من المسيرة الخضراء إلى مسيرة الشرعية.. محمد السادس "المهندس الصامت" لحسم معركة الصحراء
مجتمع

وثائق أمريكية تكشف كواليس ضغوط “كيسنجر” على الحسن الثاني لإلغاء المسيرة الخضراء

سلط مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد الضوء على معطيات تاريخية ودبلوماسية تكشفها وثائق أمريكية رُفعت عنها السرية، بشأن كواليس التحضير للمسيرة الخضراء سنة 1975، والضغوط التي مارستها واشنطن على الملك الراحل الحسن الثاني للتراجع عن تنظيمها، فضلا عن المعارك الدبلوماسية التي خاضها المغرب خلال السنوات اللاحقة للحصول على الدعم العسكري الأمريكي في سياق النزاع حول الصحراء.

وبمناسبة الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء، التي تصادف 6 نونبر 2026، أعاد المركز تسليط الضوء على دراستين للباحث عبد الله ساعف، تستندان إلى وثائق رفعت عنها السرية وزارة الخارجية الأمريكية، ومراسلات وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر، ووثائق إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر.

وتكشف الدراسة الأولى، التي نُشرت في فبراير 2026، أن الإدارة الأمريكية كانت تنظر بقلق إلى استعدادات المغرب لتنظيم المسيرة الخضراء، خشية تحول المبادرة إلى مواجهة عسكرية مع إسبانيا أو الجزائر، في ظل التوترات الإقليمية التي رافقت إعلان مدريد نيتها الانسحاب من الصحراء.

ووفق تحليل ساعف، فإن كيسنجر وجّه رسائل متكررة إلى الملك الحسن الثاني، طالبه فيها بالتراجع عن المسيرة الخضراء، ونقل إليه تحذيرات من الرئيس الجزائري هواري بومدين والمسؤولين الإسبان بشأن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية.

غير أن الملك الراحل تمسك بتنفيذ المبادرة، رغم التحذيرات الأمريكية، موضحا للمسؤولين في واشنطن أن التحضيرات الجارية لا تستهدف القيام بعملية عسكرية.

وتبرز الوثائق أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية كانت تفسر بعض التحركات المغربية باعتبارها استعدادا لتدخل عسكري، خصوصا في ضوء طلبات الرباط المتزايدة للحصول على تجهيزات وأسلحة متطورة.

وتشير الدراسة إلى أن مذكرة استخباراتية أمريكية مؤرخة في 3 أكتوبر 1975 تضمنت تقديرات بشأن احتمال تدخل عسكري مغربي في الصحراء، وحذرت من اختلال محتمل في موازين القوى الجوية في حال اندلاع مواجهة مع الجزائر.

ورغم هذه المخاوف، يخلص الباحث إلى أن الولايات المتحدة لم تتخذ موقفا عدائيا حاسما من المسيرة الخضراء، بل انصب اهتمامها أساسا على منع اندلاع حرب إقليمية، مع الحرص على عدم الإضرار بعلاقاتها الاستراتيجية مع المغرب.

معركة دبلوماسية بعد 1975

أما الدراسة الثانية، المنشورة في يونيو 2026، فتتناول تطورات قضية الصحراء خلال الفترة الممتدة من 1977 إلى 1980، اعتمادا على وثائق رفعت عنها السرية من عهد إدارة الرئيس جيمي كارتر.

ويكشف الباحث أن 48 وثيقة من أصل 89 وثيقة أمريكية شملها التحليل تتعلق بقضية الصحراء، وتضم محاضر اجتماعات ومراسلات دبلوماسية وتقارير موجهة إلى وزارة الدفاع الأمريكية ومجلس الأمن القومي، فضلا عن رسائل إلى الرئيس كارتر.

وتظهر هذه الوثائق أن المغرب واجه خلال تلك المرحلة صعوبات في إقناع الإدارة الأمريكية بالاستجابة لطلباته العسكرية، بسبب تحفظات داخل الكونغرس بشأن استخدام الأسلحة الأمريكية في الصحراء.

وكانت واشنطن تتمسك، وفق الدراسة، بالتمييز بين الأراضي التي تعترف بسيادة المغرب عليها والمناطق التي تعتبرها خاضعة لإدارته، وهو التمييز الذي رفضته الرباط، معتبرة أنه يمس بوحدتها الترابية.

وتكشف مراسلة بعث بها وزير الخارجية الأمريكي سايروس فانس، بتاريخ 7 مارس 1978، إلى السفير الأمريكي في الرباط، عن تعليمات تقضي بتوضيح الصعوبات السياسية والقانونية التي تعترض صفقات الأسلحة الموجهة إلى المغرب، إذا كان من المحتمل استخدامها في الصحراء.

كما تسلط الوثائق الضوء على معارضة عدد من أعضاء الكونغرس لتزويد المغرب بالأسلحة، ومن بينهم ستيفن سولارز، الذي دافع عن مواقف مؤيدة للجزائر والبوليساريو، وحذر إدارة كارتر من مواجهة مع الكونغرس إذا وافقت على المطالب العسكرية المغربية.

تحولات إقليمية غيّرت الحسابات الأمريكية

وتبرز الدراسة أن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال نهاية السبعينيات، ولا سيما الانقلاب العسكري في موريتانيا سنة 1978، وانسحاب نواكشوط من الجزء الذي كانت تديره من الصحراء سنة 1979، إلى جانب تنامي الحضور السوفياتي والكوبي في إفريقيا، ساهمت في إعادة تشكيل الحسابات الاستراتيجية الأمريكية.

وفي هذا السياق، سعى المغرب إلى إقناع واشنطن بأن دعم قدراته الدفاعية يندرج ضمن المصالح المشتركة للبلدين، في ظل التنافس بين المعسكرين الغربي والشرقي خلال الحرب الباردة.

وتشير الوثائق إلى أن المفاوضات المغربية الأمريكية، رغم ما عرفته من تعثرات واعتراضات، انتهت إلى تطور في الموقف الأمريكي بشأن المساعدة العسكرية للمغرب وتلبية جانب من مطالبه التسليحية.

ويرى عبد الله ساعف أن قراءة الوثائق المتعلقة بمرحلتَي ما قبل المسيرة الخضراء وما بعدها تكشف استمرارية استراتيجية مغربية قامت على ثلاثة مرتكزات أساسية، هي “الصبر” و”المثابرة” و”الحنكة”.

وخلص الباحث إلى أن المسيرة الخضراء لم تكن مجرد حدث تاريخي انتهى في السادس من نونبر 1975، بل شكلت بداية مسار سياسي ودبلوماسي طويل امتدت تأثيراته إلى العلاقات الدولية للمغرب والتوازنات الإقليمية، وأصبحت عنصرا محوريا في التاريخ السياسي المعاصر للمملكة.