رضوان الحداوي
وجهة نظر

قوة بلاغ الديوان الملكي بعد الفيتو الروسي

يعد بلاغ الديوان الملكي الصادر على خلفية التطورات المرتبطة بملف الصحراء المغربية، وفق المضمون الوارد فيه، وثيقة سياسية ودبلوماسية ذات دلالات متعددة، تتجاوز مجرد الإعلان عن موقف رسمي لتؤسس لقراءة استراتيجية تروم إعادة تأطير النزاع وتحديد موقعه ضمن التحولات التي تعرفها الدبلوماسية المغربية على المستويين الإقليمي والدولي.

فمن خلال بنيته الحجاجية ولغته السياسية المباشرة، يقدم البلاغ عدم تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو) باعتباره تطورًا مفصليًا في مسار القضية، ويربطه بإمكانية الانتقال من منطق تدبير النزاع إلى أفق تسويته النهائية وفق التصور المغربي القائم على مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة الوطنية.

وتكمن أهمية هذا الخطاب في الطريقة التي يعيد بها ترتيب العلاقة بين المؤسسة الأممية، والمسار السياسي للنزاع، والدينامية الدبلوماسية التي تقودها المملكة المغربية، بما يجعل من القرار الأممي، كما يعرضه البلاغ، مدخلًا لإعادة بناء التصور المغربي لمستقبل الملف، وليس مجرد إجراء تقني مرتبط بتجديد ولاية بعثة دولية.

ويبرز هذا التوجه بوضوح من خلال توظيف عبارات ذات حمولة سياسية قوية، من قبيل «الطي النهائي» و«القطيعة في التعاطي مع هذا الملف» و«الانتقال من مجرد منطق التدبير إلى مقاربة مبنية على التحول العميق للمحددات»، وهي تعبيرات تؤدي وظيفة حجاجية ترمي إلى إقناع المتلقي بأن المرحلة الراهنة تمثل تحولًا نوعيًا في طبيعة التعاطي مع القضية، وأن المقاربة المغربية لم تعد تقتصر على إدارة الوضع القائم، بل تتجه نحو إعادة تحديد شروط التسوية ومحدداتها السياسية.

وفي هذا السياق، يستحضر البلاغ تخليد المملكة المغربية «عيد الوحدة» يوم 31 أكتوبر 2026، الذي أقره صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، بوصفه إطارًا رمزيًا يعزز الارتباط بين الوحدة الترابية والشرعية الوطنية.

ويمنح التطورات الدبلوماسية امتدادًا يتجاوز بعدها المؤسساتي إلى بعدها التاريخي والوطني؛ إذ يصبح التزامن بين المناسبة الوطنية والتطور الأممي عنصرًا في بناء سردية سياسية تؤكد استمرارية المشروع الوطني ووحدة المرجعية السيادية.

كما تكشف الإشارة إلى مرور خمسة وثلاثين عامًا على وجود المينورسو عن توظيف البعد الزمني في بناء الحجة السياسية، من خلال تصوير استمرار البعثة باعتباره تعبيرًا عن مرحلة تاريخية طال أمدها، الأمر الذي يسمح للخطاب بتقديم التحول المرتقب بوصفه انتقالًا من وضع استثنائي ممتد إلى مرحلة جديدة يُراد لها أن تتأسس على نتائج المسار الدبلوماسي المغربي.

غير أن القراءة العلمية تقتضي التمييز بين هذه الدلالة السياسية والرمزية وبين النتائج القانونية والمؤسساتية الفعلية لأي قرار أممي، فإن أهمية البلاغ لا تكمن فقط فيما يعلنه من مواقف، بل كذلك فيما يسعى إلى ترسيخه من تصورات بشأن المرحلة المقبلة، وهي تصورات ينبغي تقييمها في ضوء القرارات الرسمية والآليات القانونية المعتمدة داخل الأمم المتحدة.

ومن جهة أخرى، يمنح البلاغ مكانة مركزية للدينامية الدولية التي يقودها الملك محمد السادس نصره الله وأيده، من خلال التأكيد على أن توسيع دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي يعكس تحولًا في موازين التأييد الدبلوماسي للقضية المغربية، ويعزز موقع المبادرة باعتبارها الإطار الذي تدافع عنه المملكة المغربية لتسوية النزاع في إطار سيادتها الوطنية.

وتؤدي الإشارة إلى دعم أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، بمن فيهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة، وظيفة إحصائية وحجاجية في آن واحد؛ فهي تسعى إلى تحويل الدعم الدولي من مجرد مواقف متفرقة إلى مؤشر على اتساع القبول السياسي بالمقترح المغربي.

وتأييد مبادرة الحكم الذاتي، واعتبارها أساسًا جديًا وذا مصداقية وواقعية لتسوية النزاع، لأن هذه المواقف ليست متطابقة من الناحية الدبلوماسية أو القانونية.

وفي المقابل، يحرص البلاغ على التأكيد على التمسك بوقف إطلاق النار، واحترام سلامة الأراضي الوطنية وأمن المواطنين، وهي رسالة ترمي إلى الجمع بين التشبث بالثوابت السيادية وتأكيد الالتزام بالاستقرار، بما يعكس سعي الخطاب إلى تقديم الموقف المغربي باعتباره قائمًا على الجمع بين الحزم السياسي والمسؤولية الأمنية.

وبناء على ذلك، يمكن القول إن البلاغ يقدم تصورًا استراتيجيًا يروم نقل مركز الثقل في قضية الصحراء المغربية من إدارة النزاع ضمن آليات دولية ممتدة إلى تعزيز الحل السياسي الذي تتبناه المملكة، مستندًا إلى الدبلوماسية متعددة المستويات، وتوسيع التحالفات الدولية، وتكريس مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الخيار الذي تدافع عنه الرباط لتسوية هذا الملف.

وهكذا، فإن القيمة الأساسية للبلاغ تتمثل في كونه يعبر عن إرادة سياسية لإعادة صياغة أفق التسوية، ويؤشر على استمرار الرهان المغربي على الدبلوماسية الملكية باعتبارها أداة لتوسيع الدعم الدولي وترسيخ مقاربة الحكم الذاتي، في أفق إنهاء النزاع ضمن تصور يحافظ على الوحدة الترابية للمملكة ويعزز فرص الاستقرار الإقليمي وتحقيق الأمن والسلام.