يبدو أن قيادة جبهة البوليساريو، من خلال الجلسة التي عقدها ما يسمى بالمجلس الوطني الصحراوي يوم 5 نوفمبر 2026، لا تزال أسيرة خطاب سياسي تقليدي، عاجز عن استيعاب التحولات العميقة التي تعرفها قضية الصحراء المغربية، ولا سيما على مستوى المواقف الدولية وتنامي الدعم للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساسا واقعيا وجادا وذا مصداقية للتوصل إلى حل سياسي نهائي.
فالبيان الصادر عن هذه الجلسة يكشف، أكثر مما يقدم قراءة موضوعية للمستجدات، عن حالة من الارتباك السياسي ومحاولة الالتفاف على واقع جديد لم تعد الشعارات القديمة قادرة على تغييره.
أولا: الفيتو الروسي ليس انتصارا لأطروحة البوليساريو؛
إن محاولة تقديم استخدام روسيا الاتحادية لحق النقض ضد المشروع الأمريكي باعتباره انتصاراً سياسياً للبوليساريو، قراءة انتقائية ومضللة لطبيعة العلاقات الدولية وآليات اشتغال مجلس الأمن.
فالفيتو، في حد ذاته، لا يعني تبني الموقف الانفصالي، ولا يمثل اعترافا بسيادة مزعومة، ولا يشكل تصويتا لصالح أطروحة البوليساريو. إنه موقف مرتبط باعتبارات سياسية ودبلوماسية تخص الدولة التي استخدمته، وبالتحفظات التي قد تكون لديها بشأن صياغة مشروع قرار أو مضمونه.
والخلط بين الاعتراض على مشروع قرار وبين تأييد مشروع سياسي بديل ليس سوى محاولة لصناعة انتصار إعلامي من واقعة دبلوماسية لا تمنح البوليساريو ما تدعيه.
ثانيا: الحكم الذاتي ليس طرحا أحادي الجانب؛
من المغالطات التي يكررها البيان وصف المبادرة المغربية للحكم الذاتي بأنها محاولة لفرض الأمر الواقع أو أنها مجرد مقترح أحادي الجانب.
فالمغرب لم يطرح الحكم الذاتي باعتباره شعارا عابرا، بل قدم سنة 2007 مبادرة سياسية متكاملة، تقوم على منح الأقاليم الجنوبية اختصاصات واسعة في إطار السيادة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة، وفتح الباب أمام تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع وتضمن الاستقرار والتنمية.
إن المبادرة المغربية لا تلغي التفاوض، بل تقدم أرضية واضحة له، بينما لا يزال خطاب البوليساريو حبيس تصورات سياسية متجاوزة، لا تقدم إجابات عملية عن مستقبل السكان ولا عن ضمانات الاستقرار والتنمية في المنطقة.
ثالثا: تقرير المصير لا يعني بالضرورة الانفصال؛
من الخطأ اختزال مفهوم تقرير المصير في خيار الانفصال وحده. فهذا المبدأ في القانون والممارسة الدولية له صيغ متعددة، ويمكن أن يتحقق من خلال ترتيبات سياسية ومؤسساتية متوافق عليها، بما فيها الحكم الذاتي.
ومن هنا تبرز أهمية الحل السياسي الواقعي والتوافقي، الذي يوازن بين مقتضيات الاستقرار الإقليمي وتطلعات السكان، بعيداً عن القراءات الإيديولوجية الضيقة.
إن التمسك بتفسير واحد لمبدأ تقرير المصير، وتقديمه باعتباره الطريق الوحيد الممكن، لا يساعد على حل النزاع، بل يساهم في إطالة أمده وتعطيل فرص التسوية.
رابعا: المينورسو ليست غاية في حد ذاتها؛
يتوقف البيان مطولا عند مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، وكأن استمرار البعثة أو شكل ولايتها هو جوهر القضية.
والحقيقة أن المينورسو أُنشئت في سياق مخطط التسوية الأممي لسنة 1991، وفي ظروف سياسية وتاريخية معينة. لكن تعثر تنفيذ ذلك المخطط يفرض التفكير في سبل تحريك المسار السياسي، لا تحويل البعثة إلى غاية مستقلة عن الهدف الأساسي المتمثل في التوصل إلى حل سياسي نهائي.
إن مستقبل أي بعثة أممية ينبغي أن يُناقش في ضوء التطورات السياسية ومهامها والقرارات الأممية ذات الصلة، وليس من خلال توظيفها في خطاب تعبوي يراد منه الإيحاء بأن استمرار الوضع القائم يمثل مكسبا سياسيا.
خامسا: خطاب تصفية الاستعمار لا يعفي من مواجهة الواقع؛
إن تكرار وصف النزاع بأنه قضية تصفية استعمار، دون تقديم قراءة متكاملة للتحولات السياسية والدبلوماسية التي عرفها الملف، لا يكفي لإنتاج حل ولا لتغيير موازين المواقف الدولية.
فالقضايا الدولية لا تُحسم بتكرار المصطلحات، وإنما بالقدرة على بناء توافقات سياسية، وتقديم مقترحات قابلة للتطبيق، والاستجابة لمتطلبات السلم والاستقرار.
والمغرب، من خلال مبادرة الحكم الذاتي، يطرح تصورا سياسيا ومؤسساتياً قابلاً للنقاش والتفاوض، في حين لا يزال خطاب البوليساريو يراوح مكانه بين استدعاء المرجعيات التاريخية وتضخيم دلالات المواقف الدبلوماسية.
سادسا: السؤال الحقيقي الذي يتجنب البيان الإجابة عنه؛
بعد عقود من النزاع، يحق للرأي العام أن يتساءل: ماذا قدمت قيادة البوليساريو للأجيال التي عاشت سنوات طويلة في مخيمات تندوف؟ وما المشروع العملي الذي تقترحه لمستقبل المنطقة؟ وكيف يمكن إنهاء حالة الجمود السياسي والمعاناة الإنسانية التي ترتبط باستمرار هذا النزاع؟
إن المسؤولية السياسية تقتضي الانتقال من منطق الشعارات إلى منطق الحلول، ومن استثمار الخلافات الدولية إلى البحث عن تسوية واقعية تضع مصلحة السكان واستقرار المنطقة في المقدمة.
خلاصة القول، إن بيان المجلس الوطني الصحراوي لا يعكس، في جوهره، تحولا في الرؤية السياسية بقدر ما يكشف عن صعوبة التكيف مع واقع دبلوماسي يتغير، وعن استمرار خطاب يراهن على الخلافات بين القوى الكبرى أكثر مما يراهن على تقديم حل سياسي قابل للتطبيق.
أما المغرب، فيواصل الدفاع عن وحدته الترابية، وعن مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها إطارا للحل السياسي، في ظل التأكيد على أن التسوية الدائمة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر مسار سياسي جاد وواقعي وتوافقي، تحت رعاية الأمم المتحدة.
فالتاريخ الدبلوماسي لا يُكتب بالبيانات التعبوية، ولا تُحسم النزاعات بتكرار الشعارات، وإنما بقدرة الأطراف على قراءة الواقع، واستيعاب التحولات، والانخراط في الحلول الممكنة.
لقد تغيرت المعادلات، لكن يبدو أن خطاب قيادة البوليساريو لم يتغير بعد.