المصطفى قاسمي
وجهة نظر

الأبعاد الدستورية والسياسية والرمزية والدولية للمسيرة الخضراء

مقدمة:

تشكل المسيرة الخضراء مظهراً بارزاً في التاريخ السياسي والحروب السلمية في العصر الحديث، حيث مثلت تحولاً حاسماً في استكمال الاستقلال الوطني وتثبيت الوحدة الترابية للمملكة المغربية. لم تكن هذه المبادرة مجرد حدث عابر أو تحرك جيو-سياسي عالي المخاطر، بل كانت تجلياً لعبقرية سياسية وفكرة إستراتيجية استلهمها المغفور له الملك الحسن الثاني، ونفذها الإجماع الوطني بمشاركة شعبية واسعة.

أولاً: العبقرية السياسية والبعد الروحي للمسيرة الخضراء

ارتكزت فكرة المسيرة الخضراء على رؤية نادرة في تاريخ النزاعات الوطنية والدولية؛ إذ جمعت بين الشرعية التاريخية، والتخطيط الاستراتيجي، والبعد الروحي. لقد استلهم الملك الحسن الثاني ـ طيب الله ثراه ـ هذه الفكرة بأسلوب يُظهر عمق الرؤية الدينية والإنسانية للعرش العلوي.

1. إسلامية السلم وأيديولوجيا القوة الناعمة:

تميزت المسيرة بحمل 350 ألف مواطن مغربي للمصحف الشريف والأعلام الوطنية بدلاً من السلاح . قدم هذا السلوك الرمزي للعالم رسالة مفادها أن الإسلام دين يسعى للسلم والعدل وحفظ الحقوق، وليس عقيدة للحرب أو العدوان. لقد تحولت المسيرة إلى نموذج يبرهن على قدرة القوة الناعمة والدبلوماسية الشعبية على كتابة التاريخ السياسي دون إراقة دماء.

2. التخطيط والدقة السرية:

تجسدت عبقرية الملك الحسن الثاني في التخطيط السرّي واللوجستي الدقيق للحدث، حيث أدار جلالته عملية التعبئة الوطنية برؤية دقيقة، محققاً المفاجأة السياسية والجيواستراتيجية للقوى الإقليمية والدولية.

ثانياً: التعبئة الشعبية والتحام الأمة حول العرش

مثلت المسيرة الخضراء لحظة تأسيسية في التاريخ المغربي المعاصر من حيث درجة التلاحم والتكامل بين الملك والشعب والإحاطة الوطنية الجامعة:

1. الإجماع الوطني وفداء الوطن:

عبأت المسيرة المجتمع المغربي بمختلف أطيافه وثقافاته، حيث أبدى الشعب مستويات عالية من الانضباط والتضحية، معتبراً الدفاع عن الثوابت الوطنية وحرمة التراب المغربي خطاً أحمر غير قابل للمساومة.

2. التفاف القوى السياسية والحزبية:

شهدت هذه المرحلة تلاحماً بين المؤسسة الملكية ومختلف الأحزاب السياسية والهيئات الوطنية، حيث توحدت الرؤى حول أولوية قضية الصحراء المغربية وجعلها قمة الأولويات الوطنية، مما أرسى القواعد لبناء نظام سياسي قوي متماسك في مواجهة التحديات الخارجية.

3. من استرجاع الصحراء إلى تأسيس الخيار الديمقراطي:

أتاحت استعادة الأقاليم الجنوبية وتأمين الحدود الوطنية الفرصة لتعزيز بناء الدولة الحديثة ومؤسساتها، والانتقال من مرحلة التحرير واستكمال الوحدة الترابية إلى إرساء معالم الخيار الديمقراطي والتعددية السياسية.

ثالثاً: الأصداء والاستثناء الدولي: الدعم الشرعي والدبلوماسي

حققت المسيرة الخضراء صدى وتأييداً إقليمياً ودولياً عكس نجاح المغرب في إدارة ملف وحدته الترابية:

1. الشرعية القانونية والدولية:

جاءت خطوة المسيرة الخضراء متكاملة مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بستراسبورغ (أكتوبر 1975)، والذي أقر بوجود روابط بيعة قانونية وتاريخية بين سلاطين المغرب والقبائل الصحراوية.

2. الدعم العربي والدولي:

حظيت المسيرة بسند ودعم واسع من دول عربية وشقيقة، ومشاركة وفود عربية وإسلامية في مجرياتها، مما شكل إجماعاً أضفى عليها بُعداً تتجاوز حدوده الإقليمية إلى الساحة الدولية.

رابعاً: الاستمرارية والتكامل: من “ملك المسيرة” إلى “ملك الوحدة الترابية”

تُمثل المسيرة الخضراء إرثاً ممتداً عبر الأجيال، ونقطة ارتكاز استراتيجية بين مرحلتين فارقتين في تاريخ المغرب الحديث:

1. الملك الحسن الثاني (ملك المسيرة الخضراء):

قاد جلالته مرحلة الاسترجاع والدفاع عن الوحدة الترابية، مستخدماً الحكمة الدبلوماسية والاستراتيجية القانونية والعسكرية لتأمين الأقاليم الجنوبية ورسم السياسات الدفاعية والأيدولوجية للحفاظ على وحدة الوطن.

2. الملك محمد السادس (ملك الوحدة الترابية والتنمية الشاملة):

واصل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، مسيرة التثبيت والترسيخ عبر:

مبادرة الحكم الذاتي (2007): تقديم حل سياسي واقعي ومرن وحظي بدعم دولي وأممي واسع باعتباره الخيار الأجدى والأكثر جدية لمحل النزاع.

النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية: تحويل الصحراء المغربية إلى قطب اقتصادي، ولوجستي، ودبلوماسي واعد، يربط المغرب ببعده الإفريقي والدولي.

خاتمة:

إن المسيرة الخضراء ليست مجرد حدث تاريخي يُحتفى به سنوياً، بل هي درس مستمر في الوطنية، والالتحام بين العرش العلوي المجيد والشعب المغربي، ومدرسة تتوارثها الأجيال للدفاع عن مقدسات الوطن وثوابته.

لقد أثبت المغرب، تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله استمراراً لنهج والده المنعم جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه.

أن الوحدة الترابية حقيقة تاريخية وجغرافية وسياسية غير قابلة للمساومة، وأن نهج التنمية والسيادة الوطنية يشكل ركيزة أساسية لرسم مستقبل المملكة المغربية الاستراتيجي.

*أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية ورئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية