محمد نظيف: لم أعتزل التلفزيون.. وصناعة السينما و”وارث الأسرار” استحوذا على وقتي
أدب وفنون

محمد نظيف: لم أعتزل التلفزيون.. وصناعة السينما و”وارث الأسرار” استحوذا على وقتي

ربط الممثل والمخرج المغربي محمد نظيف قلة ظهوره في الإنتاجات التلفزية خلال السنوات الأخيرة بانشغاله بالكتابة والإخراج والإنتاج السينمائي، مشيرا إلى أن تعدد المهام المرتبطة بإنجاز الأفلام، من تطوير الفكرة وكتابة السيناريو والبحث عن التمويل، وصولا إلى التصوير وما بعد الإنتاج والتوزيع والمشاركة في المهرجانات، يستحوذ على جزء كبير من وقته ويحد من فرص اشتغاله ممثلا.

وأوضح نظيف، في تصريح لـ”العمق”، أنه لا يتبنى أي موقف سلبي من التلفزيون، بل يعتبره مدرسة فنية مهمة ووسيلة تواصل مع جمهور واسع، مبرزا أن ابتعاده النسبي عن الإنتاجات التلفزية لا يرتبط بعزوف عن هذا المجال، بقدر ما تفرضه طبيعة انشغالاته المهنية خلال المرحلة الأخيرة.

واستعاد الممثل والمخرج مساره الفني، مشيرا إلى أن تكوينه وممارسته المهنية جعلاه يعتبر نفسه ممثلا في المقام الأول، إذ كانت بداياته من المسرح قبل انتقاله إلى السينما والتلفزيون، سواء داخل المغرب أو خارجه.

وفي ما يتعلق بإمكانية عودته إلى التمثيل بوتيرة أكبر، شدد نظيف على أن المسألة ترتبط أساسا بالبرمجة واختيار الأدوار، موضحا أنه لا يرغب في الظهور لمجرد الحضور، وإنما يبحث عن شخصيات تحمل ما يثير اهتمامه ويجعله مقتنعا بضرورة تجسيدها.

وأضاف أن اختياراته التمثيلية تظل مرتبطة بمدى جاذبية الدور بالنسبة إليه، معتبرا أن المشاركة في عمل فني ينبغي أن تكون لها مبررات إبداعية تدفع الممثل إلى خوض التجربة، وليس مجرد إضافة عمل جديد إلى رصيده.

ورغم انشغاله بالإخراج، أكد نظيف أن التمثيل لا يزال يشكل جزءا أساسيا من مساره الفني، وأن تجربته أمام الكاميرا تمنحه أدوات إضافية في عمله مخرجا، خصوصا في فهم الممثل والتواصل معه من الداخل، وهي خبرة يرى أنها تساعده على توجيه الممثلين والاشتغال معهم بصورة أفضل.

وعلى مستوى السينما، يخوض محمد نظيف تجربة جديدة من خلال فيلمه الروائي الطويل “وارث الأسرار”، الذي دخل القاعات السينمائية المغربية ابتداء من 4 نونبر الجاري، لينافس مجموعة من الأعمال المغربية الكوميدية والروائية على شباك التذاكر.

ويحكي الفيلم قصة فريد، الذي يفقد والده في سن الرابعة، ويكبر على رواية مفادها أن والده غادر المغرب من أجل امرأة أخرى ولم يعد. وبعد نحو أربعين سنة، يتلقى رسالة من كندا تقلب هذه الرواية وتدفعه إلى السفر إلى مونتريال بحثا عن حقيقة والده، واستعادة جزء من هويته ظل غائبا عنه طوال حياته.

وأبرز نظيف أن الفيلم يتناول آثار الأسرار العائلية في حياة الإنسان، وما يتركه الغياب من جراح مؤجلة، مشيرا إلى أن فريد يحتفظ بذكريات جميلة عن والده الذي كان حنونا ولطيفا معه، من دون أن يفهم سبب اختفائه المفاجئ. ويقود هذا التناقض الشخصية إلى مواجهة أسئلة ظلت معلقة لعقود، في رحلة لا تقتصر على الانتقال من المغرب إلى كندا، بل تمتد إلى استكشاف الذاكرة والذات ومراجعة الرواية التي تشكلت عليها حياته.

وتابع المخرج أن “وارث الأسرار” لا يقدم أجوبة جاهزة عن قضايا الاختلاف والقبول والمصالحة مع الذات، وإنما يطرح أسئلة إنسانية ويترك للمشاهد مساحة لتكوين موقفه الخاص من الشخصيات والأحداث، معتبرا أن الفيلم يمثل رحلة داخل وجع مؤجل، يخوضها بطله بحثا عن حقيقة الماضي وما يترتب عليها في الحاضر.

ويستند العمل -بحسب نظيف- إلى اقتباس بتصرف من رواية “انعتاق الرغبة” للكاتبة والشاعرة المغربية فتيحة مرشد، موضحا أن اهتمامه لم ينحصر في موضوع الهوية الجندرية في حد ذاته، بل امتد إلى العلاقة بين الأب والابن، والجرح الذي خلفه الغياب، وأثر الأسرار العائلية في بناء الشخصية على مدى أربعين سنة.

وعن ظروف إنجاز الفيلم، أفاد نظيف بأن المشروع دخل مرحلة الإنتاج في أواخر سنة 2023 واستمر العمل عليه خلال سنة 2024، قبل تصوير مشاهده في المغرب وكندا، مشيرا إلى أن اختيار البلدين يرتبط ببنية الحكاية نفسها، وليس بمجرد توفير خلفية مكانية للأحداث.

وأوضح أن الجزء المغربي يرتبط بذاكرة فريد وحياته العائلية وعلاقته بوالديه، بينما تمثل مونتريال فضاء اكتشاف الحقيقة ومواجهة قصة الأب. وشمل التصوير في كندا شوارع ومطاعم ومستشفى وشقة ذات طابع معماري محلي، إلى جانب الاستعانة بجامعة مونتريال لتصوير مشاهد مرتبطة بفضاء المطار، بعدما تعذر التصوير داخل مطار المدينة خلال فصل الصيف لأسباب تقنية.

وفي المغرب، جرى التصوير في مواقع متعددة، أساسا بمدينة الدار البيضاء، إلى جانب منطقة إمليل بالأطلس الكبير.

وقال نظيف إن الاشتغال على الفضاءين تطلب مراعاة الفوارق البصرية والثقافية بينهما، من خلال الهندسة المعمارية والإضاءة والإيقاع واللغات المستخدمة في التواصل، بما يعكس انتقال الشخصية بين عالمين مختلفين، وما يرافقه من تحول داخلي.

ويجمع الفيلم -وفق المخرج- بين يونس بواب في دور “فريد”، ونادية كوندا في دور “صوفيا”، زوجته ضمن أحداث العمل، ومونية زحزام، الممثلة المنتمية إلى كيبيك، في دور “شادية”، ونسرين الراضي في دور “أمينة”، والدة “فريد”، إلى جانب مهدي باحمد في دور “عز الدين”، والد الشخصية الرئيسية، وعدد من الممثلين المغاربة والكنديين، من بينهم أسماء الحضرامي ومحمد بوصباع ونور الطالبي.

وأشار نظيف إلى أن اختيار الممثلين استند إلى تجاربهم الفنية وقدرتهم على التعبير عن التحولات الداخلية للشخصيات، بالنظر إلى اعتماد الفيلم على الصمت والتردد وما لا تقوله الشخصيات بقدر اعتماده على الحوار، واصفا تجربته في الاشتغال مع يونس بواب بأنها تجربة إنسانية قبل أن تكون فنية، مشيدا بقدرة الممثلين على تجسيد التحولات النفسية الدقيقة التي تقوم عليها الحكاية.