الكاتب مصطفى منيغ
منتدى العمق

بروكسيل ذاك الزمن الجميل /8

وصلتُ الساعة الثامنة صباحا لأجد “ماري” في انتظاري بابتسامة أدركتُ معزى لباقتها من تلك الوهلة ، لتترك في ذاكرتي أحلَى وَصْلَة ، سمعتُها بعيني في تنافسٍ خفِيّ بينها وأذني لدرجةٍ لا تدري صاحبتها لأيِّ مَدَى واصِلة ، وما الابتسامة تلك سوى واجهة المكنون مِن رغبة نبيلة ذهَبَت تخميناتي أنَّ وراءها قصة يتهيأ إعجاب ما لكتابتها بحروف عسلية اللون فصلها الأول ما الظروف بنا عاملة ؟، ومتى فتحَ لي القدر مسلك رِبْحِ ذاتي لأول شروط الاستقرار فالأحسن إتمامها مع حليلة ، خاصة والوحدة في هذه الديار جد مُملَّة ، وقد حان الأوان للتفكير في وضعية عاقلة ، لضمان الإسراع بتوفير الإمكانات الكفيلة ، بالعيش الطبيعي المفعم بود متبادل مع فتاة جميلة ، تُنْسِي المرء شقاء اليوم برؤيتها مبتسمة في وجهه كما فعلت معي “ماري” لأحِسّ بسعادة ولو لثواني قليلة . فرنسيتها لم تكن سليمة وهي تشرح لي المراحل التي سأتبعها مؤديا عملي ، فسألتها إن كانت اسبانية ؟ ، بالإيجاب أجابتني ، فطلبت منها التحدث بلغتها ما دمت ملماً نطقا ومتبحرا في قواعدها ، وكطفلة تقدَّم لها قطعة حلوى عزيزة عليها قفزت قارحة بالمفاجأة ، ومن هنا ضمتنا الخطوة الأولى على لقاء مستمر تحول لألفة قبل مضى الأسبوع المحدد لتدريبي على العمل ، في اليوم التالي دعوتها لمرافقتي بعد نهاية العمل ، لمطعم نتناول فيه ما نشتهيه من أطعمة ، وافقت وكأنها كانت تنتظر مني ذلك . اتجهنا صوب متجر “سَارْمَا” الأمريكي المِلكيَّة ، القريب من الوكالة حيث نشتغل ، بعد الأكل خرجنا للجلوس في إحدى المقاهي المحاذية للساحة الكُبرى (la grand place de Bruxelles ) لؤلؤة العمران البلجيكي على مر العصور ، التي تعتبر القلب التجاري والسياحي لعاصمة المملكة البلجيكية ومعلمة تراثية في تاريخ الإنسانية و من أجمل ساحات العالم وهناك وضَّحت ما كنتُ في حاجة أن توضحَه مِن تلقاء نفسها حيث قالت :

– أنها المرَّة الأولى (مِن خمس سنوات تاريخ حلولي بهذه المدينة قادمة اليها من “سان سبسطيان” الاسبانية ) التي اخرجُ فيها مرفوقة برجل هو أنت ، الغريب أنني ارتحتُ لمثل القرار بعدما تيقنتُ أنَّكَ جِدِّيٌ وعلى خُلُق وكل تصرفاتك تبشر بأنك ابن عائلة شريفة ربَّتك أحسن تربية ، وجعلت منك صاحب مبادئ ، وهذا تَرَكَ انطباعاً محموداً في خاطِري ، وتمنيتُ أن تجمعنا لقاءات حميمية ، حتى نستطيع معرفة بعضنا البعض كي لا نفترق أبدا . أعيش وحيدة بلا صديقات أو أصدقاء ، محافظة لدرجة لا يمكن لك أن تتصورَها ، عن فتاة أوربية لها الحق بَعْدَ بلوغها سِنَّ الثامنة عشرة ، أن تفعلَ بذاتها ما يحلو لها ، لكنني عازمة أن أبقَى كما أردت ، ريثما أختار مَن يناسبني ، آنذاك سأصبحُ مكمِّلة لذاته إن رضيَ بي عن قناعة ، وليس عن نزوة مؤقتة لا خير فيها على الإطلاق . في إسبانيا رغب بعض الرجال في مصاحبتي ، وحالما يطلعون على أحوال عائلتي الفقيرة يتخلَّوْن عني ، فوالدي إسكافي ووالدتي خياطة تحت الطلب ونحن أربعة إخوة فيهم ذكر واحد وأنا أكبرهم عُمُراً ، والجميع أدرى بوضعية اسبانيا ، التي تمر بأزمات اقتصادية خانقة ، مما جعل أعداداً هائلة من المواطنين رجالا ونساءً لا يجدون الحلَّ لمشاكلهم المعيشيَّة ، إلا في الهجرة إلي الدول الأوربية المجاورة بداية ثم الأبعد من ذلك بمرور الزمن ، ولَمَا طرحتُ الفكرة على والداي بالانضمام لتلك الموجة باركاها ، بل اقترضا مبلغاً من المال مكَّنني من القدوم ومباشرة الى بروكسيل ، فكان عليَّ أن أعولَ أسرتي الصغيرة بأقصَى ما أقدِرُ عليه ، عساها تحيا مرتاحة بعض الشيء ، بالتأكيد اكتفيتُ بالضروري معتمدة على راتبي من الوكالة ، حتى ما ارتدي أشتريه من متاجر متخصِّصة في بيع الملابس المستعمَلة ، لا مساحيق تجميل ولا كمليات كعطور تجعل من فتاة مثلي تُحسِّن منظرها أمام الغير ، وهأنذا اشعر بشيء من الضيق وقد تجاوزَ سنِّي الخامسة والعشرين بشهور دون العثور على شريك حياتي ، الذي أخدمه بكل كياني ويساندني في السراء والضراء ، ومهما رأيتكَ أول مرة تمنيتُ أن تكون أنت وكم هو جَيِّد أن يجمعنا حتى العمل في مكان واحد ، ولو تحقَّقَ ذلك لودَّعتُ الحرمان برحيله عني بلا هوادة ، ولتخلصتُ من المحنة التي لازمتني منذ مدة .

كان عليَّ أن أردَّ عليها صادقاً في ذلك أولاً مع نفسي ، بل ولأكونَ في مستوَى الصراحة التي رَفَعَت قيمتها عندي ، إذ لأول مرة أشعرُ أنَّ فتاة تخاطبني بما تختزنه في صدرها ، وما يخفق به فؤادها ، وما لا يجد بُداً عقلها ، إلا اطلاع القريب منها عليه ، لا أقول التعامل بالمثل ، لكن لأرضي ضميري بما سأفرغُ باعترافي صدري ، الذي خلته ضاقَ بما تكدَّس داخله من مواقف ، تحاولُ الانفلات من سَجَّانِها الصَّبْر ، لتنعمَ بحرية التعبير عن رأي لا اخشي بما يعنيه أشخاصاً مسؤولين عموميين وجهات لومة لائم ، وهنا أدركتُ أن حَدَسِي لم يُخطئ حينما رأيت “ماري” قد تكون من نصيبي إن قبلت بشروطي ، إذ سَبَقَ جمالها لدغدغة وجداني ، وصادني زُرْقُ عينيها لاستسلمَ لعوارضها اللؤلؤية البياض كي تمضغني بعد استئذان شفتيها الممتلئتين بما للرغبة من مقدمة التحامِ ، طائعة لصاحب الصولة والصولجان الحب الطبيعي البريء ، وإن أنهَت كلامها بآهة تخفِّفُ بها وطأةَ الحرمان ، فذاك دليل عن إحساسِ إحساسِها بإحساسٍ يَحِسّ ، وذاك مدخل لمعرفة انسجام المعنية مع حقوقٍ إنسانية ثائرة على جور مُسلَّطٍ عليها ، في محاولة لاجتثاث مؤثراته المضرة ، بالحياة العادية السليمة ، من شوائب الطفيليات حليفات ظروف استثنائية ، يتحكم في توجِيهِهَا وتَوَجُّهاتِها الخَصَاص والاحتياج لا غير، اما المحنة فموضوع آخر أكثر تعقيداً ملتصقا بعوامل معاناة نفسية ، قد تعالج منه لكن بأسباب تقويضها لتصبح بدل محنة حالة مريحة . فقلت لها بصوت هدوؤه لا ينفي جدِّيته ، قد لا يتخذ المقارنة بين ما سمعته على لسانها وانما يلمس ما يجمع المواضيع في موضوع واحت تخت عنوان تغلب الشر على الخير أحيانا واستعلاء الظلم على ابرياء لا ذنب لهم غير تواجدهم في عصر ليس عصرهم مما سبب لهم بعض الإحباط :

عزيزتي “ماري” ، المِحنة حالة لفقدان التوازن الفِكري والتطاول غير المدروس العواقب عبر خيال متهوِّرٍ لمَسْكِ الهواء ، واقتناء المشاكل كضرورة لمواصلة العيش وفق مستوى يؤدي عكس الواقع لمَضْغِ الماء ، وحلم أسود يفتقد الإنارة كلما ازدحم بمتابعي الأحداث الرَّهيبة فلا شيء فيه ينفع سوَى تصوُّر الإشارة الخارجة عن نطاق كل العقلاء . المِحنَة تدارُكٌ متأخِّرٌ لفحصِ أفعالٍ ترتَّب على إثرها تخبُّط الأضداد بحثاً عن خَلاص يُعيدُ للتَّرتيب أهميته وليس الإقصاء ، الحياة موجودة للمُنَظِّمين السَّير معها وليس فوقها أو تحتها إذ لها من الإمكانات ما تنغِّص بها عقليات سابحات بلا عِلمٍ في الفضاء ، فلكل عالمه المُقيَّد باسمه ومستواه بلا قفز لإدراك البعيد كل البعد قصد ضمِّه بغير إرادة العلياء ، فأحياناً الصعود أسهل من النزول لمن سُمِح لهم بالارتقاء ، والغالب أنَّ الهبوطَ مصيره الاصطدام المتبوع بالتفتُّتِ جُزئيات موزَّعة عَبْرَ الأرجاء ، القريبة كالبعيدة المحدَّدة بمقياس العُلُوِّ الشاهق لمعاينة فوة الارتطام بحضور الخبراء .

… حتى الذباب ذكاؤهم يؤكد الاختيار السليم المحدود بمهمتهم الوحيدة غير القابلة لمن يمسها من الدخلاء ، نقل الجراثيم والإعلان عن التعفن والتجمع على الآسن وامتصاص قيح الجروح لتتطوَّر عِلَلُها ويتقوَّى التدَمُّر من الذين تركوا اختصاصهم ورحلوا لتنظيم متى وجدوا الدافع المادي أضخم لقاء . الذباب حاضر بكثافة يرفرف بأجنحته كمكيِّف هواء للمتربعين على منصة مشيَّدة على مستنقع تتصاعد منه روائح الإهمال تساعد جفون الشرفاء على البكاء ، وتلك محنة “الشمال المغربي” (من حيث أتيتُ) الكُبرَى دون حصرٍ أو مسحٍ أو إضافةٍ أو استثناء ، الناحية المتروكة في قارب بلا بحر ولا نهر فوق موقع يزخر بالخيرات جمعاء ، تحتضن الفقر ظُلماً وتجوب أرضها مصائب المِحَنِ و بعض سماسرة النفاق الحاملين للاستفزاز المدفوع الأجر البطائق الخضراء . (يتبع)

(الساحة الكبرى قلب بروكسيل التجاري والسياحي وإحدى أجمل ساحات العالم)