مناقشة الفكرة تأخذ قراءة وصبراً وحجة تقابل حجتها. ثمة باب مفتوح بلا جهد: يترك الخصم الفكرة ويلتفت إلى صاحبها، ويرميه بتهمة جاهزة: صهيوني، خائن، كافر، منحرف. الأولان ينزعان عنه الوطن، والثالث الدين، والرابع الخلق، ويرتاح الخصم من عناء الرد.
تبدّل التهمة السؤال المطروح على الجمهور. يريد الناس أن يعرفوا صواب الرأي؛ تحوّل التهمة أنظارهم إلى أهلية صاحبه للإصغاء، ويكفي لقب واحد ليحسم الجواب.
أثينا جرّبت الطريقة منذ نحو ألفين وأربعمئة سنة. وقف سقراط في السوق يسأل الساسة والشعراء وأصحاب الصنعة عمّا يظنون أنهم يعرفونه. عجز هؤلاء عن الجواب، وجاء الرد من جهة أخرى: اتهمته المدينة بجحود آلهتها وبإفساد الشباب، وحكمت عليه بشرب الشوكران، وهو نبتة سامة يصعد شللها من الساقين إلى الصدر. قضى الرجل ساعاته الأخيرة في زنزانته يحاور تلاميذه في خلود الروح، وعقله صاحٍ والشلل يصعد في جسده.
في تراثنا مشهد قريب منه. ألّف الغزالي «تهافت الفلاسفة» وناقش فيه عشرين مسألة، ثم ختم الكتاب بتكفير الفلاسفة في ثلاث منها: قدم العالم، وعلم الله بالجزئيات، وبعث الأجساد. اتسع الكتاب للحجة والحكم معاً، ودار الحكم على الألسنة وبقيت الحجة في الصفحات. ردّ ابن رشد بعد نحو سبعين عاماً بكتاب يجيب عن المسائل واحدة واحدة هو «تهافت التهافت». ثم اتهمه خصومه من الفقهاء بالمروق من الدين وبالاشتغال بعلوم الأوائل؛ نفاه الخليفة المنصور الموحدي إلى أليسانة وأحرق كتبه الفلسفية.
الشتيمة تعفي صاحبها من الاعتراف بأنه لا يملك جواباً، وتضع الحاضرين أمام اختيار: أن يوافقوه أو يشاركوا المتهم تهمته. من قال «دعونا نسمع الرجل حتى النهاية» نالته التهمة نفسها. يصفق بعضهم للشاتم ويسكت الباقون، ويبدو الإجماع قائماً وأساسه الخوف.
في الشبكات الاجتماعية تنتشر التهمة خلال ساعات. يكتب أحدهم رأياً في قضية عامة؛ تصله تعليقات تتجاهل مضمونه وتنعته بالخيانة والكفر والانحراف. ثم ينبش أصحابها منشوراً قديماً له، ويقتطعون منه جملة وينشرونها مع اسمه وجهة عمله. الحجة تأخذ فقرة ووقتاً، والشتيمة تكفيها كلمة تتسع لها خانة التعليق. تعرض المنصات المنشورات الغاضبة على جمهور واسع لأنها تجتذب التفاعل. تبقى التهمة مقرونة باسمه في نتائج البحث، يقرؤها من يبحث عنه، ويجهل الرأي الذي أثارها.
تدخل سيرة الكاتب النقاش إن ارتبطت بما يقول: من يمدح صفقة وهو شريك فيها يفتح للقارئ باب السؤال عن مصلحته. جواب هذا السؤال في عقد أو سجل يفتحه القارئ ويحكم بنفسه. كلمة «خائن» تأتي بلا وثيقة تسندها، ويبقى للسامع أن يصدق أو يكذب.
تخسر الجماعة مرتين من الاتهام: يقع الظلم على المتهم، وتفقد هي فحص الفكرة. الفكرة الخاطئة تبقى بلا تصحيح لأن أحداً لم يبيّن موضع الخطأ فيها، ويكسب صاحبها تعاطفاً مجانياً. الفكرة الصائبة تسقط مع صاحبها دون أن يختبرها أحد. الجماعة التي تزن الأقوال بأصحابها تجهل موضع خطئها وموضع صوابها.
أصابت التهمة رجالاً كثيرين، ورفع الزمن عنهم أثرها بعد قرون. حكمت محكمة التفتيش على غاليليو بالهرطقة وبإقامة جبرية حتى وفاته، وتدرّس المدارس اليوم ما أدانته به. يدخل اسمه المناهج، ولا يسأل أحد عن القضاة الذين حكموا ولا عن الذين هندسوا الحكم وألّبوا الجمهور وصفقوا. يتأخر الإنصاف قروناً ويصيب من نجا كلامه. الذين دفنتهم التهمة بأفكارهم لا يعلم أحد عددهم.
يذكر التاريخ اسمي ميليتوس وأنيتوس مقرونين بالعار لجريمة واحدة: اتهام سقراط. اشترى لهما الاتهام مساءً من التصفيق، ويقيمان اليوم في حاشية كتاب كتبه تلميذ المتهم؛ والمتن للأسئلة.