يسعى القضاء الإسباني إلى الكشف عن طبيعة المعلومات الاستخباراتية التي تبادلتها مدريد والرباط قبيل أحداث الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة في يوليوز الماضي، ومدى انعكاسها على تدبير الأزمة. وفي هذا السياق، كشفت مجلة “جون أفريك” أن قاضية بالمحكمة الوطنية الإسبانية، ماريا تاردون، أمهلت الحكومة الإسبانية، في 27 أكتوبر المنصرم، 15 يوما لرفع السرية عن وثائق جديدة تابعة للمركز الوطني للاستخبارات، بهدف الاطلاع على تفاصيل التحذيرات التي سبقت الأحداث والمراسلات المرتبطة بها مع المصالح الأمنية المغربية.
وأوضحت المجلة أن الاستخبارات الإسبانية نبهت نظيرتيها المغربيتين، الإدارة العامة للدراسات والمستندات والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ابتداء من 29 يوليوز، إلى وجود مجموعات افتراضية تضم نحو 180 ألف عضو تدعو لاقتحام الحدود بحرا أو عبر السياجات. وأضافت أن القاضية تطالب بالاطلاع على النص الكامل للمذكرات المحالة على المصلحتين المغربيتين، والردود المحتملة من الرباط، لمعرفة حجم المعلومات المتبادلة والقرارات المتخذة، في ظل جعل اليمين واليمين المتطرف الإسبانيين من الهجرة ورقة لانتخابات 29 نونبر.
ويتقاطع هذا المسار القضائي مع تحول جذري في أساليب الهجرة غير النظامية، وثقته وزارة الداخلية المغربية في حصيلتها لسنة 2026، المعروضة مؤخرا أمام البرلمان. ولم تعد التعبئة تعتمد على مسالك التهريب الكلاسيكية، بل أضحت تستغل تطبيقات المراسلة المشفرة، وتقديم دروس في السباحة، فضلا عن التأويل المضلل لقرارات قضائية إسبانية لاستقطاب المرشحين.
وأحبطت السلطات المغربية 58 ألفا و153 محاولة للهجرة غير النظامية بين شهري يناير وغشت، مع تفكيك 148 شبكة إجرامية وإنقاذ 8288 شخصا. وأظهرت أزمة سبتة أواخر يوليوز حجم التعبئة الرقمية، إثر نشر قرار للمحكمة العليا الإسبانية يؤطر الترحيل الفوري للمهاجرين، ما ولد شائعات أوهمت الراغبين في العبور بأن السباحة تسهل الإفلات من الترحيل، وهو ما ساهم في توافد قرابة 40 ألف شخص نحو الجيب المحتل وفق التقديرات المغربية، مقابل 70 ألفا في التقديرات الإسبانية.
وتأكد هذا الزخم الرقمي من خلال رصد المجلس الوطني لحقوق الإنسان 23 مجموعة افتراضية تضم أكثر من مليون عضو، وتنتج نحو 1400 منشور يوميا عبر منصات التواصل، تتضمن نداءات للعبور ومسارات مقترحة وعروضا لبيع المعدات. وتداخلت في هذه المنشورات، ومنها مجموعات رصدتها الاستخبارات الإسبانية أيضا مثل “هجوم على سياج سبتة” و”سبتة الفنيدق”، النداءات العفوية مع الشائعات وعروض وسطاء يسعون للربح.
وتعتزم وزارة الداخلية، بناء على هذه المعطيات، تعزيز أدوات اليقظة الرقمية ومعدات المراقبة بالتعاون مع الشركاء الأوروبيين. وخصص الاتحاد الأوروبي في هذا الإطار 222 مليون يورو لإدارة الهجرة في المغرب بين 2021 و2024، مع برمجة 190 مليون يورو إضافية حتى 2027، إلى جانب اعتماد ميزانية إقليمية بقيمة 675 مليون يورو لشمال إفريقيا، خُصص منها 160 مليون يورو لبرنامج دعم ميزانية الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء بالمغرب، وهي مخصصات غير محصورة في مراقبة الحدود.
وتفاعلا مع أحداث سبتة، تناولت مباحثات بين رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز تعزيز المساعدة التقنية والمالية للمغرب، لاسيما لتحسين مراقبة الحدود وأنظمة الإنذار المبكر، دون الإعلان رسميا عن مبالغ إضافية محددة.