً. إلى جانب ذلك، فهذا التعيين سيؤدي بلا شك إلى تغيير صورة السلطة السياسية. فوجود امرأة في رئاسة الحكومة يمكن أن يغير الصورة التقليدية للسلطة الحكومية، ليس بالضرورة من حيث السياسات نفسها، وإنما من حيث التمثيل الاجتماعي والرمزي لمن يمارس السلطة. ففيه ستكون دلالة على التوفيق بين الحداثة والاستمرارية. إذ يمكن أن يحمل هذا التعيين رسالة مزدوجة تتمثل في المحافظة على استمرارية مؤسسات الدولة من جهة، وإظهار قدرة النظام السياسي على استيعاب تحولات اجتماعية مرتبطة بمكانة المرأة من جهة أخرى. كما يمكن أن يقدم هذا التعيين باعتباره امتداداً لمسار تحديث المؤسسات المغربية، خصوصاً أن قضية مشاركة النساء أصبحت جزءاً معلناً من النقاش حول إصلاح المنظومة السياسية والانتخابية. وقد نصت إجراءات انتخابات 2026 مثلاً على تدابير جديدة لتعزيز حضور النساء في مجلس النواب وفي تأسيس الأحزاب.ومن ثم أصبح تعيين امرأة رئيسة للحكومة امتداداً رمزياً لهذا المسار خاصة وأن المغزى الأعمق كان ثقافياً: فقبول امرأة في موقع كان يُنظر إليه تقليدياً باعتباره مجالاً حكرا على الرجال يمكن أن يعكس تغيراً في التصورات الاجتماعية حول القيادة السياسية. وهنا أصبح التعيين أكثر من قرار مؤسساتي؛ فهو أيضاً حدث تحول في المخيال السياسي المغربي.

ثالثا الابعاد الخارجية لتعيين أول رئيسة حكومة بالمغرب

ستكون لرئاسة امرأة للحكومة أيضاً قيمة دبلوماسية وصورية خارجية. فالمغرب قدم نموذجاً لبلد عربي وإفريقي ومسلم وصلت فيه امرأة إلى رئاسة الحكومة.حيث كان تعيين امرأة لرئاسة الحكومة في المغرب لأول مرة، حدثا سياسيا كانت له دلالات خارجية وإقليمية ودولية تجاوزت مجرد تغيير في تركيبة الحكومة. فقد تضمن هذا التعيين عدة رسائل سياسية مختلفة:فعلى المستوى الأوروبي، قرأ التعيين باعتباره مؤشراً إضافياً على انفتاح المغرب على تعزيز مشاركة النساء في مواقع القرار السياسي، خصوصاً أن المساواة بين النساء والرجال والحكامة وحقوق الإنسان أصبحت جزءاً صريحاً من الشراكة المغربية الأوروبية. فقد أكد الاتحاد الأوروبي في سنة 2026 أن تعاونه مع المغرب يشمل الحكامة، وحقوق الإنسان، والمساواة بين الجنسين، وتمكين النساء.وبالتالي، فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة قدم للمغرب صورة مؤسساتية جديدة في علاقاته مع الاتحاد الأوروبي، من دون أن يعني ذلك تلقائياً أن التعيين جاء استجابة لضغط خارجي. فالمغرب قدم هذا التعيين أيضاً بوصفه جزءاً من التحولات التي يعرفها الفضاء المتوسطي في مجال مشاركة النساء في الحياة العامة. وهذا مهم لأن الاتحاد الأوروبي والمغرب أعلنا في سنة 2026 عن تعميق الشراكة الاستراتيجية، بما يشمل التنمية الشاملة، والحكامة، والمجتمع المدني، والشباب والمساواة بين الجنسين. ومن ثم أصبحت رئيسة الحكومة واجهة مؤسساتية إضافية للمغرب في الحوار الأوروبي المتوسطي، خصوصاً في الملفات الاجتماعية والتنموية والاقتصادية. ولعل الاهتمام بأول زيارة تقوم بها رئيسة حكومة مغربية إلى روسيا في إطار الاجتماع الثالث لقمة روسيا افريقيا وما حظيت به من مراسيم استقبال رسمي خاصة من طرف الرئيس بوتين ساهم بلا شك بعكس هذه الصورة السياسية حول المملكة.أما على المستوى الأفريقي، فقد كان لهذا التعيين حمولة رمزية أكبر، لأن الاتحاد الافريقي يضع مشاركة النساء في صنع القرار ضمن أهدافه الأساسية في إطار أجندة 2063، ويعتبر المشاركة السياسية للنساء جزءاً من التنمية الشاملة. بل إن الاتحاد الافريقي أطلق في سبتمبر 2026 خطة جديدة للفترة 2026–2028 تؤكد أن مشاركة النساء في القيادة السياسية وصنع القرار ينبغي أن تتحول من التزامات سياسية إلى ممارسة فعلية. لذلك فإن المغرب، بعدما أصبح لديه لأول مرة رئيسة حكومة، سيكون قادراً على تقديم التجربة باعتبارها امتداداً للمسار الافريقي في تعزيز القيادة النسائية. أما على المستوى العربي فتعيين أول امرأة لرئاسة الحكومة في المغرب سيضع المملكة ضمن النقاش العربي حول وصول النساء إلى قمة السلطة التنفيذية، وسيشكل مقارنة إيجابية مع التجارب العربية المختلفة في مشاركة المرأة في رئاسة الحكومة والسلطة التنفيذية. بالإضافة إلى ذلك، فقد ساهم هذا التعيين النسائي في تعزيز الصورة الدولية للمغرب وتكريس ” القوة الناعمة المغربية.” خصوصا وأن المغرب بنى خلال السنوات الأخيرة جزءاً من صورته الخارجية على الجمع بين الاستقرار السياسي؛ والإصلاح المؤسساتي؛ والانفتاح الاقتصادي؛ وتعزيز حضور المرأة؛ والحضور الافريقي والمتوسطي؛ والانخراط في قضايا دولية وإقليمية متعددة. وبالتالي، فتعيين امرأة في رئاسة الحكومة أضاف إلى هذه الصورة رمزية سياسية جديدة حظىيت باهتمام الإعلام والمؤسسات الدولية. مما كان له انعكاس إيجابي على الدبلوماسية المغربية. فرئيسة الحكومة أصبحت، بحكم منصبها، إحدى الواجهات الدولية للمغرب، خصوصاً في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي؛ و التعاون الأفريقي؛ و الشراكات المتوسطية؛ و التعاون الاقتصادي والاستثماري؛ وقضايا التنمية البشرية؛ وقضايا المرأة والشباب؛ والمؤتمرات الدولية…وهنا اكتسب التعيين بعداً دبلوماسياً غير مباشر، ليس لأن رئاسة الحكومة هي صاحبة القرار الوحيد في السياسة الخارجية، وإنما لأن رئيسة الحكومة ستصبح جزءاً من الصورة التي تقدم بها الدولة نفسها أمام شركائها الدوليين.

-2نتائج انتخابات 23 شتنبر2026 وإعادة ترتيب القوى الحزبية

أعادت نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026 ترتيب القوى الحزبية بالمغرب من خلال تغيير موقع الأحزاب داخل الخريطة البرلمانية، وإضعاف الحزب الذي قاد الحكومة السابقة، وصعود حزب الأصالة والمعاصرة إلى المرتبة الأولى، مقابل عودة قوية لحزب العدالة والتنمية.

-إعادة تموقع الاحزاب

لم ينه هذا الترتيب الجديد هيمنة الأحزاب الكبرى، ولم يمنح أي حزب أغلبية مطلقة، بل أوجد توازناً جديداً تحكمه المفاوضات والتحالفات الحكومية. فقد أظهرت النتائج النهائية الرسمية تحولاً في ترتيب الأحزاب داخل مجلس النواب؛ إذ تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم الاستقلال بـ65 مقعداً، بينما حصل العدالة والتنمية على 54 مقعداً. و بالتالي، تسمح هذه النتائج بقراءة التحولات الحزبية من خلال المؤشرات التالية:

– صعود الأصالة والمعاصرة إلى قيادة الأغلبية: فانتقال الحزب إلى المرتبة الأولى يفتح مرحلة جديدة في علاقته بقيادة الحكومة، ويعيد طرح السؤال حول قدرته على الانتقال من حزب ينافس على السلطة إلى حزب يتحمل مسؤولية تدبيرها.

– تراجع حزب التجمع الوطني للأحرار: فحصوله على 66 مقعداً يفرض البحث في مدى ارتباط النتيجة بتقييم تجربة عزيز أخنوش الحكومية، وبأداء الحزب التنظيمي وخياراته التواصلية.

– إعادة تموقع الاستقلال واليسار: حيث يتيح حضور الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية في الأغلبية الجديدة اختبار قدرة هذه الأحزاب على تحويل إرثها السياسي إلى تأثير فعلي في السياسات الحكومية.

– عودة حزب العدالة والتنمية إلى المنافسة البرلمانية: فحصوله على 54 مقعداً بعد نكسة 2021 يشير إلى استعادة جزء من الحضور الانتخابي، ويستدعي تحليل دور القيادة الحزبية والتعبئة التنظيمية واستثمار المعارضة.

-إعادة ترتيب مراكز القيادة داخل الأغلبية

لم تعد قيادة الحكومة مرتبطة بالتجمع الوطني للأحرار كما كان الحال في الولاية السابقة؛ إذ أصبح حزب الأصالة والمعاصرة في موقع الصدارة، وهو ما فتح المجال لتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة. وقد كشفت هذه النتيجة عن تحول في مركز الثقل الحزبي داخل الأغلبية، وليس بالضرورة عن تحول كامل في طبيعة النظام السياسي أو في قواعد اشتغاله.كما أن حصول الأصالة والمعاصرة على 97 مقعداً فقط من أصل 395 يعني أنه لا يستطيع تشكيل الحكومة بمفرده؛ ولذلك تظل الأحزاب الأخرى ضرورية لتكوين أغلبية برلمانية.

– عودة العدالة والتنمية وإعادة تشكيل المعارضة

يشكل انتقال حزب العدالة والتنمية من 13 إلى 54 مقعداً أحد أبرز التحولات التي أفرزتها الانتخابات. فبعد أن تعرض الحزب لهزيمة انتخابية كبيرة سنة 2021، تمكن من استعادة جزء مهم من حضوره البرلماني، بقيادة عبد الإله بنكيران.وتكمن أهمية هذه العودة في ثلاثة أبعاد:

– استعادة موقع المعارضة: من خلال عودة الحزب إلى موقع يسمح له بممارسة رقابة برلمانية أكثر تأثيراً ومنافسة الحكومة في النقاش العمومي. ومع ذلك، لا تعني هذه العودة استرجاع الحزب لموقعه السابق في قيادة الحكومة؛ فارتفاع عدد مقاعده لا يساوي تلقائياً استعادة نفوذه التنفيذي، خصوصاً مع انتقاله إلى المعارضة.

– إعادة الاعتبار للقيادة الحزبية: حيث أظهرت الحملة الانتخابية أهمية حضور بنكيران وخطابه في إعادة تعبئة جزء من القاعدة الانتخابية للحزب.

– إعادة التوازن إلى المنافسة الحزبية: حيث أصبح المشهد يتضمن أغلبية تقودها أحزاب ذات توجهات مختلفة، ومعارضة إسلامية استعادت بعض قوتها الانتخابية، إلى جانب قوى يسارية وحزبية أخرى. لينضاف إليها حزب التجمع الوطني للأحرار كقوة معارضة تدبيرية.

– استمرار الأحزاب الوسطى والصغرى في التأثير، حيث لم تقتصر إعادة ترتيب القوى الحزبية على الأحزاب الأربعة الأولى. فقد حافظت الحركة الشعبية على 29 مقعداً، وحصل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية على 19 مقعداً، والاتحاد الدستوري على 17 مقعداً. كما حصل تحالف اليسار على 8 مقاعد.

و بالتالي،تشير هذه النتائج إلى أن المشهد السياسي ظل متعدد الأحزاب، وأن التنافس لم يتحول إلى ثنائية مغلقة بين الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية. كما تبرز أهمية هذه الأحزاب في قدرتها على التأثير في تشكيل الأغلبية، وفي المفاوضات المتعلقة بتوزيع المسؤوليات الحكومية، وفي تشكيل مواقف المعارضة داخل البرلمان. كما أن تفاوت نتائجها يعكس اختلاف قدرتها على الاحتفاظ بقواعدها الانتخابية وتجديد حضورها محلياً ووطنياً. غير أن هذا التحول لا يقتصر على ترتيب الأحزاب؛ بل يشمل أيضاً إعادة توزيع الأدوار بين القيادة الحكومية والأحزاب المشاركة فيها، وبين الأغلبية والمعارضة. فالاعلان في 12 أكتوبر 2026 عن تشكيل أغلبية حكومية تضم أربعة أحزاب: الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية. تحمل هذه التركيبة عدة دلالات سياسية تتمثل في:

– إعادة تركيب التحالفات التاريخية: إذ أن مشاركة أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية في حكومة يترأسها حزب الاصالة والمعاصرة تفتح المجال لاستحضار تجربة الكتلة الديمقراطية، وإن كانت المشاركة الحالية لا تعني بالضرورة عودة الكتلة بصيغتها التاريخية أو استعادة برنامجها الأصلي.

– توسيع قاعدة الشرعية السياسية للحزب المتصدر: حيث يمكن أن تمنح مشاركة أحزاب ذات جذور وطنية ويسارية الحكومة تنوعاً في المرجعيات والخبرات، لكنها لا تمحو تلقائياً النقاشات السابقة حول نشأة الأصالة والمعاصرة وتموقعه السياسي.

– إعادة تعريف المعارضة: حيث أن خروج حزب التجمع الوطني للأحرار من قيادة الحكومة، مع بقاء العدالة والتنمية خارج الأغلبية وفق التركيبة المعلنة، يطرح سؤال طبيعة المعارضة المقبلة: هل ستكون معارضة برامجية ومؤسساتية أم معارضة تركز على نقد الحصيلة الحكومية السابقة؟

– 3نتائج انتخابات 23 شتنبر وإعادة التوازن لمكونات المشهد السياسي

تتمثل خصوصية هذه الانتخابات التشريعية في إعادة التوازن للمشهد السياسي بعد هيمنة الأغلبية الحكومية في الولاية التشريعية السابقة.فقد امتلكت أحزاب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال أغلبية برلمانية مريحة خلال الولاية السابقة، وهو ما منحها قدرة واسعة على تمرير اختياراتها السياسية والتشريعية. فمن أبرز الأضرار التي يمكن ربطها باختلال التوازن بين الأغلبية والمعارضة تراجع قدرة البرلمان على مساءلة الحكومة بصورة فعالة. فالأغلبية العددية الواسعة كانت تستطيع تمرير مشاريع القوانين والقرارات، لكنها قد تجعل الاعتراضات البرلمانية أقل تأثيراً إذا لم يصاحبها حوار وتفاوض جديان. كما أن من الأضرار التي أثارتها المعارضة خلال الولاية السابقة أن المبادرة الحكومية في التشريع ظلت أكثر تأثيراً من المبادرة البرلمانية، بينما واجهت مقترحات القوانين المقدمة من النواب صعوبات في الوصول إلى مرحلة المصادقة.وقد ناقشت تقارير صحفية متخصصة هذه الإشكالية، مشيرة إلى محدودية المصادقة على مقترحات القوانين، مع وجود خلاف بين الأغلبية والمعارضة حول أسباب ذلك؛ إذ ترى المعارضة أن هيمنة الأغلبية تعرقل المبادرات التشريعية، بينما تربط الأغلبية الأمر أيضاً بالجدوى التقنية والقانونية للمقترحات. وتكمن المشكلة هنا في أن البرلمان لا ينبغي أن يكون مجرد مؤسسة للمصادقة على مشاريع الحكومة، بل فضاءً يستطيع فيه النواب، بمن فيهم نواب المعارضة، اقتراح حلول تشريعية بديلة. وهكذا أدى هذا الوضع إلى تضييق مجال التعددية التشريعية، حيث كانت القوانين التي صودق عليها خلال الولاية التشريعية السابقة أقرب إلى التعبير عن اختيارات الحكومة وأغلبيتها، بدلاً من أن تكون ثمرة نقاش واسع يستوعب مختلف التوجهات السياسية والاجتماعية. كما أدى هذا الوضع أيضا إلى صعوبة تفعيل آليات الرقابة الاستثنائية. حيث من أبرز الأمثلة التي أُثيرت خلال الولاية السابقة صعوبة تفعيل بعض الآليات الدستورية، مثل لجان تقصي الحقائق وملتمس الرقابة.فقد أشارت حصيلة العمل البرلماني المنشورة في أكتوبر 2026 إلى عدم إحداث أي لجنة لتقصي الحقائق خلال الولاية التشريعية 2021–2026، رغم تسجيل 11 مهمة استطلاعية مؤقتة. بالإضافة إلى تضييق مجال النقاش العمومي حول القضايا الخلافية نظرا لأن الأغلبية كانت تمتلك قدرة كبيرة على تمرير اختياراتها، مع محدودية تأثير المعارضة، مما حول النقاش البرلماني إلى مواجهة عددية بين الفرق بدلاً من أن يكون مجالاً للتفاوض والتعديل وتقديم البدائل. لكن تنبغي الإشارة إلى أن المعارضة قد ساهمت بدورها في هذا الاختلال، حيث واجهت المعارضة بدورها صعوبات في التنسيق بين مكوناتها، بسبب اختلاف المرجعيات والأولويات والتقديرات السياسية.وقد أشار حزب التقدم والاشتراكية إلى أن تذبذب مواقف بعض مكونات المعارضة وضعف التنسيق بينها أضعفا مبادراتها، بما فيها مبادرة ملتمس الرقابة. وهذا يعني أن اختلال التوازن كان مرتبطاً بعاملين متداخلين: قوة الأغلبية العددية وما كانت تتيحه من قدرة على تمرير القرارات وتحديد اتجاه العمل البرلماني، وكذا تشتت المعارضة وانقسامها وما كان يترتب عليه من صعوبة بناء جبهة مشتركة حول القضايا الأساسية.

لكن يبدو أن نتائج انتخابات 2026 أعادت ترتيب مواقع هذه الأحزاب، وأضعفت موقع التجمع الوطني للأحرار، مقابل صعود الأصالة والمعاصرة وعودة العدالة والتنمية إلى حضور برلماني أقوى وقد تجسد هذا التوازن الجديد عملياً من خلال الاستناد إلى تطور تشكيل الأغلبية وانتخاب رئيس مجلس النواب لتوضيح أن التوازن الذي أفرزته الانتخابات لم يكن مجرد توزيع للمقاعد، بل أصبح ترتيباً جديداً لمواقع الأحزاب داخل المؤسسات.فقد اتفقت أربعة أحزاب، هي الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، على تشكيل أغلبية تضم 207 مقاعد من أصل 395، أي إنها تتجاوز عتبة الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعداً بتسعة مقاعد. وفي المقابل، انتقل التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة، إلى جانب العدالة والتنمية وقوى أخرى. ولعل انتخاب أحمد التويزي، مرشح الأغلبية عن حزب الأصالة والمعاصرة، رئيساً لمجلس النواب بـ220 صوتاً، مقابل 59 صوتاً لإدريس الأزمي الإدريسي، مرشح العدالة والتنمية، قد عكس قدرة الأغلبية الجديدة على ترجمة تفوقها العددي إلى مواقع قيادية داخل المؤسسة التشريعية. في حين أن حصول إدريس الأزمي مرشح حزب العدالة والتنمية المعارض على 59 صوتاً يمثل مؤشراً على استعادة المعارضة حضورها في المؤسسات التشريعية بعد انتخابات 23 شتنبر 2026، لكنه لا يشكل دليلاً حاسماً على عودة التوازن بين الأغلبية والمعارضة. فالأغلبية احتفظت بقدرتها على حسم انتخاب رئيس مجلس النواب، في حين كشفت الأوراق الملغاة وموقف التجمع الوطني للأحرار عن تعدد المواقف داخل المعارضة وعدم انتظامها بعد في جبهة موحدة. في حين مكن حصول إدريس الأزمي الإدريسي على 59 صوتاً في انتخاب رئيس مجلس النواب مؤشراً أولياً على حضور المعارضة في المشهد البرلماني الجديد، لكنه لا يكفي وحده لإثبات عودة التوازن بين الأغلبية والمعارضة. لذلك، فإن التحول الأهم ليس في عدد الأصوات وحده، بل في مدى قدرة مجلس النواب الجديد على تجاوز منطق الهيمنة العددية نحو ممارسة تقوم على الرقابة الفعلية، والتفاوض التشريعي، واحترام حقوق المعارضة. وبالتالي يمكن استخلاص ثلاثة تحولات أساسية:

1. تغير موقع التجمع الوطني للأحرار: حيث انتقل الحزب من قيادة الحكومة إلى المعارضة، وهو تحول يتيح له مراقبة السياسات التي دافع عنها خلال الولاية السابقة، كما يضعه أمام اختبار إعادة بناء خطابه السياسي خارج السلطة التنفيذية.

2. تعزيز موقع العدالة والتنمية داخل المعارضة: من خلال ارتفاع تمثيليته البرلمانية إلى 54 مقعداً، حيث أصبح الحزب يمتلك حضوراً أقوى لمساءلة الحكومة ومنافسة اختياراتها، من دون أن يعني ذلك أنه أصبح القوة المعارضة الوحيدة أو المهيمنة عليها.

3. تعدد مراكز المعارضة: حيث لا تتشكل المعارضة من حزب واحد، بل تضم أحزاباً تختلف في مرجعياتها وتجاربها ومصالحها. وهذا يمنحها تعددية في المواقف، لكنه يجعل التنسيق بينها شرطاً لتحويل قوتها العددية إلى تأثير سياسي وتشريعي.

وعموما يمكن القول إن انتخابات 23 شتنبر 2026 أعادت التوازن بين الأغلبية والمعارضة عبر تغيير مواقع الأحزاب داخل المؤسسات، وليس عبر قيام ثنائية حزبية متكافئة بالضرورة. فالأغلبية الجديدة تمتلك 207 مقاعد، بينما يبلغ مجموع المقاعد خارجها 188 مقعداً، وفق تركيبة التحالف المعلنة. غير أن هذا التقارب العددي لا يعني تلقائياً تكافؤاً في القدرة على التأثير؛ إذ يتوقف ذلك على انسجام الأغلبية، وتنسيق المعارضة، وفعالية الرقابة البرلمانية.ومن هنا يبرز سؤال أعمق في تحليل المشهد السياسي المغربي: هل ستؤدي هذه الخريطة الجديدة إلى تعزيز التوازن المؤسساتي بين الحكومة والمعارضة، أم سيظل التوازن عددياً داخل البرلمان من دون أن ينعكس بالضرورة على طبيعة الممارسة السياسية؟ فالإجابة ستتوقف على كيفية تدبير الأغلبية للخلافات الداخلية، وعلى قدرة المعارضة على تنسيق مواقفها وتقديم بدائل سياسية واضحة. ومع ذلك، ينبغي عدم اعتبار إعادة التوازن أمراً مكتملاً بمجرد تغير الأرقام. فذلك يتوقف على استقلالية البرلمان في ممارسة الرقابة، وعلى قدرة المعارضة على مساءلة الحكومة، وعلى مدى استعداد الأغلبية لقبول النقاش والتعديل. وهكذا يمكن اعتبار انتخابات 2026 لحظة لإعادة تركيب المشهد السياسي المغربي، لكن وصفها بأنها نهاية مرحلة سياسية وبداية أخرى يتطلب أكثر من إثبات تغير ترتيب الأحزاب. حيث يتطلب التحقق من حدوث تحول في طبيعة التحالفات، ووظائف الأحزاب، وآليات إنتاج القرار، ومدى استجابة الحكومة للمطالب الاجتماعية. من هنا التساؤل حول إلى أي حد تمثل انتخابات 23 شتنبر 2026 منعطفاً في تطور النظام الحزبي المغربي، وهل تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة والأحزاب والمجتمع، أم تقتصر على إعادة توزيع الأدوار داخل البنية السياسية القائمة؟