هي غير الغابة السوداء (Schwarzwald) التي ارتبطت بها حياة الفيلسوف الألماني “مارتن هايدغر” – صاحب الوجود والزمان – ارتباطا وثيقا؛ليس كمجرد أدغال يعيش فيها،بل ملاذا روحيا أثمر كل تأملاته الفلسفية.
غابتنا التي اشتهرت برقم:33 – في تشطيب على بهائها الأخضر،ليصبح مجرد رقم معاملات خفافيشية – ملاذٌ لصُناع العاهات الهلْوسية،كفلسفة للضياع في متاهات الأزقة الخلفية؛حيث الرطوبة، النتانة، وسقط البشر.
في البدء كانت العين التي لا ترى:
بعماها الارادي اقتطعت حيزا غابويا،في قلب المغرب النابض،وفي وسط مثلث:
بنسليمان،المحمدية،بوزنيقة؛ كمشارف للعملاق المعماري والبشري،الذي اسمه الدار البيضاء الكبرى: قرابة الثمانية ملايين نسمة.
نامت العين التي أرادت ألا ترى،حيث يجب أن تجرد أقصى يقظتها،فتحصي حتى الذئاب والثعالب،وليس فقط طيور الليل والنهار.
نامت نواطير مصر عن ثعالبها فأكلن حتى بشمن الثعالبُ
يؤكد الشهود أن الغابة السوداء،هذه، ظلت لسنين عديدة لا يخبو فيها الرواج الهلوسي،ليلا ولا نهارا.
يقصدها تجار الجملة،والتقسيط، والزبناء؛الا العيون التي قررت ألا ترى شيئا.
ولا أحد يعوي لوجه الله،من البشر؛ وان كانت الذئاب قد تفعل،حين يقهرها البرد والجوع.
وكما العواء الرؤية،ولا أحد،مبصرا، لا يرى؛الا اذا قرر ألا يرى.
ان كنت تدري فتلك مصيبة وان لم تكن تدري فالمصيبة أعظم
يقع كل هذا في مساحة غا بوية حساسة،لقربها من القصر الملكي الغابوي بدوره.
وقبله لكونها هبة بيئية طاهرة،وسط كثافة سكانية ضخمة، و محركات لا تتوقف.
وكما التدخين الذي كثيرا ما تنحرف اليه الرئات الانسانية،عمدا،وفيه خرابها؛جعلوا الغابة مُحرضةً على التخدُّر بأنواعه؛وكأن الله ما أنبتها ونذرها لا نتاج الحياة،بإنتاج الأوكسجين.
ليلة القبض على الغابة السوداء:
كأي فِطر ينمو فوضويا في الرطوبة، كما اتفق؛ تحولت عروس بنسليمان،بعد أن كانت في منبت عفة وصون، الى بائعة هوى مشاعة لكل من هبَّ ودب.
قصدها الشباب والكهول والفتيات والنساء،من كل فج عميق،راكبين وراجلين؛ وأحيانا – حسب الشهود – تفد عليها سيارات فارهة تتبضع راكباتها وركابها،على هواهم.
واذ داهمها شباب الحِمى،راغبين في نقائها،وليس بغائها،استقبلتهم بما يُزرع،وما يُصنَّع كيميائيا،وما يشرب وما يُسْتفُّ..
كما استقبلتهم بأفرشة العُهر،منبثة في أرجائها،وهي في غاية القذارة.
والخطير أنهم ألْفَوها شاكية السلاح الناري والأبيض، وبمولدات كهرباء؛وما يخطر ببالكم من متاع البغِيِّ،التي كفت أن تكون ذات عفاف وحصانة.
(ما ابقات جرْدة، ما ابقى عساس)
ضيعتها العيون التي اختارت ألا ترى؛وهي على مقربة منها،ليلا ونهارا.
لكن لم الشباب وليس الدولة؟
لأن أسلحة الغابة السوداء أسقطت ضحايا من الشباب؛اذ التسيب الصغير يكبر ليصير أجرأ وأخطر،الى أن يصير مجرما محترفا ومتهورا،وبدون أدنى رحمة.
وحيث تلكأت القوة العمومية،لأسباب تعرفها هي،بادر الشباب الى الحلول محلها.
ولولا لطف الله لسقطت أرواح عديدة في ليل الغابة.
توثق بعض الأشرطة خروجهم منها،بأضمومات القنب والطابة وقنينات ملآى وفارغة،وبهلع كبير من هول ما شاهدوا.
ياه،أكل هذا فيها؟ أكل هذا منها، وهي قاب أمتار معدودة من عيون الدولة؟
ليست لافي مجاهل الأطلس،ولا الريف،ولا الصحراء،ولا المريخ؛انها في قلب المغرب النابض.
وأخيرا تتحرك الدولة:
حل الدرك الحربي،وفي ركابه القوات المساعدة؛ أرتالا أرتالا.
وقبله اشتعلت مواقع التواصل،وتوالت اشرطة الفضيحة،معلنة أن الحدث جللٌ،والنازلة أكبر من أن تتصدى لها القوة العمومية ذات الاختصاص الترابي.
وفي مثل هذه النوازل تنزل السلطة العليا،بكل ثقلها.
اننا لا نرى الا فوهة البركان المشتعلة،وما في طيات الأرض لا يراه الا الراسخون في السلطة وتدبير الأزمات.
في قلب كل غابة غابة:
لم تولد سوداء،بل سُوِّدَت.
سودتها عيون لا ترى،اختيارا؛ واهمالٌ يلد اهمالا.
وكل الثقة،الآن، في القضاء، حتى يعمق التحقيق،ليعرف من أين هبت الريح؟وأي باب يجب أن تغلق.
لنأمن على أبنائنا وتلامذتنا؛وعلى غاباتنا التي كانت تحصِّنها وحوشُها الضارية ذات زمن؛ وحينما انقرضت دخلتها وحوش آدمية جارحة وقاتلة،لا يعنيها أمر الوطن في شيء، ولا تعرف عن رهاناته وقضاياه شيئا.
وكلُّ من ثبت تورُّطُه وتواطؤه يجب أن ينال جزاءه.
ورحم الله أبرياء فاضت أرواحهم في الغابة السوداء.
وتحية لكل من بادر لتطهيرها،مما فيها،ومما كانت ستراكمه من جرائم،لو ظلت في عهدة عيون قررت ألا ترى.