قلّما استهلّ أفلاطون إحدى محاوراته بمشهد ينطوي على هذا القدر من الاستعجال الذي نلقاه في مستهل محاورة «بروتاغوراس». فها هو أبقراط يطرق باب سقراط في ساعة مبكرة من الصباح، وقد استبدّ به الحماس لنبأ وصول السفسطائي الشهير إلى أثينا. ولم يكن مجيئه في ذلك الوقت طلبًا لعلم عاجل، ولا استنجادًا بحكمة تنقذه من مأزق وجودي؛ بل كان دافعه أن يلتمس من سقراط سبيلًا إلى لقاء بروتاغوراس، وأن يساعده على الظفر بالتلمذة على يديه.
وما يستحق الانتباه في هذا المشهد ليس حماسة الشاب وحدها، بل ما تنطوي عليه من مفارقة: فأبقراط شديد الرغبة في أن يتعلم، لكنه لا يعرف، على وجه التحديد، طبيعة العلم الذي يريد تحصيله! إنه يعرف اسم المعلم، ويعرف شهرته، ويُبدي استعدادًا لبذل المال في سبيل التعلم على يديه، غير أن معرفته تتوقف عند هذا الحد. أما السؤال عن مضمون التعليم وغايته، وعما عساه أن يصير إليه بعد التتلمذ على السفسطائي، فلم يكن قد شغل ذهنه بعد.[1]
أليس في هذه البداية ما يستوقف القارئ؟
فلماذا اختار أفلاطون أن يجعل الرغبة في التعلّم سابقةً على معرفة موضوعه؟ وهل نحن بإزاء مشهد درامي أريد به إبراز اندفاع الشباب الأثيني نحو السفسطائيين، أم أن ثمة مقصدًا فلسفيًّا أعمق، يتصل بمشروعية المعرفة التي تُعرض للتعليم، وبحدود السلطة التي يكتسبها من يدّعي امتلاكها؟
وإذا كان أبقراط مستعدًّا لدفع المال لقاء تعليم لم يتبين بعدُ ماهيته، ألا يكون هذا الاستعداد ذاته مدخلًا إلى مساءلة العلاقة بين المعرفة والمنفعة، وبين المعلّم والمتعلّم، بل وبين الحقيقة والسوق؟
تلك، في تقديرنا، هي المسألة الأولى التي ينبغي أن تستوقف قارئ «بروتاغوراس»؛ إذ ليس صحيحًا أن المحاورة تفتتح مباشرة بسؤال إمكان تعليم الفضيلة، وإنما تسبقه بمساءلة حقّ المعلم في أن يَعِد بالتعليم، وحقّ المتعلم في أن يعرف ما الذي سيتلقاه قبل أن يُسلم نفسه إلى سلطة صاحبه.
ولعل هذا المدخل هو ما يمنح النص خصوصيته بين المحاورات الأفلاطونية التي تناولت القضايا الأخلاقية. ففي «لاخيس» يحتل مفهوم الشجاعة موقع السؤال المركزي، وفي «أوطيفرون» تتجه المناقشة إلى التقوى، بينما تتخذ «خارميدس» من الاعتدال موضوعًا للفحص. أما في «بروتاغوراس»، فإن أفلاطون لا يكتفي بمساءلة فضيلة مفردة، بل ينقل النقاش إلى طبيعة الفضيلة عمومًا، وإلى علاقة المعرفة بالأخلاق والسياسة، وإلى أهلية من يدّعي القدرة على تعليم الناس كيف يصيرون أفضل.[2]
غير أن الاقتصار على هذا المستوى المفهومي يفوّت علينا جانبًا مهمًّا من المحاورة؛ لأن أفلاطون لا يعرض أفكاره في قالب نظري مجرد، بل يصطنع لها فضاءً دراميًّا، ويحرص على أن تتجسد الإشكالات في شخصيات متحاورة تتباين مواقعها الاجتماعية ومقاصدها الفكرية وطرائقها في الحجاج.
ومن ثم، لا يكفي أن نسأل عما يقوله سقراط وبروتاغوراس؛ بل ينبغي أيضًا أن نسأل: لماذا اختار أفلاطون هذين المتحاورين؟ ولماذا جعل لقاءهما يتم في بيت كالياس، بحضور جمع من أشهر السفسطائيين وشباب أثينا؟ ثم لماذا انتهى ذلك اللقاء إلى مفارقة تجعل موقف كل منهما أقرب إلى نقيض ما ابتدأ بالدفاع عنه؟
هذه الأسئلة هي ما سنحاول استعلامه من متن المحاورة، دون أن نفترض ابتداءً أن سقراط مصيب في كل ما يقول، أو أن بروتاغوراس مخطئ بحكم انتمائه إلى الحركة السفسطائية.
-1-
قبل النظر في المضمون الفلسفي للمحاورة، ثمة ملحوظة تستحق الوقوف عندها، وهي أن النص الذي بين أيدينا ليس حديثًا مباشرًا بين سقراط وبروتاغوراس يورده أفلاطون على نحو تتابعي، بل إن سقراط نفسه هو الذي يستعيد أمام أحد مخاطبيه ما جرى له في ذلك اللقاء. فنحن، إذن، أمام حوار تحيط به رواية، أو أمام محاورة يضطلع أحد شخوصها بمهمة سرد ما وقع فيها.
وهذا الاختيار الفني ليس مجرد حيلة شكلية؛ إذ يجعل سقراط، الذي شارك في المناقشة، هو نفسه الراوي الذي يتولى إعادة بنائها أمام القارئ. ومن هنا تنشأ مشكلة تأويلية ينبغي ألا نغفلها: إلى أي حد يمكن النظر إلى الصورة التي يقدمها النص لبروتاغوراس باعتبارها تمثيلًا أمينًا لشخصيته التاريخية، لا بناءً دراميًّا صاغه أفلاطون خدمةً لمقاصده الفلسفية؟
والمسألة جديرة بالتحفظ؛ لأننا لا نملك تسجيلًا تاريخيًّا مستقلًّا لذلك اللقاء يسمح لنا بمقابلة ما جرى بالفعل بما أورده أفلاطون. كما أن تاريخ تأليف المحاورة نفسه لا يمكن تعيينه على وجه القطع، وإن جرى تصنيفها، في كثير من الدراسات، ضمن المجموعة المبكرة من المحاورات الأفلاطونية.
وإذا كان مشهدها الدرامي يحيل إلى أثينا القرن الخامس قبل الميلاد، فإن ذلك لا يعني أن زمن وقوع الأحداث المروية مطابق لزمن تأليف النص. بل إن بعض الدراسات أثارت مشكلة التفاوتات الزمنية التي تظهر في المحاورة، وذهبت إلى اقتراح تفسيرات مختلفة لها، منها احتمال أن أفلاطون جمع في بناء درامي واحد عناصر مستمدة من أكثر من لقاء تاريخي.[3]
لكن هل يستلزم ذلك التشكيك في القيمة الفلسفية للنص؟
لا نرى الأمر كذلك؛ لأن المحاورة ليست وثيقة تاريخية يُطلب منها أن تطابق الوقائع مطابقة محاضر الجلسات، وإنما عمل فلسفي تتوسل بنيته الدرامية لتشكيل مشكلة فكرية وفحصها.
بل لعل خصوصية أفلاطون تكمن في أنه يجعل من الشخصيات التاريخية مادةً لبناء أنماط من التفكير. فسقراط لا يحضر بوصفه فردًا فحسب، وإنما بوصفه ممثلًا لطريقة في مساءلة الادعاءات المعرفية؛ وبروتاغوراس ليس مجرد اسم لسفسطائي مشهور، بل يمثل تصورًا مخصوصًا للمعرفة والتربية، يرتبط بالحياة السياسية للمدينة.
وإذا انتقلنا إلى المكان، وجدنا أن أفلاطون قد جمع المتحاورين في بيت كالياس، أحد أثرياء أثينا، الذي عُرف باستضافته للسفسطائيين والإنفاق على تعليمهم. وهناك نلتقي، إلى جانب بروتاغوراس، ببرديقوس وهيبياس، وجمع من الشباب والشخصيات المهتمة بالتعلم والجدل.[4]
واللافت في وصف هذا المشهد أن السفسطائيين لا يظهرون متحاورين في حلقة متكافئة؛ بل إن لكل واحد منهم جمهورًا يلتف حوله ويستمع إلى حديثه. وبروتاغوراس يتقدم هؤلاء جميعًا، وقد أحاط به أتباعه ومعجبوه، في صورة تقارب مشهد المعلم الذي تحوّل علمه إلى مركز جذب اجتماعي.
أتكون هذه الصورة مجرد تصوير لواقع التعليم السفسطائي في أثينا؟
أم أن أفلاطون أراد أن يكشف، منذ البداية، عن الصلة بين المعرفة والوجاهة الاجتماعية، بحيث يصبح حضور الجمهور وافتتانه بالمعلم عنصرًا من عناصر سلطته؟
نرجح أن هذا المعنى الثاني حاضر بقوة في البناء الدرامي. فالمحاورة لا تنتقد مضمون التعليم السفسطائي فقط، وإنما تُخضع للمساءلة شروط تلقيه، وما يحيط به من شهرة وإعجاب وثقة مسبقة.
ومن هنا نفهم لماذا يستوقف سقراط أبقراط قبل الذهاب إلى بروتاغوراس، ويسأله عن طبيعة السفسطائي، وما إذا كان يعرف حقًّا موضوع العلم الذي يدّعي تعليمه.
وحين يحاول الشاب الإجابة، لا يجد سوى تعريفات عامة، تجعل السفسطائي رجلًا عالمًا أو ماهرًا في الكلام، دون أن يستطيع تعيين الموضوع الذي يختص بمعرفته.
هنا يستحضر سقراط التمييز بين المعارف التي تنصب على صنائع محددة، وبين المعرفة التي يدّعيها السفسطائي. فالطبيب يعرف الطب، والنحات يعرف صناعة التماثيل، ولكل صنعة موضوع يمكن تعيينه، بينما يظل موضوع التعليم السفسطائي ملتبسًا.
وما يزيد هذه الوضعية حرجًا أن الشاب يريد أن يدفع مالًا مقابل ما لا يعرف حقيقته. لذلك يقارن سقراط السفسطائي بمن يتاجر في الأغذية، مع فارق جوهري بين غذاء الجسم وغذاء النفس.
فغذاء الجسم يمكن أن يُشترى ويُحمل بعيدًا، ثم يُعرض على الخبير قبل تناوله؛ أما المعارف فلا يمكن عزلها عن النفس بعد تلقيها، لأنها تدخل مباشرة في تكوينها.
يقول سقراط في عبارة لافتة:
«أما المعارف فإنه ليس ممكنا أن نحملها في وعاء مختلف عن النفس».[5]
والدلالة الفلسفية لهذه العبارة تتجاوز التحذير من التعليم السفسطائي؛ إذ إنها تجعل من المعرفة شيئًا يغيّر المتعلم من الداخل. فالمعرفة ليست سلعة خارجية يمكن امتلاكها دون أن تتدخل في تشكيل صاحبها، بل هي قوة تؤثر في الحكم والسلوك والنظر إلى العالم.
وعليه، فإن خطر المعرفة الفاسدة لا يكمن في فساد مضمونها وحده، وإنما في أنها قد تتحول إلى جزء من بنية التفكير نفسها، بحيث يصعب على المتعلم أن يتخلص من أثرها بعد أن تتغلغل في نفسه.
لكن علينا هنا أن نحتاط من تحويل هذه الملحوظة إلى اعتراض على أخذ الأجر مقابل التعليم من حيث المبدأ. فسقراط لا يبرهن، في هذا الموضع، على أن المعلم المأجور لا يستطيع تعليم الحقيقة، وإنما يتساءل عن ضمانات التمييز بين المعرفة النافعة والمعرفة الضارة قبل تلقيها.
إنه نقد لمشروعية الادعاء المعرفي حين يسبق التحققُ منه فعلَ التعلم، لا برهان نهائي على أن كل تعليم مأجور تعليم فاسد.
غير أن المفارقة تبدأ من هنا: فالسفسطائي يطلب الثقة في علمه لكي يستطيع تعليم الناس، بينما يطلب سقراط فحص ذلك العلم قبل منحه الثقة.
وبين الموقفين يتحدد أحد أعمق أسئلة التربية: هل تقوم العلاقة التعليمية على التسليم بسلطة من يعرف، أم ينبغي أن تتضمن منذ البداية حقّ المتعلم في مساءلة تلك السلطة؟
-2-
حين يصل سقراط وأبقراط إلى بروتاغوراس، وينتهي الحديث إلى تحديد ما يعد به السفسطائي تلاميذه، يتبين أن الأمر لا يتعلق بتعليم صنعة محددة، وإنما بتكوين قدرة على حسن التدبير في الشؤون الخاصة والعامة.
فبروتاغوراس لا يقدم نفسه معلمًا للطب أو الهندسة أو صناعة الأدوات، وإنما معلمًا للقدرة التي تمكّن الإنسان من إدارة بيته، والمشاركة الفعالة في شؤون مدينته، والإحسان في القول والفعل داخل المجال السياسي.
وفي العبارة التي يحدد بها موضوع تعليمه، يربط بروتاغوراس بين حسن التدبير المنزلي وبين القدرة على التصرف والكلام في شؤون المدينة. وهو ما يحمل سقراط على فهم ذلك التعليم باعتباره تعليمًا للفضيلة السياسية أو فن المواطنة.[6]
هنا تبدأ المسألة الفلسفية المركزية في التشكل.
فإذا كانت الفضيلة السياسية موضوعًا يمكن أن يعلمه إنسان لإنسان آخر، فما طبيعتها؟ وهل هي معرفة متخصصة، شأنها شأن الطب والهندسة، أم قدرة إنسانية عامة يشترك فيها المواطنون؟ وإذا كانت قابلة للتعليم، فلماذا لا نجد لدى السياسيين الكبار قدرة مضمونة على نقل فضيلتهم إلى أبنائهم؟
يلجأ سقراط إلى الاحتجاج بما يلاحظه من الممارسة السياسية الأثينية. فعندما تكون المناقشة متعلقة ببناء السفن، أو العمارة، أو إحدى الصنائع، تلجأ المدينة إلى أصحاب الاختصاص؛ أما حين يتعلق الأمر بالشأن السياسي، فإنها تسمح للمواطنين بالمشاركة في إبداء الرأي، دون اشتراط تكوين متخصص من النوع الذي تحتاج إليه سائر الصنائع.
فهل يدل ذلك على أن الأثينيين لا يعدّون الفضيلة السياسية علمًا يختص به بعض الناس دون الآخرين؟
ثم يستحضر سقراط أمثلة من حياة رجال السياسة، وبخاصة بريكليس، الذي استطاع أن يهيئ لأبنائه تعلم بعض المهارات، لكنه لم يضمن لهم أن يصبحوا مماثلين له في الفضل السياسي.
ومن هذه الشواهد ينتهي إلى التشكيك في إمكان تعليم الفضيلة.[7]
لكن هل الحجة قاطعة؟
يبدو لنا أنها ليست كذلك.
فعدم قدرة الأب الفاضل على جعل أبنائه فضلاء لا يثبت، بذاته، استحالة تعليم الفضيلة؛ إذ قد يدل على اختلاف الاستعدادات، أو ضعف الوسائل التربوية، أو تدخل ظروف اجتماعية لا يملك المعلّم التحكم فيها.
كذلك فإن مشاركة المواطنين في النقاش السياسي لا تبرهن بالضرورة على غياب المعرفة السياسية، بل قد تعكس تصورًا للمدينة يقوم على أن الحكم في الشؤون المشتركة لا ينبغي أن يحتكره أصحاب اختصاص تقني.
وهنا تبدو حجة سقراط قابلةً للاعتراض؛ لأنها تنتقل من ملاحظة اجتماعية إلى حكم يتعلق بطبيعة الفضيلة وإمكان تعليمها، دون إقامة البرهان الكافي على لزوم ذلك الانتقال.
غير أن الإنصاف يقتضي الانتباه إلى أن سقراط لا يقدم حجته بوصفها دراسة تجريبية في التربية، بل يستعملها لمطالبة بروتاغوراس بتبرير ادعائه. فهو يريد أن ينقل محاوره من إعلان القدرة على التعليم إلى بيان الشروط التي تجعل هذه القدرة ممكنة.
ولعل ما يثير الاهتمام هنا أن بروتاغوراس لم يتراجع أمام الاعتراض، بل قرر الدفاع عن موقفه بواسطة خطاب طويل، جمع فيه بين الأسطورة والتفسير العقلي والملاحظة الاجتماعية.
وقد اختار أن يبدأ بحكاية بروميثيوس وإبيميثيوس، في واحدة من أكثر لحظات المحاورة خصوبةً من حيث دلالتها الأنثروبولوجية والسياسية.[8]
تروي الأسطورة أن الكائنات الحية، عند تهيئتها للوجود، احتاجت إلى توزيع القدرات التي تمكنها من البقاء. وقد تولى إبيميثيوس مهمة هذا التوزيع، فأعطى بعض الحيوانات القوة، وبعضها السرعة، وأمدّ أخرى بوسائل الدفاع والحماية.
لكنه، حين استنفد ما لديه من قدرات، وجد الإنسان عاريًا من وسائل الدفاع الطبيعية، عاجزًا عن مواجهة الأخطار التي تهدده.
هنا يتدخل بروميثيوس، فيسرق من الآلهة النار والمعرفة الفنية، ويمنحهما للإنسان، حتى يستطيع تعويض نقصه الطبيعي بالقدرة على الصناعة والابتكار.[9]
والحكاية، وإن اتخذت صورة أسطورية، تنطوي على تصور دقيق لخصوصية الوجود الإنساني.
فالإنسان لا يحافظ على بقائه بفضل ما زودته به الطبيعة من أعضاء وقدرات فحسب، وإنما بواسطة ما ينتجه من أدوات ومعارف. إنه الكائن الذي يعوّض ضعفه الطبيعي بقوة الصنعة؛ ولذلك يغدو وجوده مشروطًا بقدرته على إبداع الوسائل التي تمكنه من مواجهة العالم.
غير أن امتلاك النار والمعرفة الفنية لم يكن كافيًا لقيام المدينة.
لقد أصبح الإنسان قادرًا على تدبير بعض حاجاته، وصنع الأدوات التي تساعده على البقاء، لكنه ظل عاجزًا عن الاجتماع المستقر؛ لأن البشر، حين حاولوا العيش معًا، اعتدى بعضهم على بعض، فتعرض اجتماعهم للانهيار.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في الأسطورة: فالقدرة التقنية التي تجعل الإنسان أقدر على مواجهة الطبيعة لا تجعله، بالضرورة، أقدر على العيش مع غيره.
إن الإنسان يستطيع أن يصنع أدواته قبل أن يتعلم كيف ينظم علاقاته؛ ويستطيع أن يكتسب القوة المادية دون أن يكتسب، بالمقدار نفسه، ما يمنع هذه القوة من التحول إلى عدوان.
ولذلك كان تدخل زيوس ضروريًّا في الحكاية، حين أرسل هرمس ليمنح البشر العدل والحياء، باعتبارهما شرطين لا غنى عنهما لقيام الاجتماع السياسي.
غير أن هرمس يطرح سؤالًا بالغ الأهمية: هل يوزع العدل والحياء على البشر كما توزع المهارات الفنية، بحيث يمتلك بعض الناس ما يكفي حاجة الآخرين، أم ينبغي أن يشترك فيهما الجميع؟
فيجيبه زيوس، بحسب ترجمة عزت قرني:
«بل فليشاركوا فيهما جميعا».[10]
ثم يبرر هذا الأمر بأن المدينة لا تستطيع القيام إذا اقتصر امتلاك هاتين الصفتين على عدد قليل من الناس.
وهنا يبلغ خطاب بروتاغوراس إحدى أهم لحظاته النظرية.
فالصنائع الفنية تقوم على مبدأ الاختصاص؛ إذ يستطيع الطبيب أن يعالج من لا يعرفون الطب، ويستطيع الصانع أن ينتج لمن يجهلون صناعته. أما الفضيلة السياسية فلا تقوم بالطريقة نفسها؛ لأن الحياة المشتركة تقتضي حدًّا من المشاركة العامة في القيم التي تجعل الاجتماع ممكنًا.
لكن ما المقصود بهذه المشاركة؟
هل يريد بروتاغوراس القول إن كل إنسان يولد فاضلًا؟
أم أن المقصود أن جميع البشر يمتلكون استعدادًا يجعلهم قابلين لاكتساب الفضيلة، دون أن يعني ذلك تساويهم في درجات تحققها؟
نميل إلى التفسير الثاني، لأنه أكثر انسجامًا مع مجمل دفاع بروتاغوراس عن التعليم.
فلو كان الناس فضلاء بالفعل، لما احتيج إلى تربيتهم؛ ولو كانوا عاجزين جميعًا عن الفضيلة، لما أمكن قيام المدينة. أما إذا افترضنا أنهم يشتركون في قابلية المشاركة الأخلاقية، مع اختلافهم في مقدار ما يحققونه منها، أصبح للتربية معنى، بل غدت ضرورة سياسية.
وهذا التمييز هو الذي يسمح لنا بفهم الانتقال من الأسطورة إلى الدفاع عن إمكان تعليم الفضيلة، دون الوقوع في تعارض ظاهر بين كون العدل والحياء مشتركين بين البشر وبين كون بعضهم أقدر من غيره على تنميتهما.
غير أن علينا ألا نغفل إشكالًا آخر.
فبروتاغوراس يجعل من العدل والحياء أساسًا للحياة السياسية، ثم يربط ترسيخهما بالتربية والقانون والجزاء. لكن ما المعيار الذي يضمن عدالة القوانين والأعراف التي تتولى تعليم المواطنين؟
فقد تكون الجماعة قادرة على فرض قواعدها، وقد ينجح أفرادها في الامتثال لها، دون أن يستلزم ذلك أن تكون تلك القواعد عادلة من حيث المبدأ.
وهكذا نكون أمام تمييز بين أمرين: ضرورة وجود قواعد أخلاقية وسياسية لقيام المدينة، وصحة القواعد التي تقررها مدينة معينة.
لقد نجح بروتاغوراس في بيان الأمر الأول، لكنه لم يقدم في هذا الموضع معيارًا مستقلًّا وكافيًا للحسم في الثاني.
-3-
ما يزيد تصور بروتاغوراس إثارةً أنه لا يكتفي بتأسيس الحياة السياسية على الاشتراك في العدل والحياء، بل يستند إلى الممارسات الاجتماعية السائدة لإثبات أن الفضيلة قابلة للتعلم.
فإذا كان الناس يعتقدون أن الظلم والرذيلة أمران لا يمكن إصلاحهما، فلماذا يعاقبون مرتكبيهما؟ وما جدوى النصح والتوجيه والتأديب إذا كان السلوك الأخلاقي صفة ثابتة لا تقبل التغيير؟
يذهب بروتاغوراس إلى أن العقاب العقلاني لا ينبغي أن يكون انتقامًا مجردًا من فعل وقع وانتهى، وإنما يتجه إلى المستقبل، بغرض تقويم سلوك المخطئ ومنع تكرار الخطأ.
وفي هذا السياق يقرر أن من يعاقب تعقلًا لا يفعل ذلك لمجرد أن الظلم قد وقع، بل يجعل نصب عينيه ما يمكن أن يتحقق في المستقبل.[11]
وهذه الملحوظة، وإن وردت في سياق الدفاع عن قابلية الفضيلة للتعليم، تتضمن تصورًا مهمًّا للعلاقة بين العقوبة والتربية.
فالعقوبة، في منظور بروتاغوراس، تفترض أن الإنسان قادر على تعديل سلوكه، وأن القواعد الاجتماعية تستطيع التأثير في أفعاله المستقبلية.
لكن الحجة تحتاج إلى قدر من التدقيق.
إذ إن معاقبة الناس على أفعالهم لا تثبت، بمجرد وقوعها، أن العقاب ينجح فعلًا في إصلاحهم؛ وإنما تثبت، في أحسن الأحوال، أن المجتمع يتصرف كما لو كان تعديل السلوك ممكنًا.
وثمة فرق بين إثبات الاعتقاد بإمكان التربية وإثبات تحقق ذلك الإمكان في الواقع.
ومع ذلك، لا تتوقف حجة بروتاغوراس عند العقوبة؛ بل ينتقل إلى بيان أن التربية ليست عملًا يحتكره معلم مخصوص، وإنما هي سيرورة اجتماعية تشترك فيها الأسرة والمؤسسات التعليمية والقوانين والعادات.
فالطفل يتلقى التوجيه منذ سنواته الأولى، ويتعلم التمييز بين المقبول والمرفوض، ثم ينتقل إلى المدرسة، حيث لا يقتصر التعليم على القراءة والكتابة، بل يشمل الشعر والموسيقى والرياضة، وما تحمله هذه الأنشطة من مضامين أخلاقية وتربوية.
وبعد ذلك يتولى القانون، باعتباره تعبيرًا عن انتظام المدينة، تحديد القواعد التي ينبغي للمواطنين الالتزام بها.[12]
ومن هنا يظهر أن بروتاغوراس لا يقصد بتعليم الفضيلة مجرد تقديم دروس نظرية في الأخلاق؛ بل يتحدث عن عملية تكوين طويلة تتدخل فيها مؤسسات المجتمع المختلفة.
ويمكن أن نقول إن قوة هذا التصور تكمن في إدراكه أن السلوك الأخلاقي لا يتكون خارج العالم الاجتماعي، وأن المعرفة بالقيم ليست منفصلة عن الاعتياد على ممارستها.
لكن هذا التحليل يقودنا إلى سؤال لم يُحسم بعد: إذا كانت المدينة بأسرها تضطلع بتعليم الفضيلة، فما الذي يضيفه بروتاغوراس بوصفه معلمًا يتقاضى الأجر؟
أليست هذه الدعوى سببًا لإضعاف خصوصية مهنته، ما دام كل مواطن يتلقى التربية الأخلاقية من المجتمع؟
هنا ينبغي التمييز بين التعليم العام الذي يتيح للناس اكتساب القدر الضروري من الفضيلة المدنية، وبين التعليم الأرقى الذي يدعي بروتاغوراس أنه قادر على تقديمه، بما يجعل المتعلم أكثر اقتدارًا على تدبير شؤون حياته والمشاركة في السياسة.
فكما أن اشتراك الناس في معرفة اللغة لا يمنع أن يكون بعضهم أفصح من بعض، فإن اشتراكهم في القيم السياسية لا يمنع اختلاف درجات قدرتهم على فهمها وتطبيقها.
وبذلك يستطيع بروتاغوراس أن يدافع عن مشروعية التعليم المتخصص، دون أن يتراجع عن قوله بعمومية الاستعداد للمشاركة الأخلاقية.
غير أن هذا الدفاع لا يعفيه من ضرورة إثبات أن ما يقدمه يحقق فعلًا تفوقًا في الفضيلة، لا مجرد تفوق في الخطابة والإقناع.
وهنا تعود مشكلة العلاقة بين المعرفة والسلطة في صورة جديدة.
فقد يستطيع المعلم أن يمنح تلميذه قدرة فائقة على الكلام أمام الجمهور، أو على الدفاع عن آرائه، أو على التأثير في قرارات الآخرين؛ لكن هل تكفي هذه القدرات لكي نسميه فاضلًا؟
إن الإنسان قد يحسن الإقناع دون أن يكون صادقًا، وقد ينجح في السياسة دون أن يكون عادلًا، وقد يمتلك الوسائل التي تمكنه من تحقيق مصالحه دون أن يكون قادرًا على التمييز بين المصلحة والخير.
ومن ثم، فإن السؤال الذي يطرحه سقراط لا يفقد مشروعيته بعد دفاع بروتاغوراس، بل يزداد إلحاحًا: ما الفضيلة التي يُراد تعليمها؟ وما الذي يميزها عن مجرد المهارة في الفعل والكلام؟
-4-
بعد انتهاء بروتاغوراس من خطابه الطويل، يعود سقراط إلى طريقته المعهودة في الفحص، لكن هذه المرة بسؤال يتصل بالبنية الداخلية لمفهوم الفضيلة.
فهل العدالة والتقوى والحكمة والاعتدال والشجاعة أجزاء مختلفة من الفضيلة، أم أنها أسماء متعددة لحقيقة واحدة؟
قد يبدو السؤال لأول وهلة انصرافًا عن الموضوع الأصلي، لكنه في الحقيقة انتقال إلى مستوى أعمق من البحث.
إذ كيف يمكن الحديث عن تعليم الفضيلة إذا لم نعرف طبيعتها؟ وهل يستطيع المعلم أن يحدد وسائل تعليم شيء لم يتبين بعد ما إذا كان وحدةً أو مجموعة خصال متمايزة؟
في هذا الموضع يميل بروتاغوراس إلى اعتبار الفضيلة ذات أجزاء مختلفة، شأنها شأن أعضاء الوجه التي يجمعها انتماؤها إلى كل واحد، دون أن يمنع ذلك اختلاف وظائفها وخصائصها.
أما سقراط فيحاول الكشف عن الروابط التي تجمع هذه الفضائل، مبتدئًا بالعلاقة بين العدالة والتقوى.[13]
يسأل سقراط محاوره عما إذا كانت العدالة عادلة، والتقوى تقية، ثم يحاول دفعه إلى الإقرار بوجود شبه قوي بينهما.
ومن هذه المقدمات يتجه إلى مساءلة مشروعية الفصل بين الفضيلتين.
لكن هل يكفي التشابه لإثبات الوحدة؟
هذا السؤال هو ما ينبغي أن يحكم قراءتنا للحجاج السقراطي؛ لأن إثبات أن العدالة تشبه التقوى لا يستلزم بالضرورة أن تكون هي التقوى ذاتها.
فقد تتداخل المفاهيم الأخلاقية في بعض خصائصها، دون أن تفقد استقلالها الدلالي.
ومن ثم، فإن الحجة السقراطية، في هذا الموضع، تكشف أهمية البحث عن وحدة الفضيلة، لكنها لا تحقق برهانًا نهائيًّا عليها.
ولعل ما يزيد المسألة تعقيدًا أن العلاقة بين الفضائل ليست علاقة لغوية فحسب؛ إذ لا يتعلق الأمر بتحديد معاني الكلمات، بل ببحث ما إذا كان الإنسان يستطيع امتلاك فضيلة دون أخرى.
فهل يمكن أن يكون الشخص شجاعًا دون أن يكون حكيمًا؟ وهل يستطيع أن يكون معتدلًا في تدبير أفعاله، لكنه ظالم في علاقته بالآخرين؟ ثم هل تكون الصفة فضيلة أخلاقية إذا استُعملت في خدمة غاية غير أخلاقية؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح البحث في وحدة الفضائل قيمته الفلسفية.
فقد يكون الظالم شديد الانضباط في تنفيذ خططه، وقادرًا على تأجيل رغباته من أجل تحقيق مصالحه؛ لكن هل يكون هذا الانضباط اعتدالًا بالمعنى الأخلاقي؟
وهل تكون قدرة الإنسان على مواجهة الأخطار شجاعةً إذا كان يقصد بها الاعتداء على الآخرين؟
إننا نلمس هنا الحاجة إلى التمييز بين القدرة في ذاتها والغاية التي تتوجه إليها.
فليست كل قدرة على التحكم في النفس فضيلة، كما أن كل إقدام على المخاطر ليس شجاعةً؛ وإنما يتوقف الحكم الأخلاقي على العلاقة بين الفعل والمعرفة والغاية التي يقصدها صاحبه.
غير أن هذه النتيجة لا تمنحنا الحق في إلغاء الفروق بين الفضائل المختلفة؛ لأنها قد تشترك في اشتراط المعرفة بالخير، مع احتفاظ كل واحدة منها بمجال مخصوص للتحقق.
وهكذا يبدو أن البحث السقراطي يسير في اتجاه تأسيس الوحدة الأخلاقية على أساس معرفي، بينما يحافظ بروتاغوراس على قدر من التعدد يسمح بتمييز الفضائل بعضها من بعض.
لكن المناقشة لا تستمر على هذا النحو المنتظم؛ إذ يتخللها اختلاف بين المتحاورين حول طريقة الكلام نفسها.
فبروتاغوراس يميل إلى الخطب المطولة، بينما يلح سقراط على ضرورة الأجوبة المقتضبة، حتى يستطيع تتبع المقدمات والنتائج.
والواقع أن هذا الاختلاف ليس أمرًا عارضًا؛ لأنه يعكس تصورين مختلفين لممارسة الخطاب.
فالمعلم السفسطائي يتوسل البلاغة والشرح والاسترسال، ويحرص على عرض رأيه في بناء خطابي متماسك، بينما يسعى سقراط إلى تفكيك ذلك البناء بواسطة السؤال والجواب، بحيث تصبح كل مقدمة موضع اختبار قبل الانتقال إلى ما يليها.
غير أن الاقتصار على وصف بروتاغوراس بأنه خطيب، وسقراط بأنه فيلسوف، لا يكفي لتفسير ما يجري بينهما.
فبروتاغوراس لا يخلو خطابه من الحجج، وسقراط نفسه يستعمل أحيانًا وسائل بلاغية واستفهامية تنطوي على قدر من الضغط على محاوره.
ولذلك لا يصح أن نجعل التقابل بينهما تقابلًا بسيطًا بين البلاغة والعقل، أو بين التضليل والحقيقة.
فالمشكلة أعمق من ذلك: إنها تتعلق بشروط الحوار، وبما إذا كان المقصود منه إظهار قوة المتكلم، أم إقامة حجة يستطيع الطرف الآخر أن يفحصها ويعترض عليها.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا عندما يتدخل الحاضرون لفض الخلاف حول طريقة المناقشة، ويعرض بعضهم تصورات مختلفة لطبيعة الحوار وقواعده.
فهيبياس، مثلًا، يتحدث عن التمييز بين الطبيعة والقانون، ويؤكد رابطة الطبيعة بين الحاضرين، في مقابل ما قد يفرضه القانون من فروق وموانع.[14]
وهذه الإشارة، وإن جاءت في سياق تنظيمي عارض، تكشف عن حضور إحدى المشكلات الكبرى التي شغلت السفسطائيين، وهي العلاقة بين ما يكون بالطبيعة وما ينتج عن الاصطلاح الاجتماعي.
لكن هل أراد أفلاطون أن يجعل من هذا التدخل استطرادًا لا وظيفة له؟
نستبعد ذلك؛ لأنه يكشف كيف تتحول المناقشة الفلسفية إلى فضاء تتنازع داخله تصورات مختلفة للمعرفة واللغة والمدينة.
بل إن هذه الواقعة تنبهنا إلى أن البحث عن الحقيقة لا ينفصل عن القواعد التي تنظّم الكلام، وأن الحوار لا يقوم بمجرد اجتماع متكلمين، وإنما يحتاج إلى اتفاق على شروط تسمح بتبادل الحجج وتقويمها.
-5-
ومن أغرب المقاطع التي تتخلل محاورة «بروتاغوراس» ذلك الاستطراد الطويل المخصص لتفسير قصيدة سيمونيدس.
فبعد المناقشة حول وحدة الفضائل، ينتقل الحوار إلى أبيات شعرية تتعلق بصعوبة أن يصير الإنسان فاضلًا، وبالعلاقة بين أن يكون المرء صالحًا وأن يظل كذلك.
وقد يبدو الانتقال إلى الشعر خروجًا عن المسألة الأساسية، لكن التأمل في بنية المناقشة يكشف أن القصيدة ليست غريبة تمامًا عن موضوع الفضيلة.
فالشاعر يتحدث عن صعوبة بلوغ الكمال الإنساني، وعن الشروط التي تجعل الإنسان جديرًا بوصفه بالفاضل. وبذلك يعود السؤال الأخلاقي، وإن في صورة شعرية، إلى مركز الحوار.
غير أن ما يستوقفنا ليس مضمون القصيدة وحده، بل الطريقة التي يتعامل بها المتحاورون مع ألفاظها.
إذ يحاول بروتاغوراس الكشف عن تعارض بين بعض عباراتها، بينما يسعى سقراط إلى إعادة تأويلها على نحو يرفع ذلك التعارض، مستعينًا بالتمييز بين معاني الكلمات، وباستحضار السياق الذي يمكن أن تُفهم فيه.[15]
وهنا يظهر سؤال منهجي بالغ الأهمية: هل تكفي القدرة على تأويل النصوص الموروثة لإثبات المعرفة بحقيقة ما تتحدث عنه؟
قد يستطيع المفسر أن يحمّل العبارة أكثر من معنى، وأن يجد من الفروق اللغوية ما يسمح له بالتوفيق بين أقوال تبدو متناقضة؛ لكن نجاحه في ذلك لا يثبت، بالضرورة، صحة الفكرة التي انتهى إليها.
ولذلك يمكن القول إن أفلاطون يجعل من تفسير الشعر مناسبة لاختبار حدود الاستناد إلى سلطة النصوص.
فإذا كان كل متحاور يستطيع أن ينتصر لرأيه بتأويل مخصوص للقول الشعري، فإن الخلاف لا يعود متعلقًا بالفضيلة وحدها، بل بسلطة المفسر في تحديد المعنى.
وما يدعم هذا الفهم أن سقراط نفسه يعود إلى تفضيل الحوار المباشر حول الآراء التي يتحمل أصحابها مسؤولية الدفاع عنها، بدل الاحتكام إلى أقوال شعراء غائبين لا يمكن سؤالهم عما قصدوه.
لكن علينا ألا نغفل المفارقة هنا أيضًا.
فسقراط الذي ينتقد الإفراط في تأويل الشعر كان قد مارس، هو نفسه، تأويلًا مطولًا للقصيدة. أفلا يكون ذلك دليلًا على أن الخطاب الفلسفي لا يستطيع الانفصال تمامًا عن المهارة البلاغية؟
نرى أن هذه الملحوظة جديرة بالاعتبار؛ لأنها تمنعنا من تقديم سقراط في صورة عقل خالص لا يستعمل سوى البرهان، وتمنعنا، في المقابل، من اختزال بروتاغوراس في مجرد متكلم يجيد الخداع.
إن كلا الطرفين يستعمل اللغة، ويختار طرائق مخصوصة في بناء حججه، لكن الاختلاف يتعلق بالمعيار الذي ينبغي أن تُختبر به الأقوال.
ولعل إحدى أهم لحظات المحاورة تأتي حين يعبر سقراط عن تفضيله المناقشة مع بروتاغوراس، لا لأن الأخير لا يمتلك معرفة بالأشياء، بل لأنه يراه محاورًا جديرًا بفحص المشكلات الصعبة.
وهنا يستحضر معنى العبارة المنسوبة إلى هوميروس، المتعلقة بما يتيحه اشتراك اثنين في السير والتفكير، لأن الحوار مع الآخر يساعد على تقوية القدرة على البحث والنظر.[16]
وهذا المعنى يمنح العلاقة بين سقراط وبروتاغوراس بعدًا مختلفًا عن مجرد الخصومة.
فقد يكون الاختلاف شرطًا من شروط المعرفة، وقد يكون الاعتراض سبيلًا إلى تنقيح الرأي، لا مجرد محاولة للنيل من صاحبه.
لكن هذه الإمكانية لا تتحقق إلا حين يصبح المتحاوران مستعدين للاعتراف بما تكشفه الحجة، ولو أدى ذلك إلى مراجعة مواقفهما الأولى.
وهذا بالضبط ما ستنتهي إليه المحاورة في خاتمتها.
-6-
إذا كان البحث السابق قد انصب على وحدة الفضائل وتعددها، فإن المناقشة ستنتقل بعد ذلك إلى مسألة أكثر دقة، تتصل بالعلاقة بين المعرفة والسلوك.
فقد اعتاد الناس أن يقولوا إن الإنسان قد يعرف ما هو خير له، ثم يقدم على خلافه، لأن اللذة أو الرغبة أو الخوف تتغلب على معرفته.
لكن سقراط يتساءل عن المعنى الحقيقي لهذا القول.
فماذا يعني أن يكون الإنسان عالمًا بالخير ثم يختار الشر؟ وهل يدل ذلك على ضعف المعرفة أمام الشهوة، أم على أن الحكم الذي أصدره الإنسان بشأن الخير لم يكن حكمًا صحيحًا؟
ينطلق سقراط من مناقشة ما يعتقده الجمهور عن الأشياء الممتعة والمؤلمة، ثم يعيد النظر في العلاقة بين اللذة والخير، والألم والشر.
وفي هذا السياق يتبين أن اللذة الحاضرة ليست كافية للحكم على الفعل؛ فقد يكون الفعل ممتعًا الآن، لكنه يؤدي إلى آلام أعظم في المستقبل، وقد يكون مؤلمًا في الحاضر، لكنه يفضي إلى منفعة أرجح.
ومن هنا تظهر الحاجة إلى تقدير النتائج، والموازنة بين ما يجلبه الفعل من لذات وآلام.[17]
لكن ألا ينطوي هذا التصور على اختزال الأخلاق في حساب المنفعة؟
ذلك اعتراض مشروع، لكنه يحتاج إلى تدقيق في سياق المحاورة.
فسقراط لا يبدأ بإعلان مذهب أخلاقي متكامل يجعل اللذة معيار الخير بصورة مطلقة، بل يناقش رأيًا شائعًا بين الناس، ويحاول أن يستخلص ما يترتب على مقدماته.
ولهذا ينبغي أن نميز بين ما يستخدمه سقراط في سياق الحجاج وبين ما يمكن أن ننسبه إليه باعتباره اعتقادًا فلسفيًّا نهائيًّا.
فإذا كان الناس يربطون الخير باللذة والشر بالألم، فإن سوء الاختيار يعود، في هذا السياق، إلى عدم تقدير المقادير الحقيقية للذات والآلام، أو إلى الانخداع بالقرب والبعد، بحيث يبدو الشيء القريب أكبر شأنًا من الشيء البعيد.
وهنا يستحضر سقراط مثالًا يتعلق بخداع الإدراك الحسي؛ فكما تبدو الأحجام القريبة أكبر من البعيدة، قد تبدو اللذات القريبة أرجح من اللذات المستقبلية، ولو كانت نتائجها أقل نفعًا.
ومن ثم، فإن تصحيح الاختيار يحتاج إلى معرفة تستطيع تجاوز هذا الخداع، وهي المعرفة التي تتخذ صورة فنّ القياس.
فإذا كانت المشكلة هي اختلال التقدير، فإن علاجها لا يكون بمجرد تقوية الإرادة، بل بتصحيح المعرفة التي توجه الحكم.[18]
غير أن هذا التصور يفتح بابًا واسعًا للمناقشة.
فهل المعرفة الصحيحة كافية لضمان الفعل الصحيح؟
قد يعرف الإنسان مخاطر التدخين، ومع ذلك يستمر فيه؛ وقد يدرك ظلم فعل معين، ثم يقدم عليه تحت تأثير الخوف أو الرغبة في المصلحة؛ وقد يعرف أن الاعتدال أصلح له، لكنه يعجز عن مقاومة عادة ترسخت في سلوكه.
هل تدل هذه الحالات على إمكان مخالفة المعرفة، أم أنها تكشف عن اختلاف درجات المعرفة، بحيث لا يكون الاعتقاد الصحيح مساويًا للعلم الراسخ الذي يملك القدرة على توجيه الفعل؟
إن هذا التمييز هو ما ينبغي أن نستحضره عند قراءة الموقف السقراطي.
فإذا كانت المعرفة مجرد امتلاك معلومات عن الخير والشر، فإن التجربة الإنسانية تقدم شواهد كثيرة على إمكان مخالفتها. أما إذا كانت المعرفة تعني إدراكًا راسخًا لحقيقة الخير، يتضمن القدرة على تقدير الفعل وعواقبه تقديرًا صحيحًا، فإن القول بإمكان مخالفتها يصبح أكثر تعقيدًا.
لكن هذا التفسير لا يرفع جميع الصعوبات؛ لأنه قد يجعل من كل فعل خاطئ دليلًا على غياب المعرفة، وهو ما يهدد بتحويل الأطروحة إلى قول يصعب اختباره.
فكلما صادفنا إنسانًا يعرف الخير ويفعل الشر، أمكننا أن نقول إنه لم يكن يعرف الخير معرفة حقيقية!
وهكذا تصبح المسألة متوقفة على تحديد معنى المعرفة نفسها، لا على مجرد الاستشهاد بتعارض الأفعال والأحكام.
والواقع أن المحاورة لا تقدم حلًّا نهائيًّا لهذه المشكلة، لكنها تدفع التفكير إلى إدراك صلتها الوثيقة بطبيعة الفضيلة.
فإذا كانت الفضيلة معرفة، وكان الخطأ الأخلاقي جهلًا أو فسادًا في الحكم، أصبح التعليم شرطًا أساسيًّا للاستقامة. أما إذا كانت الفضيلة تتضمن عناصر لا تختزل في المعرفة، فإن إمكان تعليمها يحتاج إلى تفسير أكثر اتساعًا، يراعي أثر العادات والانفعالات والممارسة الاجتماعية.
وهنا نلمس اختلافًا بين اتجاهين في فهم التربية: اتجاه يركز على إصلاح المعرفة، واتجاه يولي عناية أكبر لتكوين السلوك داخل المجتمع.
وقد يكون من المجازفة أن نجعل أحدهما كافيًا بذاته، لأن التجربة الأخلاقية تبدو أوسع من أن تستوعبها المعرفة النظرية وحدها، أو أن تفسرها العادة الاجتماعية تفسيرًا كاملًا.
لكن سقراط لم يبلغ بعد نهاية بحثه؛ إذ سيعود إلى الفضيلة التي بدت أكثر مقاومة لمحاولة ردّ الأخلاق إلى العلم، وهي الشجاعة.
-7-
كان بروتاغوراس قد أبدى تحفظًا على مساواة الشجاعة ببقية الفضائل، مستندًا إلى إمكان وجود أشخاص شجعان لا يتصفون، بالضرورة، بالحكمة أو العدالة.
وهذا الاعتراض مهم؛ لأنه يكشف أن الإنسان قد يمتلك قدرة على مواجهة الخطر دون أن يكون فاضلًا في سائر أفعاله.
لكن سقراط يرفض اختزال الشجاعة في مجرد الإقدام.
فقد يقدم الجاهل على خطر لا يعرف حقيقته، وقد يواجه المتهور ما يحجم عنه العاقل، لكن هل يكفي ذلك لكي نعدّه شجاعًا؟
إن الإقدام قد يكون صادرًا عن الحكمة، كما قد يكون ناتجًا عن الجهل أو سوء التقدير؛ ولذلك لا يمكن الحكم على قيمته الأخلاقية انطلاقًا من صورته الظاهرة وحدها.
ومن هنا يتجه سقراط إلى ربط الشجاعة بمعرفة ما ينبغي الخوف منه وما لا ينبغي الخوف منه، محاولًا بيان أن الشجاعة الحقيقية ليست غياب الخوف، وإنما سلامة الحكم على الأشياء المخيفة.[19]
والتمييز دقيق؛ لأن الجبن لا يعني مجرد الإحساس بالخوف، كما أن الشجاعة لا تعني عدم الإحساس به.
فقد يخاف الإنسان من أمر لا يستحق الخوف، وقد لا يخاف مما ينبغي أن يخشاه، وفي الحالتين يكون حكمه على الواقع مختلًّا.
أما الشجاع، وفق هذا المسار الحجاجي، فهو الذي يستطيع تقدير ما يستحق الإقدام عليه، وما ينبغي تجنبه، انطلاقًا من معرفة صحيحة.
لكن هل نستطيع أن نذهب مع سقراط إلى حد القول إن الشجاعة هي المعرفة ذاتها؟
يبدو لنا أن ذلك يحتاج إلى مزيد من البرهان.
فالمعرفة بالخطر قد تكون شرطًا للشجاعة، لكنها ليست بالضرورة شرطًا كافيًا لها. إذ قد يعرف المرء أن فعلًا معينًا جدير بالاختيار، ثم يحجم عنه خوفًا من عواقبه.
وهنا تعود المشكلة التي حاول سقراط تجاوزها في حديثه عن علاقة المعرفة بالسلوك.
بل يمكن أن نسأل: هل كل إقدام يستند إلى معرفة صحيحة يكون فعلًا شجاعًا؟ وهل يكفي أن نعرف ما ينبغي فعله حتى نمتلك القدرة النفسية على فعله؟
هذه الأسئلة تجعل من الشجاعة مفهومًا يقع عند ملتقى المعرفة والإرادة والانفعال، ولا تسمح باختزالها بسهولة في أحد هذه الأبعاد.
غير أن أهمية التحليل السقراطي لا ينبغي أن تُنكر؛ لأنه ينبهنا إلى أن الشجاعة ليست مجرد اندفاع، وأن الفعل الذي يخلو من الحكم الصحيح قد يكون تهورًا، مهما بدا لصاحبه أو للآخرين عملًا بطوليًّا.
وهكذا، فإن سقراط ينجح في مساءلة المعنى الشائع للشجاعة، وإن لم يثبت بصورة نهائية أن ماهيتها مطابقة للمعرفة.
لكن ما الذي يترتب على هذا البحث في سياق المشكلة الأصلية للمحاورة؟
إذا كانت الفضائل جميعها ترتبط بالعلم، وكان امتلاك الفضيلة يقتضي معرفة الخير، فإن القول بقابليتها للتعليم يصبح أكثر وجاهة.
غير أن سقراط كان قد بدأ الحوار بالتشكيك في هذه القابلية، بينما كان بروتاغوراس يدافع عنها!
ألا يعني ذلك أن المحاورة قد قادت المتحاورين إلى مواقف تخالف ما انطلقا منه؟
هذا ما ستكشفه الخاتمة، في واحدة من أكثر النهايات الأفلاطونية إثارةً للتأمل.
-8-
لا تنتهي محاورة «بروتاغوراس» بانتصار صريح لأحد الطرفين، ولا بإعلان تعريف نهائي للفضيلة، وإنما بملاحظة ساخرة يبديها سقراط بشأن النتائج التي انتهى إليها البحث.
فقد بدأ سقراط مشككًا في إمكان تعليم الفضيلة، وانتهى إلى الدفاع عن ارتباطها بالمعرفة؛ بينما انطلق بروتاغوراس من القول بقابليتها للتعليم، ثم قاوم محاولة ردّ أجزائها جميعًا إلى العلم.
ومن هنا يبدو أن كليهما قد اقترب، على نحو مفارق، من الموقف الذي كان محاوره يدافع عنه.
وقد صور سقراط هذه المفارقة حين أشار إلى أن النقاش، لو شُخّص في صورة إنسان، لاتخذ من المتحاورين موضوعًا للسخرية، بسبب انقلاب مواقعهم خلال البحث.
وفي هذا السياق يقرر، وهو يصف اتجاه حجته في نهاية المحاورة:
«بحيث يظهر على هذا النحو أوضح ظهور أن الفضيلة يمكن أن تُعلَّم».[20]
غير أنه لا يكتفي بهذه النتيجة، بل يعود إلى التأكيد على ضرورة البحث أولًا في طبيعة الفضيلة نفسها، قبل الفصل في إمكان تعليمها.
وهنا يتعين علينا ألا نستعجل الحكم.
فقد يبدو أن المحاورة انتهت إلى الإقرار بما ابتدأ سقراط بنفيه، لكن هذا التفسير يغفل أن النتيجة لم تُبنَ على تعريف متفق عليه للفضيلة، وأن العلاقة بين الفضائل والمعرفة ظلت موضع منازعة.
ولذلك لا يصح القول إن أفلاطون قدم برهانًا نهائيًّا على أن الفضيلة علم، كما لا يصح أن نستخلص أن بروتاغوراس تراجع صراحةً عن اعتقاده بإمكان تعليمها.
إن الأمر أدق من ذلك؛ لأن الحوار كشف عن صعوبات داخلية في الموقفين معًا.
فبروتاغوراس استطاع أن يقدم دفاعًا قويًّا عن التربية بوصفها ضرورة اجتماعية وسياسية، لكنه لم يثبت على نحو حاسم أن ما يعلّمه هو الفضيلة في حقيقتها، لا مجرد قدرة على النجاح في الحياة المدنية.
وسقراط استطاع أن يكشف قصور التصورات التي تفصل الفضائل عن المعرفة، لكنه لم يقدم تعريفًا نهائيًّا للفضيلة، ولم يحسم العلاقة بين امتلاك المعرفة والقدرة على الفعل وفق مقتضاها.
وهكذا لا تكون نهاية المحاورة مجرد عجز عن الوصول إلى جواب، بل كشفًا عن الشروط التي ينبغي استيفاؤها قبل إمكان الجواب.
وهذا، في تقديرنا، هو الدرس الفلسفي الأهم في النص.
فالتعليم لا يصبح مشروعًا لمجرد وجود من يدّعي القدرة عليه، كما أن التشكيك في إمكانه لا يكون مبررًا لمجرد أن بعض الناس يعجزون عن نقل فضيلتهم إلى أبنائهم.
بل ينبغي أولًا أن نحدد موضوع التعليم، وطبيعة المعرفة التي يقوم عليها، والعلاقة بين هذه المعرفة وبين الفعل الإنساني.
غير أن هذه النتيجة تعيدنا إلى بداية المحاورة.
فأبقراط، الذي جاء في الصباح متحمسًا للقاء بروتاغوراس، كان يظن أن المشكلة تتعلق بالعثور على معلم يستطيع أن يجعله أفضل. أما الحوار الذي جرى بعد ذلك فقد كشف أن المسألة ليست بهذه البساطة؛ لأن السؤال لا يتعلق بمن يعلم فقط، بل بما ينبغي تعلمه، وبمعنى الأفضل الذي نريد أن نصير إليه.
ومن هنا نفهم لماذا لا يقدّم أفلاطون في الخاتمة جوابًا تربويًّا جاهزًا، وإنما يترك القارئ أمام مشكلة لم يستنفد البحث إمكاناتها.
لكن هل ينبغي أن نعدّ هذه النهاية علامة نقص في البناء الفلسفي؟
أم أنها تكشف عن طبيعة التفكير السقراطي الذي يجعل من الاعتراف بحدود المعرفة شرطًا للاستمرار في طلبها؟
نرجح أن الجواب الثاني أقرب إلى روح النص، وإن كنا لا نذهب إلى حد القول إن كل ما لم تحسمه المحاورة كان مقصودًا لذاته.
فقد تكون بعض صعوبات الحجاج راجعة إلى المقدمات التي استعملها سقراط، أو إلى ما تتيحه المناقشة الدرامية من انتقالات لا تبلغ دائمًا درجة البرهان الصارم.
ومع ذلك، فإن عدم الحسم لا يفقد المحاورة قيمتها؛ لأن الفلسفة لا تُقاس دائمًا بعدد النتائج اليقينية التي تنتهي إليها، بل بقدرتها على الكشف عن المشكلات التي تختبئ خلف الآراء التي نظنها واضحة.
ولعل من أهم ما تكشفه محاورة «بروتاغوراس» أن التربية ليست مسألة تقنية خالصة، يمكن الفصل فيها بمجرد تعيين وسائل فعالة لتعديل السلوك؛ لأنها تتضمن، قبل ذلك، سؤالًا عن الإنسان الذي نريد تكوينه، وعن طبيعة الخير الذي ينبغي أن يتوجه إليه فعله.
فإذا كان بروتاغوراس قد أبرز أن الإنسان لا يستطيع العيش خارج المدينة، وأن الفضيلة المدنية شرط لاستقرار الاجتماع الإنساني، فإن سقراط نبّه إلى أن المشاركة في الحياة الاجتماعية لا تعفي من مساءلة القيم التي تنتظمها.
ومن ثم، فإن التكوين الإنساني يبدو واقعًا بين مطلبين متكاملين: أن يتعلم المرء العيش مع الآخرين، وأن يكتسب القدرة على التفكير فيما يجعل هذا العيش عادلًا وخيرًا.
ولا نستطيع أن نستغني بأحدهما عن الآخر.
فالمعرفة التي لا تتحول إلى قدرة على الفعل قد تبقى مجرد امتلاك نظري للمفاهيم، والتربية التي تقتصر على تشكيل السلوك وفق الأعراف السائدة قد تنتج الامتثال دون أن تضمن الاستقامة الأخلاقية.
لكن ثمة مشكلة أخيرة تستحق إثارتها.
إذا كانت الفضيلة تتطلب معرفة بالخير، فمن أين تستمد هذه المعرفة مشروعيتها؟ وهل يكفي أن يتفق الناس على اعتبار فعل معين خيرًا حتى يكون كذلك؟ أم أن الخير يقتضي معيارًا يتجاوز الأعراف التي تقررها الجماعة؟
هذه المسألة لم تنته عند حدود «بروتاغوراس»، بل ستواصل حضورها في المشروع الأفلاطوني، بأشكال أكثر تعقيدًا، حيث سيغدو البحث في طبيعة الخير شرطًا لفهم العدالة والتربية والسياسة.
وهكذا نستطيع أن نقول إن محاورة «بروتاغوراس» تمثل لحظة يتداخل فيها سؤال التربية بسؤال الحقيقة، ويصبح ادعاء القدرة على تعليم الفضيلة نفسه موضوعًا للتفلسف.
لقد دخل أبقراط المحاورة باحثًا عن معلم، وانتهى القارئ منها إلى البحث عن معنى التعليم.
وبين البداية والنهاية تنتقل المشكلة من سؤال: من يستطيع أن يجعل الإنسان فاضلًا؟ إلى سؤال أكثر جذرية: ما الفضيلة التي تجعل الإنسان جديرًا بأن يكون كذلك؟
ولعل هذا التحول هو ما يمنح المحاورة راهنيتها الفكرية؛ لأن المجتمعات قد تنجح في تطوير وسائل التعليم، وتوسيع مؤسساته، وتنويع مهاراته، دون أن تحسم بالضرورة سؤال الغايات التي ينبغي أن توجهه.
فليس كل من يملك القدرة على تعليم الناس مهارةً ما يملك الحق في تحديد ما ينبغي أن يصيروا إليه، كما أن النجاح في اكتساب المعارف لا يساوي، بالضرورة، النجاح في تكوين الإنسان الفاضل.
وإذا كانت محاورة «بروتاغوراس» قد تركت مسألة تعليم الفضيلة دون حسم نهائي، فإنها لم تتركها دون فائدة فلسفية؛ إذ كشفت أن التربية الحقة لا ينبغي أن تكتفي بإنتاج الأجوبة، بل عليها أن تنمي القدرة على مساءلتها.
ومهما تكن قيمة ما انتهى إليه سقراط من محاولات لردّ الفضائل إلى المعرفة، فإن في موقفه درسًا يصعب إغفاله: أن المرء لا يصير حكيمًا لمجرد أنه يتلقى ما يقوله الحكماء، وإنما حين يغدو قادرًا على فحصه، والتمييز بين ما يقوم على الحجة وما يستمد سلطته من شهرة القائل ومكانته.
وهنا بالذات نستطيع أن نفهم لماذا جعل أفلاطون المعرفة والفضيلة موضوعًا لمحاورة، لا مجرد مذهب يُعرض على قارئ مطالب بالتسليم به.
فالفضيلة التي تنجو من السؤال لا تكون قد أثبتت حقيقتها، والمعرفة التي تخشى الاعتراض لم تبلغ بعدُ درجة الاطمئنان إلى حجتها.
وذلك ما يجعل من «بروتاغوراس» نصًّا لا يسأل عن إمكان تعليم الفضيلة فقط، بل يعلّمنا كيف ينبغي أن نسأل عنها.
الهوامش والإحالات
ملاحظة توثيقية: اعتمدنا الطبعة العربية: أفلاطون، في السفسطائيين والتربية (محاورة بروتاجوراس)، ترجمة وتقديم الدكتور عزت قرني، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2001 / أما الإشارات من قبيل (318هـ–319أ) فهي إحالات إلى الترقيم المعياري لمقاطع محاورات أفلاطون، المعروف بترقيم ستيفانوس.
[1] أفلاطون، محاورة بروتاغوراس، ترجمة عزت قرني، م. س، ص 63–68. يبدأ متن المحاورة بسرد سقراط لقاءه بأبقراط، ورغبة هذا الأخير في التعلم على يد بروتاغوراس.
[2] للمقارنة بين محاورة «بروتاغوراس» والمحاورات الأخلاقية الأفلاطونية المبكرة، انظر: Paul Woodruff, “Plato’s Shorter Ethical Works”, Stanford Encyclopedia of Philosophy, revised 2022, especially sections 5, 7, 9 and 20.
[3] حول إشكالية الزمن الدرامي لمحاورة «بروتاغوراس»، انظر: John Walsh, “The Dramatic Dates of Plato’s Protagoras and the Lesson of Arete”, The Classical Quarterly, Vol. 34, No. 1, 1984, pp. 101–106. وقد ناقش الباحث بعض التفاوتات الزمنية التي تثيرها القراءة التاريخية للمحاورة.
[4] عزت قرني، «المقدمة»، ضمن الكتاب نفسه، ص 14–23، في شخصيات المحاورة والسفسطائيين والحياة الثقافية الأثينية. وانظر متن المحاورة، ص 74–81.
[5] أفلاطون، محاورة بروتاغوراس، م. س، ص 73. يرد القول في سياق مقارنة سقراط المعارف بأغذية الجسد، وتوكيده أثرها المباشر في النفس.
[6] المصدر نفسه، ص 81–84، خصوصًا تحديد بروتاغوراس لما يعد به الشاب الذي يتتلمذ عليه. ويقابل هذا الموضع الفقرتين 318هـ–319أ من الترقيم الأفلاطوني.
[7] المصدر نفسه، ص 84–86؛ وانظر كذلك: Woodruff, “Plato’s Shorter Ethical Works”, section 20, في مناقشة حجة سقراط المتعلقة ببريكليس وتعليم الفضيلة.
[8] أفلاطون، محاورة بروتاغوراس، م. س، ص 87–88. يبدأ بروتاغوراس دفاعه الطويل عن إمكان تعليم الفضيلة بالأسطورة، ثم يتبعها بالتفسير والحجاج الاجتماعي. ويقع خطابه الكبير في المقاطع 320ج–328د.
[9] المصدر نفسه، ص 88–91، في حكاية إبيميثيوس وبروميثيوس، وتوزيع القدرات على الحيوانات، وحصول الإنسان على النار والمعرفة الفنية.
[10] المصدر نفسه، ص 92، في جواب زيوس عن طريقة توزيع العدل والحياء. ويقابل هذا الموضع، في ترقيم ستيفانوس، الفقرة 322د.
[11] المصدر نفسه، ص 94–95، في تصور بروتاغوراس للعقاب، وعلاقته بالمستقبل وبإمكان تقويم السلوك. وانظر الفقرة 324أ–ب.
[12] المصدر نفسه، ص 96–99، في حديث بروتاغوراس عن مراحل التربية، ودور الأسرة والمعلمين والقوانين في تنشئة المواطن.
[13] المصدر نفسه، ص 103–112، في البحث عن وحدة الفضيلة وتعدد أجزائها، وبخاصة العلاقة بين العدالة والتقوى. وانظر المقاطع 329ج–332أ.
[14] المصدر نفسه، ص 120–124، خصوصًا ص 123، في الخلاف حول طريقة المحاورة، وتدخل هيبياس وحديثه عن الطبيعة والقانون. وانظر المقطع 337ج–د.
[15] المصدر نفسه، ص 125–140، في تفسير قصيدة سيمونيدس والمناقشة المتعلقة بصعوبة أن يكون المرء فاضلًا. ويقع هذا النقاش أساسًا في المقاطع 338هـ–347أ.
[16] المصدر نفسه، ص 143–145، في تفضيل سقراط الحوار المشترك والبحث في المشكلات الفلسفية، بدل الاكتفاء بالاستشهاد بالشعراء وتأويل أقوالهم.
[17] المصدر نفسه، ص 147–157، في حديث سقراط عن اللذة والألم والخير والشر، ومحاولة الكشف عن التناقضات الكامنة في التصور الشائع لغلبة اللذة على المعرفة.
[18] المصدر نفسه، ص 158–162، في المقارنة بين اللذات والآلام القريبة والبعيدة، وفي الاستدلال بأهمية القياس وتصحيح التقدير. وانظر المقاطع 356أ–357هـ.
[19] المصدر نفسه، ص 165–170، في المناقشة الأخيرة حول طبيعة الشجاعة، وعلاقتها بالخوف والجهل والمعرفة. وانظر المقاطع 359أ–360هـ.
[20] المصدر نفسه، ص 171، في المفارقة التي يشير إليها سقراط بين موقفه الأول وموقف بروتاغوراس، وفي الحاجة إلى العودة إلى فحص طبيعة الفضيلة. وانظر المقطع 361أ–ج.
المصادر والمراجع
المصدر الأساسي
أفلاطون. في السفسطائيين والتربية (محاورة بروتاجوراس). ترجمة وتقديم الدكتور عزت قرني. القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 2001.
المراجع المساعدة
Bonazzi, Mauro. “Protagoras.” Stanford Encyclopedia of Philosophy. First published 2020; revised 2024. https://plato.stanford.edu/entries/protagoras/
Walsh, John. “The Dramatic Dates of Plato’s Protagoras and the Lesson of Arete.” The Classical Quarterly, Vol. 34, No. 1, 1984, pp. 101–106.
Woodruff, Paul. “Plato’s Shorter Ethical Works.” Stanford Encyclopedia of Philosophy. First published 2005; revised 2022. https://plato.stanford.edu/entries/plato-ethics-shorter/