60% من التعهدات الحكومية بلا تتبع.. ورقة سياسات ترصد “اختلالات” الرقابة البرلمانية بمجلس النواب
سياسة

60% من التعهدات الحكومية بلا تتبع.. ورقة سياسات ترصد “اختلالات” الرقابة البرلمانية بمجلس النواب

كشفت ورقة سياسات صادرة عن المعهد المغربي لتحليل السياسات وجود اختلالات في فعالية الممارسة الرقابية بمجلس النواب، رغم الارتفاع المسجل في حجم النشاط البرلماني خلال الولاية التشريعية 2021-2026، معتبرة أن تطور عدد الأسئلة والتدخلات داخل جلسات المساءلة لم يواكبه تطور مماثل في آليات تنظيم المشاركة وتتبع مخرجات الرقابة وتقييم أثرها.

جاء ذلك وفق معطيات تضمنتها ورقة سياسات بعنوان “المساءلة غير المكتملة: اختلالات جلسات الأسئلة الشفهية بمجلس النواب”، أعدها الباحث والصحافي ياسر المختوم ونشرها المعهد المغربي لتحليل السياسات.

ووفق الورقة فقد شهدت جلسات الأسئلة الشفهية بمجلس النواب خلال الولاية التشريعية 2021-2026 ارتفاعا ملحوظا في حجم النشاط الرقابي، بعدما انتقل مجموع التدخلات البرلمانية من 7124 تدخلا خلال الولاية السابقة إلى 10354 تدخلا، بزيادة بلغت 45.3 في المائة، فيما ارتفع عدد الأسئلة الشفهية من 2473 إلى 3997 سؤالا، بنسبة تجاوزت 61 في المائة.

ورغم هذا التطور الكمي، تكشف الورقة، التي استندت إلى تحليل 125 جلسة أسبوعية خلال الولاية التشريعية المنتهية، أن الارتفاع المسجل في عدد الأسئلة والتدخلات لم يصاحبه تطور مماثل في آليات تنظيم الممارسة الرقابية ورصد مخرجاتها وتتبع آثارها، وهو ما يطرح إشكالات تتعلق بتفاوت فرص المشاركة بين النواب، ومدى توازن الاهتمام الرقابي الموجه إلى القطاعات الحكومية، فضلا عن محدودية المعطيات المتاحة بشأن مآل التعهدات التي تقدمها الحكومة خلال جلسات المساءلة.

وترصد الدراسة ثلاث فجوات أساسية في الممارسة الرقابية داخل المؤسسة التشريعية، تتمثل في عدم انتظام توزيع المشاركة بين أعضاء مجلس النواب، وتركيز ما يقارب ثلث التدخلات القطاعية في أربعة قطاعات حكومية فقط، إلى جانب عدم توفر أجوبة منشورة بشأن مآل 60 في المائة من التعهدات الحكومية المسجلة خلال الولاية، معتبرة أن الإشكال الأساسي لم يعد مرتبطا بحجم النشاط داخل الجلسات، وإنما بمدى قدرة الآليات المؤسساتية على تحويل هذا النشاط إلى رقابة قابلة للرصد والتقييم والتحقق من نتائجها.

ارتفاع بـ45 في المائة في مجموع التدخلات

وتنطلق الورقة من اعتبار جلسات الأسئلة الشفهية الأسبوعية إحدى أبرز آليات الرقابة البرلمانية وأكثرها انتظاما وظهورا أمام الرأي العام، بالنظر إلى ما تتيحه للنواب من إمكانية مساءلة الحكومة بشأن السياسات العمومية والقضايا التي تستأثر باهتمام المواطنين، فضلا عن كونها مؤطرة دستوريا بموجب الفصل 100، الذي ينص على تخصيص جلسة أسبوعية، بالأسبقية، لأسئلة أعضاء البرلمان وأجوبة الحكومة.

وفي هذا السياق، تظهر المقارنة بين الولايتين التشريعيتين 2016-2021 و2021-2026 ارتفاع عدد الجلسات الأسبوعية من 110 إلى 125 جلسة، أي بزيادة بلغت 13.6 في المائة، فيما انتقل إجمالي التدخلات من 7124 إلى 10354 تدخلا، مسجلا ارتفاعا بنسبة 45.3 في المائة.

وعلى مستوى الأسئلة الشفهية، انتقل العدد من 2473 سؤالا خلال الولاية السابقة إلى 3997 سؤالا خلال الولاية موضوع الدراسة، بزيادة بلغت 61.6 في المائة، بينما ارتفع عدد التعقيبات والردود الإضافية من 4159 إلى 5612 تدخلا، بنسبة زيادة وصلت إلى 34.9 في المائة.

كما سجلت نقاط النظام ارتفاعا لافتا، بعدما انتقلت من 291 نقطة خلال الولاية التشريعية 2016-2021 إلى 711 نقطة خلال الولاية الموالية، بزيادة بلغت 144.3 في المائة، في المقابل تراجع عدد الإحاطات المتعلقة بموضوع طارئ من 147 إلى 34 إحاطة، أي بانخفاض قدره 76.9 في المائة.

وتبرز هذه الأرقام، وفق المعطيات التي أوردتها الورقة، توسعا في استعمال أدوات التدخل داخل الجلسات الأسبوعية، إذ ارتفع متوسط عدد التدخلات في الجلسة الواحدة من 64.8 إلى 82.8 تدخلا، بما يعكس كثافة أكبر للنشاط الرقابي المسجل خلال الولاية التشريعية 2021-2026.

غير أن الورقة تميز بين هذا التطور الكمي وبين مستوى فعالية الرقابة، مشيرا إلى أن ارتفاع عدد الأسئلة والتدخلات لا يكفي، بمفرده، لتقييم مدى جودة المساءلة البرلمانية، ما دامت المعطيات المتعلقة بتوزيع المشاركة، وطبيعة استعمال الأدوات الإجرائية، ومآل الالتزامات الحكومية لا تتوفر بالقدر الكافي الذي يسمح بتقييم متكامل لمخرجات هذه الجلسات.

تركيز 29 في المائة من التدخلات في أربعة قطاعات

ولا تتعلق الاختلالات التي رصدتها الورقة بمستوى المشاركة بين النواب فقط، بل تمتد أيضا إلى توزيع الاهتمام الرقابي بين القطاعات الحكومية، إذ أظهر تحليل 9609 تدخلات مرتبطة بالأسئلة والتعقيبات والتعقيبات الإضافية تفاوتا في حجم المساءلة الموجهة إلى مختلف القطاعات.

وفي هذا الإطار، استحوذت أربعة قطاعات حكومية على 2812 تدخلا، أي ما يعادل 29.3 في المائة من مجموع التدخلات القطاعية، ويتعلق الأمر بقطاع التجهيز والماء الذي تصدر القائمة بـ798 تدخلا، متبوعا بقطاع الفلاحة والتنمية القروية بـ704 تدخلات، ثم التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بـ677 تدخلا، وقطاع الصحة والحماية الاجتماعية بـ633 تدخلا.

وفي المقابل، سجلت قطاعات أخرى حضورا أقل في جلسات الأسئلة الشفهية، من بينها الشؤون الخارجية بـ51 تدخلا، والصيد البحري بـ131 تدخلا، والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني بـ175 تدخلا، والعلاقات مع البرلمان بـ184 تدخلا، والأوقاف والشؤون الإسلامية بـ192 تدخلا.

وتتحفظ الورقة على اعتبار هذا التفاوت دليلا مباشرا على ضعف الرقابة الموجهة إلى القطاعات الأقل استقطابا للأسئلة، مشيرة إلى أن طبيعة اختصاصات الوزارات ومدى ارتباطها المباشر بانشغالات المواطنين، فضلا عن ملاءمة القضايا التي تدبرها لآلية السؤال الشفهي، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في حجم الاهتمام الرقابي.

وترى أن الإشكال يرتبط أساسا بغياب مؤشرات منظمة ومنتظمة تسمح برصد تطور توزيع الأسئلة والتعقيبات بين القطاعات والموضوعات، ومعرفة المجالات التي تستقطب اهتماما أكبر أو أقل داخل المؤسسة التشريعية.

60 في المائة من التعهدات دون جواب منشور عن مآلها

أما الفجوة الثالثة التي تسجلها الورقة فتتعلق بمرحلة ما بعد طرح السؤال الشفهي وتلقي جواب الحكومة، وتحديدا مدى تتبع التعهدات التي يقدمها أعضاء الحكومة خلال جلسات المساءلة.

وفي هذا الصدد، تشير البيانات المنشورة من طرف الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان إلى تسجيل 1339 تعهدا حكوميا خلال الولاية التشريعية 2021-2026، غير أن جوابا بشأن مآل 534 تعهدا فقط كان متاحا إلى حدود نهاية أكتوبر 2026، وهو ما يمثل حوالي 40 في المائة من مجموع التعهدات.

وفي المقابل، لم يظهر جواب عن مآل 805 تعهدات، أي ما يعادل 60 في المائة، بما يكشف محدودية المعطيات المتاحة بشأن متابعة الالتزامات الحكومية المعلنة تحت قبة البرلمان.

وتبرز الدراسة أن نسبة الإجابة عن مآل التعهدات لم تعرف مسارا تصاعديا منتظما خلال السنوات الخمس، إذ انتقلت من 29 في المائة خلال السنة الأولى إلى 37 في المائة خلال السنة الثانية، قبل أن تبلغ 52 في المائة في السنة الثالثة، ثم تتراجع إلى 43 في المائة في السنة الرابعة و37 في المائة في السنة الخامسة.

وتشدد الورقة على ضرورة التمييز بين وجود جواب منشور بشأن مآل التعهد وبين التحقق من تنفيذه فعليا، معتبرة أن المرحلتين منفصلتان، وأن تسجيل إجابة عن مصير الالتزام لا يعني بالضرورة الوفاء به أو قياس أثره.

الانتقال من تدبير الجلسات إلى إدارة الرقابة

وأمام هذه الاختلالات، تقترح الورقة تعزيز شفافية بيانات المشاركة داخل جلسات الأسئلة الشفهية، من خلال نشر معطيات مفتوحة وقابلة للمعالجة الآلية تشمل الأسئلة والتعقيبات ونقاط النظام والإحاطات بموضوع طارئ، مع إمكانية تتبع تطور هذه المؤشرات على امتداد الولاية التشريعية.

كما تدعو إلى تطوير لوحة بيانات دورية تعرض توزيع الأسئلة والتعقيبات بحسب القطاعات والموضوعات، بما يسمح برصد بنية الأجندة الرقابية وتحولاتها، وتحديد المجالات الأكثر والأقل حضورا، دون افتراض أن التوزيع المتساوي بين القطاعات يمثل هدفا في حد ذاته.

وفي ما يتعلق بالتعهدات الحكومية، تقترح الدراسة تطوير الآلية القائمة لتتبعها، من خلال تحديث وضعية كل تعهد بصورة دورية، وتحديد أجل مرجعي للإجابة عن مآله، مع التمييز بين التعهد المنفذ، والمنفذ جزئيا، وقيد التنفيذ، وغير المنفذ، والمتعذر التحقق من مآله.

وتعتبر الورقة أن جعل الإجابة عن مآل التعهدات إلزامية يقتضي مراجعة المادة 301 من النظام الداخلي لمجلس النواب، التي تنص حاليا على أنه “يمكن للحكومة الإجابة عن مآل التعهدات” التي جرى جردها خلال جلسات الأسئلة الشفهية.

وتخلص إلى أن تطوير الممارسة الرقابية لا ينبغي أن ينصب فقط على زيادة عدد الأسئلة والتدخلات، وإنما على تحسين شروط المشاركة والشفافية والتوثيق والتتبع، بما يسمح بالانتقال من مجرد تدبير زمن الجلسة إلى إدارة العملية الرقابية برمتها.