صورة الكاتب أيوب الصابير
وجهة نظر

هل تؤسس نهاية المينورسو لمرحلة جديدة في قضية الصحراء المغربية؟

لم يكن انتهاء ولاية المينورسو مجرد تطور إجرائي في مسار قضية الصحراء المغربية، بقدر ما كشف عن تحول في طبيعة المقاربة السياسية والدبلوماسية التي أصبحت تؤطر هذا الملف، فقد أفضت مداولات مجلس الأمن في 30 أكتوبر 2026 إلى عدم تجديد تفويض البعثة الأممية، في وقت كانت فيه المبادرة المغربية للحكم الذاتي قد راكمت دعما دوليا متناميا أسهم في تعزيز موقعها ضمن المرجعية الأممية للتسوية، وفي سياق هذا التراكم الدبلوماسي، جاء بلاغ الديوان الملكي، وما أعقبه من توجيهات ملكية بشأن مرحلة ما بعد المينورسو، ليمنح هذا التطور بعدا استراتيجيا يتجاوز انتهاء المهمة إلى إعادة النظر في الشروط التي ظلت تحكم معالجة القضية طوال العقود الماضية.

وتكتسب هذه التطورات دلالتها من العلاقة بين انتهاء آلية أممية ارتبطت بمرحلة تاريخية مخصوصة، وتبلور شروط سياسية ودبلوماسية جديدة لمعالجة قضية الوحدة الترابية للمملكة، وهو ما يدعو إلى التساؤل حول حدود قدرة نهاية المينورسو على التأسيس لمرحلة تتجاوز تدبير النزاع إلى استكمال مقومات طيه، بما يقتضي استحضار حصيلة المسار الأممي، وتطور المقاربة المغربية، في ضوء ما أفرزته مداولات مجلس الأمن الأخيرة.

ثم إن بدايات هذا المسار تعود إلى قبول مقترحات التسوية سنة 1988، قبل أن ينشئ مجلس الأمن بعثة المينورسو بموجب قراره رقم 690 سنة 1991، الذي أرسى إطارا أمميا لوقف إطلاق النار والتحضير لاستفتاء لتقرير المصير، غير أن تنفيذ الخطة واجه تعقيدات ارتبطت بتحديد الهيئة الناخبة، في ظل تمسك جبهة البوليساريو بمعايير اعتبر المغرب أنها تستبعد فئات من الصحراويين المعنيين بالاستفتاء، ومع تعثر إجراءات تحديد الهوية وتراكم الطعون، استمر حضور البعثة في أداء وظائف المراقبة الميدانية، بينما تعذر إنجاز الاستفتاء الذي ارتبط بتأسيسها، وهكذا أفرز امتداد المهمة طوال خمسة وثلاثين عاما مفارقة بين استمرار الآلية الأممية وتعثر مقصدها الأصلي، بما كشف عن محدودية التدبير المؤسسي في تحقيق التسوية السياسية، وعن الحاجة إلى مراجعة الأدوات المعتمدة في ضوء التحولات التي طرأت على شروطها.

وأمام تعثر آلية الاستفتاء، قدم المغرب سنة 2007 مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها تصورا سياسيا ومؤسساتيا يتيح لسكان الأقاليم الجنوبية تدبير شؤونهم ضمن السيادة المغربية، وقد أسهمت هذه المبادرة في نقل النقاش الدبلوماسي من الإشكالات الإجرائية المرتبطة بالاستفتاء إلى مضمون الحل السياسي ومقتضيات تنفيذه، ووفرت للمملكة أرضية لتوسيع التأييد الدولي لموقفها، وتعزز هذا التوجه بقرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر سنة 2025، الذي اتخذ المقترح المغربي أساسا للمفاوضات، وأقر بإمكان أن يمثل الحكم الذاتي الحقيقي إحدى النتائج الأكثر قابلية للتحقق، في إطار تسوية سياسية متوافق عليها، وبذلك اكتسبت المبادرة المغربية مكانة متقدمة ضمن المرجعية الأممية، وأضحى تطوير الآليات السابقة مطروحا في ضوء المعطيات الدبلوماسية الجديدة.

غير أن تطور المرجعية السياسية للتسوية ظل محكوما بإكراهات اتخاذ القرار داخل مجلس الأمن، وهو ما أظهرته مداولات 30 أكتوبر 2026، بعدما حظي المشروع الأمريكي، الداعي إلى جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الوحيد للمفاوضات وإعادة تشكيل مهمة المينورسو، بتأييد أحد عشر عضوا، قبل أن يحول الفيتو الروسي دون اعتماده، وفي المقابل، اقتصر تأييد المشروع الروسي، الذي دعا إلى تمديد المهمة بصيغتها السابقة، على ثلاثة أعضاء، لتنتهي الجلسة دون إصدار قرار جديد، في مفارقة سياسية لافتة، إذ تعذر تطوير الإطار الأممي وفق التصور الأمريكي، كما تعذر الإبقاء على التفويض السابق وفق المشروع الروسي، وقد أبرزت هذه النتيجة أثر موازين القوى في توجيه القرار الدولي، والمسافة الفاصلة بين اتساع التأييد الدبلوماسي وإمكان ترجمته إلى قرارات أممية، الأمر الذي يمنح تنويع أدوات التحرك المغربي أهمية استراتيجية، من خلال استثمار المرجعيات القائمة وتوسيع مجالات التعاون الثنائي والإقليمي.

وعلى أثر تعذر إقرار المشروعين، جاء بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر ليعلن توجها نحو تجاوز منطق تدبير النزاع وإعادة تشكيل محددات معالجته السياسية والمؤسساتية، من خلال المطالبة بإنهاء وجود المينورسو وطي المتابعة الدورية للملف داخل مجلس الأمن، وقد اتخذ هذا التوجه بعدا عمليا في جلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس يوم 4 نوفمبر، حيث صدرت توجيهات تتعلق بصيانة الوحدة الترابية، وضمان الأمن والاستقرار، ومواصلة المشاريع التنموية بالأقاليم الجنوبية، مع التأكيد على الالتزام بوقف إطلاق النار واحترام التعهدات الدولية، كما جرى تكليف مكتب التنسيق مع المينورسو بمواكبة تصفية البعثة وانسحابها بالتعاون مع الأمم المتحدة، وتعكس هذه الترتيبات اقتران السعي إلى تغيير الإطار الأممي السابق بالمحافظة على مقتضيات الاستقرار والوفاء بالالتزامات الدولية، بما يصل بين الغاية السياسية والمسؤولية المؤسساتية في تدبير مقتضيات المرحلة المقبلة.

وتبرز خصوصية هذا التوجه في سعي المغرب إلى تثبيت المكانة التي اكتسبتها مبادرة الحكم الذاتي داخل قرارات مجلس الأمن، بالتوازي مع المطالبة بتجاوز آليات المتابعة التي ارتبطت بمرحلة سابقة من تدبير القضية، وهو توجه تزداد دلالته في ظل استمرار المساعي السياسية للأمم المتحدة رغم شروعها في تصفية البعثة، بما يميز بين انتهاء المهمة الميدانية واستمرار تناول الملف داخل الأجهزة الأممية، ومن هنا تتحدد أهمية مواصلة استثمار الرصيد الدبلوماسي المتراكم وتوسيع دائرة الدعم للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مع تدبير العلاقة بالمؤسسات الدولية وفق مقتضيات المرحلة الجديدة، ويتكامل هذا المسعى مع الجهود الوطنية الرامية إلى ترسيخ الاستقرار ومواصلة التنمية وتعزيز المشاركة المؤسساتية بالأقاليم الجنوبية، بما يمنح المقاربة المغربية امتدادا سياسيا واجتماعيا يعزز مقومات استدامتها.

وعلى هذا الأساس، تؤشر نهاية المينورسو إلى بداية مرحلة جديدة في قضية الصحراء المغربية، تتحدد خصوصيتها بالسعي إلى الانتقال من مواكبة آليات التسوية السابقة إلى إعادة ترتيب شروط المعالجة السياسية والدبلوماسية للنزاع، وقد أظهرت الإجراءات المعلنة بداية ترجمة هذا التوجه إلى تدابير عملية، فيما يرتبط اكتمال آثاره بقدرة المملكة على تحويل رصيدها الدبلوماسي إلى ترتيبات سياسية ومؤسساتية مستقرة، تعزز وحدتها الترابية وتدعم الأمن والتنمية، ومن ثم، فإن القيمة الاستراتيجية لهذا المنعطف تتجلى في الانتقال من تعزيز موقع المبادرة المغربية داخل المرجعية الدولية إلى ترسيخ نتائجها في الواقع السياسي والقانوني، بما يجعل الطي النهائي للملف ثمرة لمسار تتكامل فيه وضوح الغاية وفاعلية الوسائل المعتمدة لتحقيقها.