المصطفى قاسمي
وجهة نظر

الإعلام والنخبة السياسية والفكرية الجزائرية ووهم الجمهورية الصحراوية

يستمر الخطاب السياسي والإعلامي والنخبوي في الجزائر، بمعية صنيعتها جبهة البوليساريو الانفصالية، في الاجترار الأعمى لشعارات متجاوزة تهدف إلى تضليل الرأي العام الإقليمي والدولي.

يرتكز هذا الخطاب على قراءات مشوهة لقرارات مجلس الأمن، والرهان المراهق على مواقف دبلوماسية ظرفية، وتوهم إمكانية إحياء كيان وهمي لا أساس له لا في الجغرافيا ولا في التاريخ القانوني والدولي.

وفي المقابل، يستند المغرب -ملكاً وشعباً- إلى الشرعية التاريخية، والدينية، والقانونية، متسلحاً بروابط البيعة والسيادة التي تربط سلاطين وملوك العلويين بالأقاليم الجنوبية على مدى قرون، ومدعوماً برؤية ملكية متبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، جعلت من الصحراء قطباً للتنمية والاستقرار والسيادة الكاملة.

أولاً: أوهام الخطاب الجزائري والنخبوي.

تعيش النخبة السياسية والفكرية والإعلامية في الجزائر حالة من الانفصال عن الواقع الدولي والشرعية التاريخية، يتجلى في عدة منزلقات ومغالطات كبرى:

1. الرهان على الوهم الدبلوماسي وتفسير القرارات الدولية بعقلية متآمرة:

تعتبر هذه النخبة أن أي نقاش داخل أروقة مجلس الأمن أو أي استخدام لحق الرفض (الفيتو) أو تحفظات هنا وهناك هو انتصار لمشروعها الانفصالي، متجاهلة تماماً التطور الحاسم في عقيدة مجلس الأمن الدولي الذي بات يكرس سمو مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الحل الجاد والواقعي والوحيد للنزاع المصطنع.

2. تبخيس الشرعية الدولية وتحميل الأمم المتحدة المسؤولية:

من المفارقات العجيبة أن يحمل الإعلام الجزائري هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن مسؤولية “تراجع” أطروحتهم، في هروب دائم من الاعتراف بفشلهم الذريع في إقناع المجتمع الدولي بوجود “جمهورية” وهمية لا توجد إلا في مخيلتهم.

3. الاستثمار الفاشل في الاتحاد الإفريقي:

الرهان على منظمة الاتحاد الإفريقي لعزل المغرب هو هروب إلى الأمام؛ فالمغرب اليوم بداخل أسرته المؤسسية الإفريقية يحصد انتصارات دبلوماسية وازنة، أغلق من خلالها الباب أمام محاولات تسلل الكيانات الوهمية، وتحولت القارة إلى فضاء للشراكة الاستراتيجية والتنمية المشتركة بعيداً عن أيديولوجيات الحرب الباردة.

4. تغليف الوهم “تقرير المصير”:

بالحديث عن “العودة للمطالبة بالاستقلال” هو استمرار لإنكار الحقيقة الديموغرافية والسياسية؛ فالسكان الحقيقيون للصحراء المغربية يمارسون سيادتهم وتدبيرهم الديمقراطي لشؤونهم عبر المجالس المنتخبة والمؤسسات الرسمية للمملكة، وممثلوهم الشرعيون هم من يترافعون عن مغربية الصحراء في المحافل الدولية.

ثانياً: الجذور التاريخية والشرعية الدينية: الصحراء مغربية بالأصل والامتداد.

إن محاولة الجزائر والبوليساريو طمس الحقائق التاريخية باءت بالفشل، لأن التاريخ المغربي للصحراء موثق بسجلات دامغة لا تقبل التشكيك:

روابط البيعة والشرعية الدينية والسياسية:

عبر التاريخ الوسيط والحديث، لم تكن الصحراء يوماً أرضاً بلا صاحب أو “تيرا نوليوس” (Terra Nullius).

لقد كانت البيعة الشرعية لسلاطين الدولة المغربية (من السعديين إلى العلويين الأجلاء) هي الرابط الأساسي والمقدس الذي يربط قبائل الصحراء بالعرش العلوي الشريف. وكانت الظهائر السامية والتعيينات الملكية للقضاة والعلماء والولاة تصدر بانتظام لتؤكد نفوذ السيادة المغربية الممتد إلى أبعد نقطة في الجنوب.

الأدلة القانونية والدولية:

حتى محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الشهير لسنة 1975، أقرت صراحة بوجود روابط قانونية للولاء والبيعة بين سلاطين المغرب وبعض قبائل الصحراء،وهو الواقع الذي ثبته المسيرة الخضراء المظفرة سنة 1975 بقيادة جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه، لتسترجع المملكة أقاليمها الجنوبية بطرق سلمية حضارية أبهرت العالم.

ثالثاً: التحولات الاستراتيجية الكبرى: قرارات مجلس الأمن، الاعترافات الدولية، والنهضة التنموية الشاملة

شهدت قضية الصحراء المغربية في السنوات الأخيرة انعطافات تاريخية حاسمة على المستويات الأممية والدبلوماسية والتنموية، مما رسخ الواقع الميداني والقانوني لمغربية الصحراء:

1. قرارات مجلس الأمن الدولي وتكريس سمو الحكم الذاتي

على عكس ما يروج له الخطاب الجزائري من أوهام، عكست قرارات مجلس الأمن الدولي المتعاقبة (لا سيما القرارات من 2440 إلى أحدث القرارات الأممية) تحولاً جوهرياً في العقيدة الأممية. فقد بات المجلس يشدد بوضوح على أن الحل السياسى العادل ودائم والمقبول من الطرفين لا يمكن أن يتم إلا في إطار مبادرة الحكم الذاتي التي تقدمت بها المملكة المغربية سنة 2007، واصفاً إياها بالحل الجاد والذكي والواقعي الذي ينهي النزاع المفتعل.كما دعت القرارات ذات الصلة جميع الأطراف، ولا سيما الجزائر، إلى الانخراط بمسؤولية وواقعية في مسلسل الموائد المستديرة، مكرسة بذلك نهاية الأطروحات الانفصالية المتجاوزة.

2. الاعترافات الدولية والإقرار بجدية السيادة والحكم الذاتي

حققت الدبلوماسية المغربية تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك مكاسب استراتيجية غير مسبوقة على الساحة الدولية، تمثلت في:

اعترافات وازنة للقوى الكبرى: في مقدمتها الاعتراف التاريخي للولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المملكة المغربية الكاملة على كافة أقاليمها الجنوبية (ديسمبر 2020).

مواقف أوروبية داعمة وحاسمة: تحولت مواقف عواصم أوروبية وازنة (مثل إسبانيا، ألمانيا، وفرنسا) نحو دعم صريح ومتقدم لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأجدر لحل النزاع.

الدبلوماسية القنصلية: فتح أكثر من ثلاثين بلداً وصديقاً (عربياً وإفريقياً) قنصليات عامة لها في مدينتي العيون والداخلة، مما شكل تكريساً عملياً ودولياً لسيادة المغرب وتأكيداً على أمن واستقرار الأقاليم الجنوبية.

3. النموذج التنموي الجديد وجهود جلالة الملك محمد السادس

لم تقتصر سيادة المغرب على البعد الدبلوماسي والسياسي، بل تجسدت ميدانياً عبر أورش كبرى ونهضة استثنائية أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في الأقاليم الجنوبية، لتتحول الصحراء إلى ورش مفتوحة للتنمية المندمجة:

البنى التحتية الكبرى: إنجاز مشاريع مهولة مثل ميناء الداخلة الأطلسي، الطريق السريع الرابط بين تيزنيت والداخلة، وتأمين الحدود الحيوية وتسهيل الملاحة والتجارة العالمية (معبر الكركرات).

القطاعات الاجتماعية والعلمية: إحداث الجامعات الكبرى والمستشفيات الجامعية والمراكز التكوينية، لتمكين شباب المنطقة من تدبير شؤونهم بأنفسهم وفق معايير الحكامة الترابية الديمقراطية.

الطاقات المتجددة والاقتصاد الأخضر: جعل الأقاليم الجنوبية قطباً استراتيجياً لإنتاج الطاقات النظيفة (الريحية والشمسية) ومشاريع الهيدروجين الأخضر، مما جذب استثمارات وطنية ودولية كبرى.

خاتمة

إن الجزائر ونخبتها تعيش في سراب تاريخي وسياسي لن يغير من الحقيقة والواقع: المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها. فكل أوهام الفيتو والاتحاد الإفريقي والمغالطات الإعلامية تتكسر تباعاً أمام صخرة الواقع، والشرعية الأممية، والإرادة الملكية الراسخة، والالتحام التاريخي للشعب المغربي قاطبة من طنجة إلى الكويرة دفاعاً عن مقدساته الوطنية.