“كاريان الرحامنة”.. ذاكرة عقود تتهاوى أمام مهلة الإفراغ وحكايات الخوف من كابوس الكراء (ربورتاج)
مجتمع

“كاريان الرحامنة”.. ذاكرة عقود تتهاوى أمام مهلة الإفراغ وحكايات الخوف من كابوس الكراء (ربورتاج)

“صبروا علينا، واخا غير شهر.. 15 يوما غير كافية باش نجمعو الأغراض ونقلبو على فين نمشيو”، بهذه الكلمات الممزوجة بالحرقة والقلق، اختصر أحد سكان كاريان الرحامنة بمنطقة سيدي مومن بالدار البيضاء حجم المعاناة التي تعيشها أسر وجدت نفسها أمام عد تنازلي لمغادرة مساكنها، دون أن تكون قد حسمت بعد وجهتها المقبلة أو وفرت شروط انتقالها.

داخل أزقة الكاريان، لم يكن وقع إشعار السلطات المحلية للسكان بضرورة إفراغ مساكنهم في أجل لا يتجاوز خمسة عشر يوما مجرد إجراء إداري عابر، بل لحظة فاصلة أعادت إلى الواجهة مخاوف آلاف الأسر بشأن مصيرها السكني والاجتماعي. فبينما يستحضر بعض السكان فرحة التخلص من السكن الصفيحي وانتظار مفاتيح شقق جديدة، يجد آخرون أنفسهم في مواجهة كابوس البحث عن الكراء، وغلاء تكاليف الانتقال، وصعوبة توفير المساهمة المالية المطلوبة للاستفادة من السكن الجديد.

وفي جولة ميدانية داخل بلوك 10، رصدت جريدة “العمق المغربي” وجوها تختلط فيها دموع الفرح بحرقة الفراق، وأصواتا لا تعارض بالضرورة مشروع إعادة الإيواء، بقدر ما تطالب بمهلة إضافية وشروط أكثر مراعاة لأوضاعها الاجتماعية. فخلف كل باب حكاية أسرة، وخلف كل مطلب إكراهات يومية تتعلق بتمدرس الأطفال، ومحدودية الدخل، ووضعية المسنين والأرامل والمطلقات.

وبين مهلة لا تتجاوز أسبوعين وواقع اجتماعي مثقل بالإكراهات، تكشف حكايات سكان كاريان الرحامنة أن الانتقال من الصفيح إلى الشقق السكنية ليس مجرد تغيير في العنوان، بل امتحان حقيقي لقدرة برنامج إعادة الإيواء على تحويل حلم السكن اللائق إلى استقرار فعلي، دون أن تجد الأسر نفسها أمام معاناة جديدة عنوانها الكراء والعجز المالي والمصير المجهول.

ذاكرة المكان

تعود حكاية كاريان الرحامنة إلى ثلاثينيات القرن الماضي، حين دفعت موجات الجفاف وقسوة الظروف المعيشية عائلات قادمة من منطقة الرحامنة، في محيط بن جرير وقلعة السراغنة، إلى مغادرة مناطقها الأصلية بحثا عن فرص أفضل للاستقرار والعمل. ومنذ ذلك الحين، لم يكن المكان مجرد تجمع سكني عابر، بل فضاء تشكلت داخله، على امتداد عقود، روابط عائلية وعلاقات جوار وتضامن، وصارت أزقته ومساكنه المتواضعة جزءا من ذاكرة أجيال تعاقبت على العيش فيه.

غير أن هذه الذاكرة التي تجاوز عمرها عقودا تجد نفسها اليوم أمام منعطف حاسم، مع استعداد السلطات للشروع في هدم مساكن الكاريان وإعادة إيواء ساكنته في شقق سكنية، في إطار برنامج “مدن بدون صفيح”. وبينما يمثل هذا التحول بالنسبة إلى كثيرين فرصة طال انتظارها للتخلص من قساوة السكن غير اللائق، فإنه يثير، في المقابل، مخاوف اجتماعية واقتصادية تتجاوز مسألة الانتقال من مسكن إلى آخر.

ففي بلوك 10، حيث حطت السلطات المحلية رحالها لإشعار الأسر بموعد الإفراغ، اختلطت مشاعر الفرح بقرب الانتقال إلى سكن جديد بحرقة مغادرة مكان احتضن تفاصيل الحياة اليومية لعقود. هناك، لم يكن الحديث عن الهدم والشقق الجديدة وحده حاضرا، بل طغت عليه أسئلة أكثر إلحاحا: أين ستقيم الأسر خلال المرحلة الانتقالية؟ كيف ستوفر مصاريف الكراء والنقل؟ وماذا عن الأطفال المتمدرسين والفئات الاجتماعية التي لا تملك القدرة على تدبير تكاليف الانتقال؟

في جولة ميدانية لطاقم جريدة “العمق المغربي” داخل بلوك 10، بدت هذه الأسئلة حاضرة بقوة في شهادات السكان، الذين وجدوا أنفسهم أمام سباق مع الزمن، بعدما أُمهلوا خمسة عشر يوما لإفراغ مساكنهم والاستعداد لمغادرتها.

مرارة الفراق

على الساعة العاشرة من صباح يوم الخميس، وتحت أشعة شمس حارقة، وصلت السلطات المحلية إلى بلوك 10 بكاريان الرحامنة، في خطوة ميدانية جديدة ضمن عملية إعادة إيواء ساكنة هذا التجمع الصفيحي. وكان ضمن الوفد قائد الملحقة الإدارية جوهرة، إلى جانب مسؤول ترابي برتبة باشا وعدد من الموظفين التابعين لوزارة الداخلية، المكلفين بتتبع مراحل العملية ومواكبتها.

وخلال هذه الزيارة، جرى إشعار الأسر المعنية بمنحها مهلة خمسة عشر يوما لإفراغ مساكنها والاستعداد لمغادرة المكان، وهو ما حول الموعد إلى لحظة فارقة في حياة عائلات اعتادت تفاصيل الكاريان وأزقته ومحيطه الاجتماعي.

بالنسبة إلى بعض السكان، لم يكن الإشعار مجرد إجراء إداري، بل بداية عد تنازلي لمغادرة فضاء ارتبط بذاكرتهم الشخصية والعائلية. وبينما انشغل البعض باستيعاب القرار وترتيب أولويات المرحلة المقبلة، وجد آخرون أنفسهم أمام أسئلة عملية لا تحتمل التأجيل، تتعلق بمكان الإقامة المؤقتة وكيفية نقل الأثاث وتدبير المصاريف اليومية.

وبين دموع الفرح وحرقة الوداع، تباينت ردود فعل السكان. فهناك من استقبل خبر الانتقال بارتياح، باعتباره فرصة لإنهاء سنوات من المعاناة مع السكن الصفيحي، في حين لم يتمكن آخرون من إخفاء قلقهم من تداعيات الرحيل، خصوصا في ظل ضيق المهلة الزمنية وصعوبة تأمين سكن بديل.

ولا يتعلق الأمر، بالنسبة إلى هؤلاء، بمجرد جمع الأثاث وإغلاق أبواب المساكن، وإنما بإعادة ترتيب الحياة من جديد؛ بدءا بالبحث عن مأوى مؤقت، مرورا بتدبير تمدرس الأبناء ومصاريف التنقل، وصولا إلى توفير المبلغ المالي المطلوب للمساهمة في اقتناء الشقق السكنية.

وأمام حالة القلق التي انتابت عددا من الأسر، حاولت السلطات المحلية تقديم توضيحات وتطمينات بشأن ظروف إعادة الإيواء، والتأكيد على ضرورة مرور العملية في ظروف مناسبة، بما يجنب المعنيين الدخول في متاهة البحث عن حلول مؤقتة بعد إفراغ مساكنهم.

غير أن هذه التطمينات لم تبدد جميع المخاوف، إذ ظلت أسئلة كثيرة معلقة بشأن وضعية الأسر التي لا تتوفر على دخل قار، والأشخاص المسنين، والأرامل والمطلقات، فضلا عن العائلات التي تضم أطفالا متمدرسين وتحتاج إلى ضمان استمرارية حياتها اليومية دون اضطرابات كبيرة.

ومع انتهاء الزيارة الميدانية، تحول الحديث في أزقة بلوك 10 من موعد الإفراغ إلى كيفية تدبير الرحيل نفسه. خمسة عشر يوما تبدو فترة وجيزة في حساب الزمن، لكنها بالنسبة إلى أسر عاشت عقودا في المكان تمثل فاصلا بين حياة ألفت تفاصيلها وأخرى لا تزال ملامحها مجهولة.

“صبروا علينا غير شهر الكراء”

وسط الأجواء التي طبعت الزيارة الميدانية، تقدم رجل بدت على ملامحه آثار العياء والمرض، متحدثا بلسان عدد من الأسر التي لم تتمكن بعد من إيجاد حل لمعضلة الانتقال. لم يكن مطلبه رفض مغادرة الكاريان أو التشبث بالسكن الصفيحي، بقدر ما كان نداء لمنح الأسر وقتا إضافيا لتدبير أوضاعها.

وبحرقة واضحة، اختصر الرجل حجم المعاناة التي تواجهها العائلات في البحث عن مأوى مؤقت، قائلا: “صبروا علينا، واخا غير شهر، 15 يوما غير كافية باش نجمعو الأغراض ونقلبو على فين نمشيو”.

ولم يتوقف المتحدث عند ضيق المهلة الزمنية، بل كشف عن إشكال آخر يزيد من تعقيد الوضع، يتمثل في رفض عدد من ملاك الشقق السكنية كراء منازلهم للأسر القادمة من الكاريانات، رغم استعدادها لأداء واجبات الكراء.

وأوضح أن بعض العروض التي عاينتها الأسر تتجاوز قيمتها الشهرية ألفي درهم، وهو مبلغ يثقل كاهل عائلات تعاني أصلا من محدودية مواردها المالية، وتجد نفسها مطالبة بتوفير مصاريف إضافية مرتبطة بالنقل والانتقال، إلى جانب الالتزامات المعيشية المعتادة.

وبينما كان يسترسل في سرد تفاصيل المعاناة، لم يتمالك الرجل دموعه، في مشهد عكس حجم العجز الذي تشعر به أسر مطالبة بمغادرة مساكنها داخل أجل محدد، دون أن تضمن في المقابل مكانا بديلا يحتضن أفرادها.

ولم تلبث سيدة مسنة، تعرف وسط الساكنة باسم “مي عايشة”، أن تدخلت لتؤكد أن مشكل الكراء أصبح يؤرق عددا من العائلات، مستحضرة تجارب أسر حاولت حجز شقق سكنية، قبل أن تصطدم بتراجع أصحابها عن إتمام العملية رغم دفع مبالغ مالية أولية.

وقالت بحرقة: “مشينا دفعنا العربون ورجعوه لينا، هاد الناس ما بغاوش يتعاونو معانا حنا كساكنة، وولادنا غادي يلقاو راسهم فالزنقة”

وتكشف هذه الشهادة عن جانب آخر من معاناة الأسر، لا يرتبط فقط بارتفاع أسعار الكراء، بل أيضا بصعوبة العثور على ملاك مستعدين لاستقبالها، وهو ما يضع بعض العائلات أمام احتمال عدم العثور على سكن مؤقت قبل حلول موعد الإفراغ.

وتزداد المعضلة تعقيدا بالنسبة إلى الأسر الكبيرة التي تحتاج إلى شقق تستوعب جميع أفرادها، وتكون قريبة من المؤسسات التعليمية ومراكز العمل والمرافق الصحية والاجتماعية التي اعتادت الاستفادة منها.

فبالنسبة إلى هذه العائلات، لا يتعلق الأمر بالعثور على أربعة جدران تؤوي أفرادها فحسب، بل بتأمين الحد الأدنى من الاستقرار وتفادي تفكيك نمط عيش تشكل على امتداد سنوات.

عشرة ملايين تثقل كاهل الأسر

إذا كان البحث عن الكراء يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الأسر المعنية بالترحيل، فإن المساهمة المالية المطلوبة للاستفادة من الشقق السكنية تظل بدورها من أكثر الملفات إثارة للقلق داخل بلوك 10.

فمبلغ عشرة ملايين سنتيم يشكل، بحسب عدد من السكان، عائقا حقيقيا أمام فئات واسعة لا تتوفر على مداخيل قارة أو مدخرات مالية تسمح لها بتأمين هذه المساهمة، خصوصا في ظل المصاريف الإضافية التي تفرضها المرحلة الانتقالية.

وخلال حديثهم مع جريدة “العمق المغربي”، عبرت أسر عديدة عن صعوبة توفير هذا المبلغ، معتبرة أن الإشكال لا يرتبط بقيمته فقط، وإنما أيضا بالوضعية الاجتماعية والاقتصادية للمستفيدين، الذين يجد بعضهم صعوبة حتى في تغطية تكاليف المعيشة اليومية.

وفي هذا السياق، عبر محمد صاليح، أحد سكان بلوك 10 بكاريان الرحامنة، عن استيائه من المبلغ المالي المطلوب، مشيرا إلى أن عددا من الأسر تضم مسنين ومسنات، وأشخاصا في وضعية إعاقة، وشبابا يعانون من البطالة، فضلا عن مطلقات وأرامل يواجهن صعوبات في تحمل الأعباء المعيشية.

وشدد المتحدث على أن هذه الفئات لا يمكن التعامل معها بالمنطق نفسه المعتمد مع الأسر التي تتوفر على مداخيل مستقرة وإمكانيات مالية تسمح لها بتدبير عملية الانتقال، معتبرا أن التفاوت في الأوضاع الاجتماعية يستدعي مقاربة تراعي خصوصية كل حالة والقدرة الفعلية على الأداء.

وأكد أن الساكنة لا تعارض مبدأ إعادة الإيواء أو تحسين ظروف السكن، وإنما تطالب بتوفير شروط اجتماعية واقتصادية مناسبة تتيح لها الاستفادة من المشروع دون الوقوع في دوامة المديونية أو مواجهة أشكال جديدة من الهشاشة.

وتضع هذه المعطيات برنامج إعادة الإيواء أمام معادلة دقيقة؛ فأسر تنتظر الانتقال إلى شقق جديدة تجد نفسها مطالبة بتوفير مساهمة مالية مهمة، في الوقت الذي لا تزال فيه تبحث عن سكن مؤقت وتتحمل تكاليف الكراء والنقل وإعادة ترتيب حياتها.

ومن هنا، تبرز مطالب بمراجعة مدى ملاءمة الشروط المالية مع الأوضاع الاجتماعية للأسر المستفيدة، والبحث عن صيغ للمواكبة والدعم تأخذ بعين الاعتبار الفئات التي لا تتوفر على دخل قار أو تعيش أوضاعا اجتماعية خاصة.

الترحيل وامتحان المدرسة؟

بعيدا عن الحسابات المالية وإشكالات الكراء، يبرز تمدرس الأطفال باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في عملية إعادة الإيواء، بالنظر إلى احتمال تغيير المجال السكني خلال الموسم الدراسي، وما قد يترتب عن ذلك من صعوبات في الانتقال بين المؤسسات التعليمية وتأمين وسائل النقل والحفاظ على الاستقرار الدراسي والنفسي للتلاميذ.

وخلال الجولة الميدانية، أثار العقيد الرداد، أحد قاطني كاريان الرحامنة، هذا الإشكال، معتبرا أن مستقبل الأطفال المتمدرسين يشكل تحديا حقيقيا بالنسبة إلى أسر لم تتمكن بعد من تحديد وجهتها السكنية المقبلة.

وأوضح أن عددا من العائلات يفضل البحث عن منازل للكراء بالقرب من الكاريان، ليس رفضا للانتقال إلى مناطق أخرى، وإنما تفاديا لتغيير المؤسسات التعليمية على أبنائها في منتصف السنة الدراسية، وما قد يصاحب ذلك من اضطراب في مسارهم الدراسي وصعوبة التأقلم مع محيط جديد.

وتتضاعف هذه المخاوف بالنسبة إلى الأسر التي تضم أكثر من طفل في مستويات تعليمية مختلفة، إذ قد يفرض الانتقال إلى منطقة أخرى البحث عن مؤسسات تستوعب جميع الأبناء، إلى جانب تدبير وسائل النقل اليومية، وهي أعباء إضافية لا تستطيع جميع العائلات تحملها.

وفي خضم هذا النقاش، تدخل قائد الملحقة الإدارية الأمان لطمأنة الحاضرين، مؤكدا أن عامل عمالة مقاطعات سيدي البرنوصي عقد لقاءات مع المسؤولين المعنيين من أجل ضمان السير العادي للعملية التعليمية ومراعاة وضعية التلاميذ.

لكن الأسر، بحسب ما عكسته تصريحاتها، لا تبحث عن تطمينات عامة بقدر ما تنتظر إجراءات عملية تضمن استمرار أبنائها في الدراسة دون انقطاع، سواء من خلال التنسيق مع المؤسسات التعليمية أو توفير شروط انتقال سلسة تراعي الوضعيات المختلفة للتلاميذ.

فنجاح عملية إعادة الإيواء لا يرتبط فقط بتوفير شقق جديدة، بل يقتضي أيضا ضمان استمرارية الخدمات الأساسية التي تعتمد عليها الأسر، وفي مقدمتها التعليم، بما يحول دون أن تتحول عملية تحسين ظروف السكن إلى عامل إضافي يهدد الاستقرار الدراسي للأطفال.

مطلقات خارج الاستفادة؟

ومن بين الملفات الاجتماعية التي برزت خلال الجولة الميدانية، قضية النساء المطلقات، التي أعادت إلى الواجهة النقاش بشأن معايير الاستفادة من الشقق السكنية، ومدى قدرتها على استيعاب التحولات التي قد تطرأ على الوضعية العائلية للأسر.

وفي هذا السياق، كشف عبد الكبير، وهو رب أسرة مكونة من أربعة أشخاص، عن معاناة ابنته المطلقة، التي تتوفر على طفل، معتبرا أن وضعيتها تطرح إشكالا اجتماعيا يستدعي إعادة النظر في كيفية التعامل مع الحالات التي تغيرت ظروفها العائلية بعد الزواج والطلاق.

وأوضح المتحدث، في تصريح لجريدة “العمق المغربي”، أن ابنته تزوجت سنة 2022، قبل أن تنفصل عن زوجها سنة 2024، غير أنها لم تتمكن، بحسب روايته، من الاستفادة من الشقة السكنية بسبب شرط يرتبط بتاريخ الزواج، إذ قيل لها إن معايير الاستفادة تقتصر على حالات الزواج السابقة لسنة 2021.

ويرى الأب أن هذا الشرط يضع ابنته أمام وضعية اجتماعية صعبة، خصوصا أنها أصبحت مسؤولة عن طفل بعد الطلاق، وتحتاج إلى سكن مستقل يوفر لها ولابنها الحد الأدنى من الاستقرار.

وتساءل المتحدث عن كيفية معالجة وضعية امرأة وجدت نفسها خارج معايير الاستفادة، رغم التحولات التي عرفتها حياتها الأسرية والاجتماعية، معتبرا أن الحالات من هذا النوع تستدعي دراسة خاصة تأخذ بعين الاعتبار الظروف الحالية للأسر.

وتسلط هذه الشهادة الضوء على إشكال أوسع يرتبط بمدى قدرة الشروط الإدارية المعتمدة على مواكبة التحولات الاجتماعية التي تعرفها بعض الأسر، خصوصا النساء المطلقات والأرامل والعائلات التي تغيرت تركيبتها خلال السنوات الأخيرة.

كما تثير القضية تساؤلات بشأن ضرورة إقرار آليات لمعالجة الحالات الاجتماعية الخاصة، حتى لا تجد فئات تعيش أوضاعا هشة نفسها خارج برامج إعادة الإيواء بسبب شروط زمنية أو إدارية قد لا تعكس واقعها الحالي.

 الصفيح يهدم الاستقرار

تكشف الجولة الميدانية داخل بلوك 10 بكاريان الرحامنة أن الانتقال من السكن الصفيحي إلى الشقق السكنية ليس مجرد عملية عمرانية تنتهي بإفراغ المساكن وهدمها، بل مسار اجتماعي وإنساني تتداخل فيه اعتبارات السكن والدخل والتعليم والاستقرار الأسري.

فبين مهلة خمسة عشر يوما، وصعوبة العثور على شقق للكراء، وارتفاع تكاليف الانتقال، والمساهمة المالية المحددة في عشرة ملايين سنتيم، ومخاوف اضطراب التمدرس، فضلا عن الحالات الاجتماعية الخاصة للمطلقات والأرامل والمسنين والأشخاص في وضعية إعاقة، تتضح طبيعة التحديات التي تواجه الأسر في هذه المرحلة.

وبقدر ما يمثل القضاء على السكن الصفيحي مطلبا اجتماعيا وعمرانيا طال انتظاره، فإن نجاح هذه العملية لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المساكن التي ستتم إزالتها أو الشقق التي سيتم توفيرها، بل بمدى قدرة الأسر المستفيدة على الانتقال إلى حياة أكثر استقرارا، دون أن تجد نفسها أمام أزمات جديدة مرتبطة بالكراء أو المديونية أو فقدان محيطها الاجتماعي والتعليمي.

فالسكن اللائق لا يختزل في شقة بجدران إسمنتية ومرافق مجهزة، بل يتطلب أيضا ضمان القدرة على تحمل تكاليفها، وتأمين شروط العيش الكريم، والحفاظ على استمرارية التمدرس والعمل، ومراعاة الفئات التي تحتاج إلى مواكبة اجتماعية خاصة.

وفي انتظار استكمال مراحل العملية، يظل بلوك 10 شاهدا على مفارقة تختزلها مشاعر سكانه المتباينة؛ فمنهم من يرى في الرحيل نهاية لمعاناة طويلة مع السكن الصفيحي، ومنهم من يخشى أن تتحول مغادرة المكان الذي احتضن حياته لعقود إلى بداية لمعاناة جديدة مع الكراء والمصاريف والبحث عن الاستقرار، فبين فرحة الشقة ومرارة الفراق، لا تبحث أسر كاريان الرحامنة عن سقف جديد فحسب، بل عن ضمانات تجعل الانتقال إلى السكن اللائق بداية فعلية لحياة أفضل، لا مجرد انتقال من هشاشة عمرانية إلى إكراهات اجتماعية واقتصادية جديدة.