معاناة المرضى النفسيين بزاكورة تفتح ملف العدالة المجالية والحق في العلاج والإيواء
مجتمع

معاناة المرضى النفسيين بزاكورة تفتح ملف العدالة المجالية والحق في العلاج والإيواء

تطرح أوضاع الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية ويتجولون في شوارع مدينة زاكورة وعدد من الجماعات التابعة للإقليم، إشكالات تتجاوز مظاهر الهشاشة الاجتماعية إلى أسئلة الحق في العلاج والرعاية والإيواء، في ظل ما يصفه فاعلون حقوقيون بخصاص في البنيات والخدمات الصحية والاجتماعية الموجهة لهذه الفئة، وصعوبات الولوج إلى خدمات الطب النفسي، خصوصا بالمناطق البعيدة عن مركز الإقليم.

وفي هذا السياق، دعا عبد الله ايعيش، الفاعل الجمعوي والناشط الحقوقي بمدينة زاكورة، إلى اعتماد مقاربة حقوقية ومؤسساتية في التعامل مع هذه الحالات، معتبرا أن الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية ليسوا موضوعا للإحسان أو الشفقة، وإنما مواطنون لهم حقوق يتعين ضمانها، وفي مقدمتها الحق في العلاج والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية وصون الكرامة الإنسانية.

وأوضح ايعيش، في تصريح لجريدة “العمق”، أن التعامل مع هذه الفئة من منظور حقوقي يقتضي تجاوز التوصيفات التي تحمل طابعا وصميا، والانتقال إلى مساءلة الظروف المؤسساتية والمجالية التي تجعل أشخاصا يعانون اضطرابات نفسية في مواجهة الشارع دون رعاية أو مواكبة منتظمة. مستحضرا في هذا الإطار الفصلين 31 و34 من الدستور، المرتبطين بالحق في العلاج والرعاية الصحية وحماية الأشخاص في وضعية هشاشة، معتبرا أن استمرار هذه الأوضاع يعكس اختلالا في ضمان العدالة المجالية في مجال الصحة النفسية.

وسجل الفاعل الجمعوي أن إقليم زاكورة، بالنظر إلى امتداده الجغرافي وتباعد جماعاته ومناطقه، يواجه خصاصا في الخدمات المتخصصة في الصحة النفسية، مشيرا إلى غياب مصلحة دائمة للطب النفسي، وعدم توفر مركز مخصص للإيواء، فضلا عن النقص في الأدوية الضرورية للتكفل بالمرضى. معتبرا أن هذه الاختلالات تجعل عددا من الأشخاص في وضعيات صحية واجتماعية صعبة دون مواكبة مؤسساتية كافية، وتدفع بعضهم إلى البقاء في الفضاءات العامة في ظروف لا تستجيب لأبسط شروط الرعاية والكرامة.

وفي تشخيصه للجهات التي تتحمل مسؤولية معالجة هذه الوضعية، شدد ايعيش على أن تدخل السلطات المحلية والجماعات الترابية والمصالح الصحية والاجتماعية لا ينبغي أن يظل محصورا في المبادرات الظرفية، بل يتعين أن يستند إلى مسؤوليات واضحة وتنسيق مؤسساتي يضمن الحماية والتكفل المستمرين.

وفي هذا الصدد، اعتبر أن دور السلطات المحلية والجماعات الترابية ينبغي أن ينصب على حماية الأشخاص الذين يعيشون في وضعية تشرد أو هشاشة، والعمل على توفير شروط الإيواء والمساعدة الاجتماعية، بدل الاكتفاء بتدابير مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة. مستحضرا مقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، معتبرا أنها تتيح للجماعات الترابية أدوارا في مجال إحداث وتدبير مرافق المساعدة الاجتماعية.

وبخصوص القطاع الصحي، وضع المتحدث مسؤولية ضمان الحق في العلاج على عاتق المصالح الصحية المختصة، مشيرا إلى أن غياب طبيب نفسي قار بزاكورة وعدم توفر جناح متخصص في الطب النفسي بالمستشفى الإقليمي يحدان من إمكانيات التكفل بالحالات التي تحتاج إلى متابعة طبية متخصصة. داعيا قطاع التعاون الوطني إلى الاضطلاع بدوره في توفير المواكبة الاجتماعية والإيواء، والعمل على إعادة ربط الأشخاص المعنيين بأسرهم وذويهم، متى أمكن ذلك، بما يضمن استمرارية الرعاية وإعادة الإدماج الأسري والاجتماعي.

وبالنسبة إلى التدابير التي يرى أنها باتت ضرورية لمعالجة هذه الوضعية، طالب ايعيش بإحداث خلية إقليمية دائمة للتكفل بالأشخاص في وضعية هشاشة نفسية واجتماعية، تحت إشراف عامل إقليم زاكورة، تضم ممثلين عن القطاعات الصحية والاجتماعية والجماعات الترابية، إلى جانب الجمعيات المعنية، على أن تتولى تنسيق التدخلات وفق آليات عمل واضحة تضمن سرعة الاستجابة للحالات التي تستدعي تدخلا عاجلا.

كما دعا إلى إحداث مركز إقليمي للاستقبال والإيواء، يوفر لهذه الفئة شروط العيش الكريم والرعاية اللازمة، معتبرا أن غياب فضاءات مخصصة للتكفل يفاقم معاناة الأشخاص الذين يجدون أنفسهم دون مأوى أو متابعة صحية واجتماعية منتظمة.

وامتدت مطالبه إلى ضرورة إحداث وحدة متنقلة للصحة النفسية، تتولى زيارة الجماعات الترابية البعيدة عن مركز الإقليم، من قبيل تنسيفت ومحاميد الغزلان وتاكونيت، بهدف تقريب الخدمات الصحية المتخصصة من الساكنة، وضمان استفادة الأشخاص الذين يحتاجون إلى العلاج والمواكبة من هذه الخدمات، دون أن يشكل البعد الجغرافي عائقا أمام حقهم في الرعاية الصحية.

وفي جانب آخر، نبه الفاعل الجمعوي إلى ما وصفه بـ “الممارسات الحاطة بكرامة الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية”، داعيا إلى وضع حد لتصويرهم ونشر صورهم ومقاطع فيديو توثق أوضاعهم على مواقع التواصل الاجتماعي بغرض السخرية والتشهير، فضلا عن رفض أي شكل من أشكال التعنيف أو المعاملة المهينة. مشددا على أن الوضع الصحي أو الاجتماعي لهذه الفئة لا يبرر المساس بكرامتها أو انتهاك حقوقها، باعتبار أن الحماية والرعاية تظلان حقين مكفولين لكل شخص.

وختم ايعيش تصريحه لـ “العمق” بالتأكيد على أن معالجة هذه الأوضاع تقتضي الانتقال من التعامل الظرفي مع الحالات التي تظهر في الشوارع إلى بناء منظومة متكاملة للتكفل الصحي والاجتماعي، تقوم على توفير العلاج والإيواء والمواكبة، وتعزز التنسيق بين مختلف المتدخلين، معتبرا أن ترك الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية دون رعاية لا يعالج المشكلة، بل يفاقم معاناتهم ويعرض حياتهم لمخاطر إضافية.