1. التأصيل الشرعي لهداية البلاغ
إن من الهدايات التي مُنحها الرسول المبلِّغ صلى الله عليه وسلم؛ هداية البلاغ، قال الله تعالى مخاطبا إياه في ذلكم: «اِنْ عَلَيْكَ إِلَّا اَ۬لْبَلَٰغ» الشورى (45). وقال سبحانه: «وَمَا عَلَي اَ۬لرَّسُولِ إِلَّا اَ۬لْبَلَٰغُ اُ۬لْمُبِين» العنكبوت (17).
2. استمرارية الوظيفة التبليغية وأبعادها
وهداية البلاغ هذه؛ ورثها عنه صلى الله عليه وسلم العلماء، فلا يمحى أصلها ولا ينقطع وصلها ولا يتجزأ مفصلها؛ إذ يظل البلاغ وظيفة مستمرة في الجماعة، ما بقيت الحاجة إلى البيان، واستمر تعلق الناس بالهداية، وتعددت أسباب الاعتراض والإعراض والتشويش. فهداية البلاغ إذن مستمرة في الجماعة، ولذلكم ” يجتهد هؤلاء المبلغون وهم يستحضرون قوله تعالى: «ليس عليك هداهم»، ولكنهم يحرصون ويلحون ولا يملون من أن يبينوا للناس منافع ثمرات الإيمان في بناء حياتهم الطيبة.” [\[1\]](#_ftn1)
3. المقاربة البيداغوجية والشبكة المفاهيمية للتبليغ
إن هذا النص، الداخل في باب بيداغوجيا التبليغ، يرتكز على استجماع شبكة مفاهيمية مرنة، تستحضر ما يعتري فعل التبليغ من أحوال؛ من اعتراض النفس وإعراضها، إلى أثر الغير فيها، وما يقتضيه ذلكم من تطوير في طرائق التبليغ ووسائله وآلياته. وعناصر هذه الشبكة المفاهيمية كالتالي:
– الاجتهاد في التبليغ: ممثلاً في إنجاز العمليات وتطوير الآليات، بما يجعل فعل التبليغ قادراً على مواكبة تحولات الجماعة وتغير حاجاتها.
– الحرص: ومجلاه في الخوف على الجماعة من المشوشين والمنتحلين والمبطلين والجاهلين، وكذا من سوء تدينها وسوء حالها؛ وهو حرص يجعل المبلغ مستشعراً لمسؤوليته في حفظ التدين من الاختلال، وصيانة المتدين من أسباب الانحراف مخافة الاعتلال.
– الإلحاح: ومظهره في القرب من الجماعة للمواكبة والتأطير الجيد، والتمكين المكين مما لها فيه حاجة؛ فالإلحاح هنا ليس إكراهاً على الهداية، وإنما هو دوام الحضور في مقام البيان، وتجدد المبادرة إلى الإرشاد متى تجددت الحاجة إليه.
– عدم الملل: وهو استشعار أمانة التبليغ بكونها مقام إراثة نبوية، بما يجعل المبلغ مستمراً في أداء رسالته، لا تحكمه سرعة الاستجابة ولا بطء الثمرة؛ لأنه يؤدي وظيفة البلاغ.
4. التحول من الإخبار إلى الممارسة التربوية الواعية
وتتآلف عناصر هذه الشبكة المفاهيمية لتخلق وصالاً تخاطبياً فعالاً، يدرك من خلاله العلماء مقصد التولية، ونبل الرسالة، ووجاهة التبليغ، فيتحول البلاغ من مجرد أداء لوظيفة الإخبار والبيان إلى ممارسة تربوية واعية بأحوال المخاطبين، قادرة على استثمار الوسائل والآليات، واستدامة المواكبة، واستحضار مآلات الخطاب.
5. الغاية الأسمى: ربط الإيمان بمقتضيات العمران
ومآل ذلكم كله أن «يبينوا للناس منافع ثمرات الإيمان في بناء حياتهم الطيبة»، فيغدو التبليغ فعلاً هادياً إلى المعنى، وواصلاً بين حقيقة الإيمان ومقتضيات العمران، وبين البيان الديني وحاجات الإنسان؛ وبذلك تنتقل هداية البلاغ من مجرد وظيفة في الإبلاغ إلى بيداغوجيا في التبليغ، قوامها الاجتهاد والحرص والإلحاح وعدم الملل، وغايتها تمكين الإنسان من أن يستبصر أثر الإيمان في بناء حياتهم الطيبة. — [\[1\]](#_ftnref1)
[1] مقتطف من نص الدرس الحسني الأول لسنة 1444-2023 بعنوان: «ثمرات الإيمان في حياة الإنسان»، الذي ألقاه السيد أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أمام أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس أعزه الله.